
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل الدورة الثامنة عشرة للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، المنعقد بمدينة مكناس خلال أبريل 2026، واجهة استراتيجية لتثمين التحولات التي يعرفها القطاع الفلاحي وتعزيز جاذبية المملكة كقطب إقليمي في الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي، تكشف المعاينة الميدانية، مدعومة بشهادات مهنيين وزوار وإعلاميين، عن صورة مغايرة تماماً، حيث تتقاطع الاختلالات التنظيمية مع أعطاب الحكامة، ويتحول حدث دولي يفترض أن يجسد النجاعة إلى فضاء يعيد إنتاج نفس الأعطاب التي ظلت تتكرر لسنوات دون معالجة جذرية أو مساءلة حقيقية.
منذ اللحظة الأولى لولوج محيط المعرض، يصطدم الزائر بواقع بنيوي متقادم، إذ أن محطات ركن السيارات ما تزال، إلى حدود هذه الدورة، تعاني من نفس الوضعية التي وُصفت بها في دورات سابقة، حيث تنتشر الأتربة والغبار بشكل كثيف نتيجة غياب التهيئة والتعبيد، وهو ما يحول عملية الوصول إلى المعرض إلى تجربة مرهقة تسيء لصورة تظاهرة دولية يُفترض أن تعكس مستوى متقدماً من التنظيم، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتفاقم مع غياب مرائب منظمة في محيط المعرض، مما يؤدي إلى اختناق مروري وفوضى عارمة في حركة السير، في مشهد يتكرر كل سنة دون أن تلوح في الأفق أي مؤشرات على تدخل بنيوي لمعالجة هذا الخلل المزمن.
وعند تجاوز هذه المرحلة، يجد الزائر نفسه أمام إشكال آخر لا يقل حدة، يتمثل في بُعد أبواب الولوج عن الفضاءات الرئيسية للمعرض، حيث يُجبر الزوار على قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام في غياب وسائل نقل داخلية فعالة أو مسارات مهيأة، وهو وضع يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بالولوجية، خاصة بالنسبة لكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة، ويعكس غياب تصور شمولي يضع راحة الزائر في صلب العملية التنظيمية، بدل الاكتفاء بمنطق تدبير الحشود بشكل ظرفي.
داخل أروقة المعرض، تتواصل مظاهر الارتباك، حيث أن عدداً من الممرات ما يزال غير معبد وتنبعث منه الأتربة، في تناقض صارخ مع المعايير الدولية المعتمدة في تنظيم مثل هذه التظاهرات، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على تجربة العارضين والزوار على حد سواء، ويطرح تساؤلات حول جدوى الاستثمارات المرصودة لهذا الحدث إذا كانت البنيات الأساسية لا ترقى إلى المستوى المطلوب، كما أن التنظيم الداخلي يعاني من ضعف واضح في التشوير وغياب مسارات منسقة لتدفق الزوار، الأمر الذي يؤدي إلى اكتظاظ في بعض النقاط وفراغ في أخرى، في دليل إضافي على غياب هندسة تنظيمية حديثة قادرة على استيعاب هذا الحجم من الحضور.
غير أن ما يثير الجدل بشكل أكبر خلال هذه الدورة لا يرتبط فقط بالجوانب اللوجستيكية، بل يمتد إلى طريقة تدبير الامتيازات المرتبطة بالمعرض، وعلى رأسها ملف تذاكر الولوج المجاني والدعوات، حيث تشير معطيات متقاطعة إلى أن عدداً كبيراً من هذه التذاكر يتم توزيعه خارج أي إطار شفاف أو معايير واضحة، عبر قنوات غير رسمية تضم منتخبين ووسطاء، وهو ما يحول هذه الدعوات إلى أداة للاستمالة الانتخابية المبكرة، خاصة في العالم القروي، حيث يتم استغلال المعرض لتعبئة قواعد انتخابية عبر توفير النقل والتغذية إلى جانب التذكرة، في ممارسات تطرح علامات استفهام جدية حول توظيف فضاء عمومي ذي بعد دولي لخدمة أجندات سياسية ضيقة، وتخلق في الآن ذاته نوعاً من التمييز بين المواطنين، إذ يؤدي البعض ثمن التذكرة المحدد في 40 درهماً في ظل ظرفية اقتصادية صعبة، بينما يستفيد آخرون من الولوج المجاني بناءً على علاقات أو ولاءات.
ويمتد هذا المنطق إلى توزيع الشارات التي تمنح امتيازات خاصة داخل المعرض، حيث تتحدث مصادر متطابقة عن استفادة أشخاص ينتمون إلى دوائر قريبة من القائمين على التنظيم من ولوج ميسر إلى فضاءات مغلقة وخدمات حصرية، في غياب لوائح رسمية أو معايير معلنة، وهو ما يعزز الانطباع بوجود منظومة غير شفافة لتوزيع الامتيازات، تقوم على الزبونية والمحسوبية بدل الاستحقاق، وتؤثر سلباً على صورة المعرض كمؤسسة يفترض أن تقوم على تكافؤ الفرص.
أما قطاع الإعلام، الذي يشكل رافعة أساسية في نقل صورة المعرض، فقد عرف بدوره اختلالات عميقة خلال هذه الدورة، حيث اشتكى عدد من الصحفيين من ارتباك في عملية الاعتماد، وتأخر في تسليم الشارات، وغياب تنظيم واضح يحدد فضاءات العمل وطرق الولوج إلى الأنشطة الرسمية، وهو ما أدى إلى حالة من الفوضى داخل الفضاء الإعلامي، اختلط فيها المهني بغير المهني، وغابت فيها شروط العمل الاحترافي، الأمر الذي انعكس سلباً على جودة التغطية الإعلامية، وأضعف من قدرة المعرض على تسويق صورته بشكل إيجابي على المستويين الوطني والدولي.
وفي سياق متصل، تبرز تساؤلات متزايدة حول معايير توزيع الجوائز والتكريمات، وطبيعة الصفقات المرتبطة بتنظيم المعرض، والجهات التي تستفيد من الامتيازات المالية المرتبطة به، خاصة في ظل غياب معطيات مفصلة تتيح تتبع مسار صرف المال العام، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة ويغذي الشكوك حول مدى احترام مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة في تدبير هذا الحدث.
أمام هذا التراكم من الاختلالات، تتجه الأنظار نحو المسؤولية التدبيرية، حيث يوجه عدد من الفاعلين انتقادات مباشرة لوزير الفلاحة و للمندوب المشرف على المعرض، معتبرين أن هذه الدورة تعكس فشلاً واضحاً في تجديد النموذج التنظيمي، وعجزاً عن تجاوز الأعطاب التي أصبحت بنيوية، وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة فتح تحقيق قضائي ومالي شامل يشمل تدبير التذاكر والدعوات، وآليات توزيع الشارات، وتنظيم قطاع الإعلام، وكذا مختلف الصفقات المرتبطة بالمعرض، وذلك في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي ظل هذه المعطيات، تتقوى الدعوات إلى إعادة النظر في نموذج تدبير المعرض برمته، عبر إسناده إلى شركة وطنية مستقلة تعتمد معايير حديثة في الحكامة والتدبير، وتشتغل بمنطق النجاعة والنتائج، بعيداً عن البيروقراطية والتداخلات السياسية، خاصة وأن المعرض يُنظم تحت الرعاية الملكية السامية، وهو ما يفرض الارتقاء بمستوى تنظيمه إلى مصاف التظاهرات الدولية الكبرى التي تحترم ذكاء الزائر وتضمن تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين.
وبين طموح رسمي يرفع سقف الانتظارات، وواقع ميداني مثقل بالاختلالات، يظل “SIAM 2026” نموذجاً صارخاً لحاجة ملحة إلى إصلاح عميق في طرق التدبير، إصلاح لا يقتصر على تحسين الواجهة، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة في مؤسسة يفترض أن تكون رافعة للتنمية، لا مجالاً لتكريس نفس الأعطاب التي أضحت، مع توالي الدورات، جزءاً من مشهد لا يليق بصورة المغرب الذي يسعى إلى ترسيخ موقعه كقوة فلاحية صاعدة على الصعيدين الإقليمي والدولي.






