سياسة

انتخابات 23 شتنبر.. لماذا قد تكون الدوائر الصغيرة مفتاحاً لفهم الخريطة البرلمانية؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تتجه الأنظار عادة إلى المدن الكبرى والدوائر التي تمنح عدداً مرتفعاً من المقاعد، باعتبارها الأكثر حضوراً في الخطاب السياسي والإعلامي والأكثر جذباً لقيادات الأحزاب والمرشحين. غير أن قراءة مختلفة للمعطيات الانتخابية تفتح زاوية أخرى للنظر إلى الخريطة التشريعية، عنوانها الدوائر المحلية الصغيرة، ولا سيما تلك التي لا تنتخب سوى نائبين أو ثلاثة.

وهنا تظهر أهمية تصحيح نقطة أساسية: مجلس النواب يتكون من 395 مقعداً، منها 305 مقاعد تنتخب على مستوى الدوائر المحلية، و90 مقعداً على مستوى الدوائر الجهوية. وتوجد في المملكة 92 دائرة محلية، إلى جانب 12 دائرة جهوية، أي 104 دوائر انتخابية في المجموع. ويجري الاقتراع باللائحة وفق التمثيل النسبي وقاعدة أكبر بقية.

لكن داخل الـ92 دائرة المحلية توجد كتلة لافتة: 59 دائرة لا تنتخب سوى نائبين أو ثلاثة. هذه الدوائر تمنح مجتمعة 156 مقعداً، أي أكثر من نصف المقاعد المحلية، وما يزيد على ثلث مجموع أعضاء مجلس النواب. ولذلك فإن وصفها بأنها دوائر «صغيرة» من حيث عدد المقاعد لا يعني أنها صغيرة من حيث وزنها في تشكيل الخريطة البرلمانية.

حين يصبح المقعد الواحد قادراً على تغيير الحسابات

تكمن أهمية هذه الدوائر في طبيعة المنافسة التي يفرضها نظام التمثيل النسبي. فكلما كان عدد المقاعد المخصصة للدائرة محدوداً، تصبح المسافة بين الحصول على مقعد وعدم الحصول عليه أكثر ارتباطاً بتوزيع الأصوات بين اللوائح، وبالفارق الذي يفصل آخر لائحة فائزة عن أول لائحة خارج دائرة المقاعد.

وهذا لا يعني، من الناحية القانونية، أن القاسم الانتخابي يمنع حزباً من الحصول على أكثر من مقعد في دائرة واحدة. فالقانون يعتمد التمثيل النسبي وقاعدة أكبر بقية، ويمكن للائحة أن تحصل على أكثر من مقعد إذا سمحت لها حصتها من الأصوات بذلك. لكن المعطيات الانتخابية السابقة أظهرت أن تعدد المقاعد التي تحصل عليها اللائحة داخل الدوائر المحدودة المقاعد يظل حالة أقل شيوعاً، وهو ما يجعل تحركاً محدوداً في ترتيب اللوائح قادراً على تغيير اسم الحزب الذي يحتل أحد المقاعد.

وهنا تحديداً تصبح قراءة انتخابات 2021 مهمة، لأنها كانت أول انتخابات تشريعية جرى فيها تطبيق القاسم الانتخابي المحتسب على أساس عدد المسجلين في الدائرة، بدل الطريقة السابقة المرتبطة بالأصوات المعبر عنها. ووفق الشرح الرسمي لنظام الاقتراع، يستخرج القاسم الانتخابي بقسمة عدد الناخبين المقيدين في الدائرة على عدد المقاعد المخصصة لها، ثم توزع المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر البقايا.

أرقام 2021 تكشف وزن الدوائر ذات المقعدين والثلاثة

عند العودة إلى نتائج الانتخابات التشريعية السابقة، تظهر صورة أكثر دلالة. فقد تصدر التجمع الوطني للأحرار انتخابات 2021 بـ102 مقعد، يليه الأصالة والمعاصرة بـ86 مقعداً، ثم الاستقلال بـ81 مقعداً، فيما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 35 مقعداً والحركة الشعبية على 29 مقعداً والتقدم والاشتراكية على 21 مقعداً والاتحاد الدستوري على 18 مقعداً والعدالة والتنمية على 13 مقعداً.

وتكشف إعادة تجميع نتائج الدوائر الـ59 ذات المقعدين أو ثلاثة، بحسب المعطيات التي استند إليها هذا التحليل، أن التجمع الوطني للأحرار حصل في انتخابات 2021 على 53 مقعداً من مجموع 156، مقابل 44 مقعداً للأصالة والمعاصرة و37 للاستقلال.

أي أن الأحزاب الثلاثة الأولى في نتائج 2021 حصدت معاً 134 مقعداً من أصل 156 في هذه الدوائر، وهو ما يقترب من 86 في المائة من مجموع المقاعد المتاحة فيها.

هذه النسبة لا تعني أن النتيجة نفسها ستتكرر في 2026، ولا تسمح وحدها بتوقع الفائزين. لكنها تقدم مؤشراً مهماً لفهم طبيعة الجغرافيا الانتخابية المغربية: جزء كبير من المنافسة على المقاعد لا يجري في فراغ، وإنما داخل دوائر محددة العدد، حيث يمكن لفارق محدود في الأصوات أن يغير ترتيب اللوائح وبالتالي تركيبة المقاعد.

لماذا تكتسب «الدوائر الصغيرة» هذه الحساسية؟

السبب الأول يرتبط بالحساب الانتخابي نفسه.

في دائرة تمنح مقعدين، فإن انتقال لائحة من المركز الثالث إلى الثاني يمكن أن يعني انتقالها من خارج البرلمان إلى داخله، من دون أن يحدث انقلاب كبير في مجموع الأصوات الوطنية للحزب.

وفي دائرة تمنح ثلاثة مقاعد، يمكن للفارق بين اللائحة الثالثة والرابعة أن يصبح أكثر أهمية من الفارق الوطني بين حزبين يتنافسان على الصدارة، لأن المقعد البرلماني يحسم في النهاية داخل الدائرة وليس في الترتيب الوطني المجرد.

وهذه هي النقطة التي تجعل تحليل الانتخابات المغربية على أساس مجموع الأصوات فقط غير كافٍ. فالمسألة ليست فقط: كم صوتاً حصل عليه كل حزب؟ بل أيضاً: أين حصل الحزب على أصواته؟ وكيف توزعت هذه الأصوات داخل كل دائرة؟

انتخابات 2021 تقدم مثالاً واضحاً على أهمية هذا العامل. فالتجمع الوطني للأحرار تصدر الانتخابات بـ102 مقعداً، لكن هذه الصدارة لم تكن نتيجة تجميع آلي للأصوات على المستوى الوطني؛ بل جاءت من تحويل الحضور الانتخابي داخل الدوائر إلى مقاعد وفق القواعد المعتمدة.

الجغرافيا أهم من الرقم الوطني وحده

وهنا تتحول الخريطة الانتخابية إلى شبكة من الدوائر التي لكل واحدة منها حساباتها الخاصة.

قد يكون حزب ما قوياً وطنياً، لكنه يوزع أصواته بطريقة لا تمنحه بالضرورة أكبر عدد ممكن من المقاعد. وفي المقابل، يمكن لحزب أن يحقق حصيلة أصوات أقل، لكنه يحقق تركيزاً أعلى لأصواته في دوائر محددة، فيحول ذلك التركيز إلى مقاعد.

هذه الخاصية تجعل الدوائر المحلية الصغيرة ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأحزاب التي تتنافس على المراتب الأولى.

فالمنافسة على الصدارة الوطنية لا تُحسم فقط في الدوائر الكبرى التي تستقطب الأضواء، وإنما يمكن أن تتأثر أيضاً بمجموعة من المقاعد التي تبدو منفردة محدودة الوزن، لكنها تصبح ذات تأثير كبير عندما تجمع في خريطة واحدة.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة الفوارق بين المرشحين في انتخابات 2021، وليس فقط أسماء الفائزين.

من فاز في 2021 ليس بالضرورة أمام النتيجة نفسها في 2026

الانتخابات لا تعيد إنتاج نفسها آلياً.

فبين 2021 و2026 تغيرت الخريطة السياسية، وتحرك عدد من المنتخبين بين الأحزاب، وتغيرت التحالفات المحلية، كما دخلت أسماء جديدة إلى السباق، بينما حافظت أسماء أخرى على حضورها داخل دوائرها.

وفي الانتخابات ذات الطابع المحلي، لا يمكن إغفال وزن المرشح وشبكاته السياسية والاجتماعية والتنظيمية داخل المجال الترابي الذي يخوض فيه المنافسة. ولذلك فإن انتقال شخصية انتخابية من حزب إلى آخر قد تكون له آثار أكبر داخل دائرة محدودة المقاعد مقارنة بدائرة كبيرة تتوزع فيها الأصوات على عدد أكبر من اللوائح.

وهذا يجعل «الترحال السياسي» أحد المتغيرات التي تستحق الدراسة، ليس باعتباره حكماً على المرشحين، وإنما باعتباره عاملاً يمكن أن يغير توزيع الأصوات داخل بعض الدوائر.

الأحزاب الثلاثة الكبرى وحسابات الدفاع عن المواقع

نتائج 2021 وضعت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال في مقدمة الخريطة البرلمانية، وهي الأحزاب التي شكلت لاحقاً العمود الفقري للأغلبية الحكومية. لكن انتخابات 2026 تجري في سياق مختلف، ولا توجد قاعدة انتخابية تسمح بتحويل نتائج 2021 إلى نتيجة مسبقة.

المؤكد فقط هو أن كل حزب يدخل الاستحقاق وهو مطالب بتحويل حضوره السياسي والتنظيمي إلى أصوات ومقاعد داخل الدوائر التي يترشح فيها.

وفي هذا السياق، تكتسب الدوائر ذات المقعدين والثلاثة أهمية عملية، لأن مجموعها يبلغ 156 مقعداً. وإذا تغيرت تركيبة عدد محدود من هذه الدوائر، فإن أثر ذلك يمكن أن يمتد إلى الترتيب الإجمالي للأحزاب على المستوى الوطني.

ولا يعني ذلك أن هذه الدوائر وحدها ستحدد نتيجة الانتخابات، فالـ305 مقاعد المحلية موزعة على 92 دائرة، إضافة إلى 90 مقعداً جهوياً. لكن وزن الـ156 مقعداً يجعل تجاهلها في أي قراءة للخريطة الانتخابية أمراً يصعب تبريره بالأرقام.

العدالة والتنمية وحساب مختلف للعودة

في انتخابات 2021، تعرض حزب العدالة والتنمية لتراجع انتخابي كبير وحصل على 13 مقعداً فقط، مقابل تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعداً.

لكن قراءة موقع الحزب في انتخابات 2026 يجب أن تنطلق من معطيات جديدة، لا من نتيجة 2021 وحدها.

فالحزب يخوض الاستحقاق الحالي في محاولة لإعادة بناء حضوره البرلماني، وهو يخوض بذلك معركة مختلفة عن معركة 2021. ومن الناحية التحليلية، فإن قدرته على العودة إلى بعض الدوائر التي كانت تاريخياً أكثر قابلية للمنافسة يمكن أن تكون عاملاً مؤثراً في بعض النتائج المحلية، من دون أن يعني ذلك مسبقاً أنه سيحصل على عدد معين من المقاعد.

وتبقى المسألة مرتبطة في النهاية بأصوات الناخبين داخل كل دائرة وبالترتيب الذي ستنتج عنه عملية احتساب النتائج.

الـ156 مقعداً.. كتلة لا يجوز تجاهلها

الخلاصة التي تفرضها الأرقام ليست أن هناك «دوائر مضمونة» أو «دوائر محسومة»، وإنما أن هناك كتلة من 156 مقعداً محلياً تستحق مراقبة دقيقة.

هذه المقاعد موزعة على 59 دائرة، بينها 21 دائرة بمقعدين و38 دائرة بثلاثة مقاعد، وهي تمثل أكثر من نصف المقاعد المحلية وأكثر من ثلث مجلس النواب.

وفي مثل هذه الدوائر، يصبح الفارق بين المركز الأخير الفائز والمركز الأول غير الفائز ذا قيمة تحليلية كبيرة. فإذا كان الفارق محدوداً في 2021، فإن الدائرة تكون، من الناحية الإحصائية، أكثر قابلية لتغير ترتيبها في انتخابات لاحقة، خصوصاً إذا تغيرت أسماء المرشحين أو انتقلت شخصيات انتخابية بين الأحزاب أو تبدلت موازين التنظيم المحلي.

ومن هنا فإن القراءة الأكثر دقة لانتخابات 23 شتنبر لا ينبغي أن تكتفي بسؤال: من هو الحزب الذي يتصدر وطنياً؟

السؤال الأكثر عمقاً هو: في أي دوائر يمكن أن يتحول تغير محدود في الأصوات إلى تغير فعلي في المقاعد؟

ذلك أن المقعد البرلماني لا ينتخب على مستوى الخطاب الوطني، وإنما داخل دائرة محددة، وبأصوات محددة، وبحساب انتخابي محدد.

وهذه هي المفارقة الأساسية في انتخابات 2026: قد تبدو بعض الدوائر صغيرة على الخريطة، لكنها ليست صغيرة عندما يتعلق الأمر بحساب المقاعد. فالـ156 مقعداً التي تمنحها الدوائر ذات المقعدين والثلاثة تشكل كتلة انتخابية كبيرة بما يكفي لجعلها إحدى أهم مناطق المراقبة لفهم كيف ستتغير الخريطة البرلمانية بعد اقتراع 23 شتنبر.

وفي انتظار النتائج الرسمية، يبقى العامل الحاسم هو ما ستفرزه صناديق الاقتراع فعلياً، لا نتائج 2021 ولا التحليلات السابقة ولا حجم الحضور الإعلامي للأحزاب والمرشحين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى