اقتصاد

منظومة الصفقات العمومية على محك المساءلة: المفتشية العامة للمالية تكشف أعطاباً بنيوية تهدد المال العام

تشهد منظومة الصفقات العمومية في المغرب، خلال الأسابيع الأخيرة، واحدة من أوسع عمليات التدقيق التي تباشرها المفتشية العامة للمالية منذ سنوات. هذا الحراك الرقابي غير المسبوق لم يأتِ من فراغ، بل أعقب توالي التقارير والمعطيات التي تحدثت عن قرارات “متسرعة” اتخذتها مؤسسات ومقاولات عمومية بخصوص فسخ صفقات مع مقاولات ومكاتب دراسات، وهي قرارات تسببت في خسائر مالية معتبرة للجهات صاحبة المشاريع، بعد أن تحولت عشرات الملفات إلى ساحات المحاكم، وأصدرت بشأنها أحكام نهائية أقرت بأخطاء إدارية مكلفة وجرّدت المؤسسات المعنية من أي تبرير قانوني يقيها دفع تعويضات ثقيلة.
هذه الملفات التي خرجت إلى العلن لم تكن سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد؛ إذ تبين أن عدداً من المؤسسات العمومية قد لجأت إلى قرارات إلغاء وفسخ في غياب أي سند قانوني أو تقني مؤطر، ما أعاد فتح النقاش حول مدى احترام مساطر المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، وحول جدّية الرقابة الداخلية التي يُفترض أن تكون حاضرة قبل أي خطوة من الحجم الكبير.

في خضم هذه المعطيات، دخلت المفتشية العامة للمالية في سباق مع الزمن لإعادة بناء الصورة الكاملة لما وقع. فقد توجهت فرق التفتيش، وفق مصادر متطابقة، إلى عدد من المقاولات والمؤسسات العمومية، بل وحتى إلى مقاولة كبرى يوجد مقرها بالدار البيضاء، حيث أظهرت التقارير الداخلية التي أحيلت على الوزارة الوصية وجود اختلالات واضحة في تدبير مساطر التسلم المؤقت والنهائي للأشغال والتوريدات، بالإضافة إلى ثغرات في آليات تتبع المشاريع، على الرغم من أن هذه المؤسسات كانت تستعين بمكاتب دراسات في إطار صفقات موازية يفترض أنها تؤمّن معاينات دقيقة لكل مراحل الإنجاز. هذه الاختلالات لم تكن تقنية محضة، بل اتخذت في بعض الحالات طابعاً إدارياً صرفاً، بعد أن تبين للمفتشين وجود مسؤولين وموظفين رفعوا تقارير غير دقيقة بشأن وضعية التنفيذ، ما قاد مسؤولي المؤسسات إلى اتخاذ قرارات فسخ لم تستند إلى أي أساس موضوعي، وهو ما فتح الباب أمام المقاولات المتضررة للجوء إلى القضاء والحصول على تعويضات.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لمؤسسات عمومية أن تقدم على فسخ عقود بملايين الدراهم دون المرور عبر المسار القانوني الذي ينظمه المرسوم رقم 2.12.349؟ فالمرسوم، الواضح في فلسفته ومقتضياته، لا يسمح بأي قرار فسخ دون احترام سلسلة مترابطة من الخطوات تبدأ برصد الإخلالات بشكل رسمي، وتوثيقها عبر محاضر دقيقة، ثم توجيه إنذار معلل للمقاول يمنحه فرصة واقعية لتدارك الاختلالات، وتشكيل لجنة تقنية محايدة تدرس الوضعية انطلاقاً من تقارير المراقبة والتتبع، وصولاً إلى إصدار قرار مكتوب ومعلل يمكن الدفاع عنه أمام القضاء وأمام هيئات الرقابة. هذه العملية، التي تبدو بديهية من الناحية القانونية، لم تُحترم في عدد من الملفات التي وصلت إلى المفتشية؛ ما أدى إلى متوالية من القرارات غير المؤطرة قانونياً، وتسبب في تعطيل مشاريع كبرى كانت مرتبطة بقطاعات حيوية.

ولم تتوقف الاختلالات عند حدود الفسخ غير المبرر، بل إن فريق المفتشية اكتشف حالات مناقضة تماماً: قرارات مؤسسات عمومية تراجعت فجأة عن قرارات الفسخ نفسها، بعد مرور شهور طويلة على توقيف الأشغال وتجميد التوريدات. هذا التراجع لم يكن وليد مراجعات ذاتية، بل جاء بفعل ضغط الواقع القانوني الذي فرضته الدعاوى القضائية التي رفعتها مقاولات متضررة، ووجود خبرات تقنية أثبتت أن التوقف كان مبنياً على معطيات مغلوطة أو غير مكتملة. وبذلك وجدت مؤسسات عمومية نفسها في موقف محرج، إذ اضطرت إلى العودة إلى نقطة الصفر، رغم ما يترتب عن ذلك من ضياع للآجال، وتآكل للميزانيات، وتعثر لمشاريع وُصفت في مراسلات رسمية بأنها “حيوية” أو “استعجالية”.

وتكشف مصادر مطلعة أن عدداً من العقود التي تم فسخها لم تتضمن أصلاً بنوداً تقييدية أو شروطاً تحكيمية تسمح بحسم الخلافات خارج القضاء، وهو ما زاد من عبء هذه الملفات، وأجبر المؤسسات المعنية على خوض مساطر قضائية طويلة ومعقدة، انتهت في العديد من الأحيان بتعويض المقاولين عن الأضرار، وليس فقط عن قيمة الأعمال المنجزة. هذه العقود التي كان يُفترض أن تكون محمية بنصوص واضحة، وجدت نفسها بلا حصانة قانونية، الأمر الذي أعاد النقاش حول كفاءة الوحدات القانونية داخل المؤسسات العمومية، وحول مدى قدرتها على صياغة دفاتر تحملات متينة تحمي مصالح الدولة.

وتسلّط هذه الوقائع الضوء أيضاً على خلل آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في ضعف احترام مساطر “أوامر الخدمة” والإعذارات القانونية. فالمفتشية لاحظت أن عدداً من الإدارات لم توجه للمقاولين أي أمر خدمة جديد يُحدد آجالاً للتدارك، كما لم تبادر إلى إطلاق إعذارات رسمية تُعد أحد أهم الأسس التي تسمح للجهة المتعاقدة بإعلان الفسخ بشكل متحكم فيه. إن غياب هذه الإجراءات لا يُعد فقط خطأً شكلياً، بل يؤثر مباشرة على القيمة القانونية لقرار الفسخ برمته، ويفتح الباب أمام الطعن القضائي، ويمنع المشروع من الاستفادة من آليات قانونية مهمة مثل حجز مبلغ الضمان النهائي أو الاقتطاع الضامن، والتي تُعتبر أداة أساسية لحماية المال العام من الخسارة في حال إخلال المقاول بالتزاماته.

وما يزيد من تعقيد الصورة هو أن عدداً من هذه الصفقات تخص مشاريع ذات حساسية عالية، بعضها مرتبط بالبنية التحتية الأساسية، وبعضها الآخر بقطاعات اجتماعية ومؤسسات تقدم خدمات مباشرة للمواطنين. وتعطيل مثل هذه المشاريع لأشهر، بل لسنوات أحياناً، لا يسبب فقط خسارة مادية، بل يُحدث ارتباكاً وظيفياً، ويؤثر على صورة الإدارة وعلى ثقة المواطن في جدوى الإنفاق العمومي. هذه الخسارة غير المباشرة لا تظهر في التقارير المحاسباتية، لكنها تكشف عن أثر خطير يتمثل في ضعف الحكامة وسوء تقدير المخاطر، وهو ما يجعل الرقابة المالية أكثر من مجرد آلية للتفتيش، بل ضرورة لإعادة هندسة منظومة اتخاذ القرار داخل المؤسسات العمومية.

في هذا السياق، تبدو المفتشية العامة للمالية وكأنها تخوض معركة لإعادة الاستقامة إلى مسار الصفقات العمومية، ليس فقط بهدف تحديد المسؤوليات، بل لضمان أن لا تتكرر الأخطاء ذاتها في المستقبل. فالتقارير الأولية تشير إلى استعداد المفتشية لإحالة عدد من الملفات على هيئات أخرى، خاصة في الحالات التي رُصد فيها تعمد واضح لإخفاء المعطيات أو التلاعب بنتائج الخبرات التقنية أو تقديم تقارير مضللة. كما يجري الحديث عن إمكان تفعيل مساطر تأديبية في حق مسؤولين لم يلتزموا بالضوابط القانونية، وهو توجه ينسجم مع الإصلاحات الأوسع التي تستهدف ربط المسؤولية بالمحاسبة.

ورغم جسامة هذه الاختلالات، فإن هذه الموجة الرقابية قد تمثل فرصة لإعادة هيكلة منظومة الصفقات، خصوصاً إذا تزامنت مع تسريع إخراج مشروع إصلاح الصفقات العمومية الذي يناقش منذ أشهر، والذي يسعى إلى اعتماد مقاربة أكثر صرامة في مراقبة الجودة، وإعادة تعريف العلاقة بين صاحب المشروع والمقاول، وتعزيز دور الرقابة الخارجية. هذه الإصلاحات لن تكون ذات جدوى ما لم تُرفق بتحسين أداء الوحدات التقنية والقانونية داخل المؤسسات، وباعتماد تكوينات مستمرة للموظفين المكلفين بتتبع المشاريع، حتى لا تقع القرارات المصيرية رهينة تقديرات غير دقيقة أو تقارير غير مهنية.

إن ما يجري اليوم يكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن الصفقات العمومية ليست مجرد وثائق تقنية، بل هي قلب الاستثمار العمومي، ومحور نجاح السياسات القطاعية، وواجهة لمدى قدرة الدولة على إدارة المال العام بكفاءة وحكامة. ولذلك فإن الفوضى التي شهدتها بعض هذه المشاريع خلال السنوات الماضية تمثل جرس إنذار حقيقياً، يفرض على الجميع—من وزارات ومؤسسات ومقاولات—مراجعة طريقة التعامل مع هذا الورش الحيوي. فالصفقات ليست فقط التزامات مالية، بل هي روافع للتنمية، وكل خلل فيها يعطل جزءاً من الجهد الوطني في مجالات التعليم والبنية التحتية والصحة والطاقات المتجددة.

وفي المحصلة، فإن عمليات الافتحاص الجارية اليوم ليست مجرد تفتيش مالي عابر، بل هي خطوة باتجاه تصحيح اختلالات عميقة، وإعادة الاعتبار لروح القانون، وترسيخ ثقافة جديدة داخل الإدارة تستند إلى المهنية، والدقة، واحترام المساطر، وربط المسؤولية بالمحاسبة. إنها لحظة فاصلة ستحدد ما إذا كانت القطاعات العمومية قادرة على استعادة زمام المبادرة، أو ستظل رهينة قرارات مرتجلة تُتخذ في غياب تقدير للتبعات القانونية والمالية. وبقدر ما تكشف هذه التقارير من أعطاب، فإنها تمنح أيضاً فرصة للإصلاح، وفرصة لبناء إدارة حديثة تحترم القانون وتضع حماية المال العام في صدارة أولوياتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى