اقتصاد

الحرفيون في المدينة العتيقة بفاس: إرث ضائع أمام الإهمال والكساد

في قلب المدينة العتيقة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتفوح رائحة الجلد والنحاس والتوابل، يقف الحرفيون اليوم على حافة مأساة، بعد أن أصبح الإهمال الحكومي والكساد الاقتصادي يقوضان عملهم اليومي ويدفعان التراث المغربي الأصيل إلى خطر الاندثار.

حرفي قديم يجلس في ورشته المظلمة، محاطًا بزربية لم تُبع منذ سنوات. يتأمل الألوان التي كانت تجذب السياح وتزين المنازل، لكنه اليوم يشكو من غياب الزبائن وتراجع المعارض، مضيفًا أن المهنة التي ورثها عن أجداده صارت بلا مستقبل، وأن أبناؤه رفضوا مواصلة العمل فيها، رغم كل الحب والشغف.

“نسمع عن برامج الدعم في التلفاز وفي الخطابات الرسمية، لكننا لا نلمس شيئًا على أرض الواقع”، يقول الحرفي، مشيرًا إلى أن الكساد والبيروقراطية جعلا الحرفة مهنة صعبة لا ينجو منها إلا القليل.

بينما يمرر يده على خيوط نصف منسوجة، يضيف: “الزربية اليدوية لم تعد تجد مكانها بسبب الإنتاج الآلي الرخيص، والزبائن اليوم يبحثون عن الأرخص، حتى لو كانت بلا روح”.

ويؤكد أن الحل ليس في التخلي عن الحداثة، بل في توظيفها لدعم الحرف التقليدية، مطالبًا المسؤولين بالجلوس مع الحرفيين في الورشات لفهم مشاكلهم والبحث عن حلول واقعية.

الحرفيون يؤكدون أن الكثير من القطع التقليدية التي كانت تصدّر في الماضي لم تعد تُنتج اليوم، وأن غياب الاهتمام بالموروث الثقافي أدى إلى فقدان جزء من الهوية المغربية. مع ارتفاع تكلفة المواد الأولية وتراجع اليد العاملة، أصبح إنتاج الزرابي والأواني النحاسية والمصنوعات اليدوية أغلى وأصعب، بينما انخفض الإقبال عليها بشكل كبير.

تاجر تقليدي يشكو من أن الحكومة لم تجلس يومًا معه لفهم تحدياته، وأن كل شيء يُدار بعقلية إدارية جامدة، بعيدة عن الواقع الميداني. “هذه المهنة ليست تجارة عابرة، إنها ذاكرة وهوية وطنية. إذا استمر الوضع على ما هو عليه، سنفقدها للأبد”، يقول التاجر.

شاب آخر، يعمل في صناعة الجلود، يشير إلى أن الطلب على المنتجات التقليدية تراجع بشكل كبير، وأن الدعم الحكومي الموعود لم يصل فعليًا إلى الورشات، مضيفًا: “نعيش على فتات الزبائن المحليين، ولا يوجد سوق حقيقي للتصدير كما يُروج له”.

في الأزقة والأسواق، تتكدس المنتجات التقليدية مثل النحاس والأواني اليدوية، لكنها فقدت قيمتها أمام البدائل الرخيصة المستوردة. ارتفاع تكلفة الإنتاج، بما في ذلك الكهرباء والمواد الخام والضرائب، جعل الحرفيين يكافحون للبقاء على قيد الحياة.

تقارير مهنية تشير إلى أن آلاف الحرفيين غادروا الميدان في السنوات الأخيرة، متجهين إلى مهن أخرى مثل النقل أو البناء، بسبب تراجع الإقبال السياحي وغياب التمويل والتسويق الفعلي.

رغم ما تتحدث عنه الحكومة من برامج دعم الصناعة التقليدية، فإن الحرفيين لا يشعرون بأي أثر ملموس على الأرض. المشاركة في المعارض الموسمية تكلفهم أحيانًا أكثر مما تعود عليهم من أرباح، وما يُعرض في التقارير الرسمية عن أرقام ضخمة في الإنتاج والتصدير لا يعكس الواقع الذي يعيشه الحرفي في دكانه.

توضح بيانات مهنية أن قطاع الحرف التقليدية يساهم بمليارات الدراهم سنويًا في الاقتصاد الوطني، لكنه في الواقع لا يوفر الحماية الحقيقية لأصحاب الحرف الصغيرة، ولا يعالج مشكلاتهم اليومية في الورشات والأسواق.

وفي بعض الجهات، تُظهر الإحصاءات أن نسبة كبيرة من الحرفيين مهددون بالإقفال النهائي خلال السنوات المقبلة، إذا لم تتحرك الدولة بجدية لتوفير تمويل حقيقي، تسويق فعال، ودعم للمواد الأولية.

بين الأزقة الضيقة والورشات المزدحمة، يبقى التراث المغربي حيًا بصعوبة، لكنه يواجه تهديدًا حقيقيًا من الإهمال الحكومي والكساد الاقتصادي وتراجع السوق السياحي. الحرفيون يصرخون بصوت المطارق والخيوط، لكن أصواتهم غالبًا ما تصطدم بصمت بيروقراطي، فيما مستقبل التراث المغربي الأصيل على المحك، وورثته يكافحون ليبقوا على قيد الحياة وحافظين على الهوية التي يمثلونها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى