سياسةغير مصنف

مولاي يعقوب في قلب دوائر المقعدين.. 21 دائرة انتخابية ترسم جزءاً حساساً من خريطة انتخابات 2026

مع اقتراب موعد الاقتراع التشريعي المقرر في 23 شتنبر 2026، تبرز الدائرة الانتخابية مولاي يعقوب بجهة فاس مكناس باعتبارها واحدة من الدوائر الانتخابية ذات المقعدين، وهي فئة محدودة العدد على الصعيد الوطني، لكنها تحظى بأهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التنافس فيها، إذ لا يتجاوز عدد المقاعد المحلية المخصصة لها مقعدين فقط. وتضم الخريطة الانتخابية للمغرب 21 دائرة من هذا النوع، بما مجموعه 42 مقعداً من أصل 305 مقاعد مخصصة للدوائر المحلية بمجلس النواب.

ولا تعني خصوصية هذه الدوائر أنها تحسم بمفردها ترتيب الأحزاب على الصعيد الوطني، غير أن طبيعة توزيع المقاعد تجعل كل مقعد فيها ذا وزن واضح داخل الدائرة نفسها، كما أن انتقال مقعد واحد بين الأحزاب يمكن أن يغير بشكل ملموس حجم التمثيلية البرلمانية لكل حزب، وهو ما يجعل هذه الدوائر محط متابعة خاصة خلال الانتخابات الحالية.

مولاي يعقوب.. مقعدان وسباق انتخابي مفتوح

في جهة فاس مكناس، توجد دائرتان فقط مخصصتان لمقعدين، هما مولاي يعقوب والحاجب، وفق الخريطة الرسمية للتقسيم الانتخابي لمجلس النواب.

وتكتسب دائرة مولاي يعقوب أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة تركيبتها المجالية والديمغرافية، إذ تجمع بين المجال الحضري لمولاي يعقوب وعدد من الجماعات القروية، وتضم ساكنة متنامية، ما يجعل المعركة الانتخابية فيها مرتبطة بقدرة اللوائح على الوصول إلى مختلف مكونات الدائرة، وليس فقط إلى مركز الإقليم.

وبحسب المعطيات المنشورة حول الترشيحات، دخلت الدائرة انتخابات 2026 بعدد من اللوائح التي تمثل أحزاباً سياسية مختلفة، من بينها التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والعدالة والتنمية،، وتحالف اليسار، والحركة الديمقراطية،  وغيرها.

وتمنح هذه المعطيات للدائرة طبيعة تنافسية خاصة، خصوصاً أن نتائج السنوات السابقة أظهرت تقارباً نسبياً بين عدد من القوى السياسية، مع انتقال أحد المقعدين سنة 2021 إلى التجمع الوطني للأحرار بعد أن كان خارج دائرة الفائزين في 2016.

نتائج 2021 تكشف طبيعة المنافسة

تكشف نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021 عن حجم التنافس داخل مولاي يعقوب.

فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الدائرة بـ18 ألفاً و296 صوتاً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ14 ألفاً و228 صوتاً، ثم حزب الاستقلال بـ10 آلاف و629 صوتاً، والحركة الشعبية بـ8 آلاف و763 صوتاً، بينما حصل حزب العدالة والتنمية على 1058 صوتاً. وانتهت عملية توزيع المقعدين لفائدة الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار.

وتكشف هذه الأرقام أن المنافسة داخل الدائرة لم تكن محصورة بين حزبين فقط، بل أظهرت وجود فارق انتخابي بين عدة قوى سياسية، وهو ما يجعل المقارنة بين نتائج 2016 و2021 والمعطيات الجديدة الخاصة باستحقاق 2026 ذات أهمية لفهم التحولات التي تعرفها الخريطة الانتخابية المحلية.

كما أن حضور أسماء سبق لها خوض الاستحقاقات السابقة يضيف بعداً آخر إلى المنافسة، في وقت دخلت فيه أسماء أخرى السباق بهدف الوصول إلى البرلمان لأول مرة أو استعادة تمثيلية سابقة.

21 دائرة بمقعدين عبر المغرب

لا تقتصر ظاهرة الدوائر ذات المقعدين على مولاي يعقوب والحاجب، بل تمتد إلى مختلف جهات المملكة.

وتضم الخريطة الرسمية لمجلس النواب 21 دائرة انتخابية محلية مخصصة لمقعدين، وهي: أسا الزاك، إفران، الحاجب، السمارة، الفحص أنجرة، المضيق الفنيدق، اليوسفية، أوسرد، بوجدور، تاوريرت، تيزنيت، جرادة، جرسيف، سيدي إفني، طاطا، طانطان، طرفاية، كلميم، مديونة، مولاي يعقوب، ووادي الذهب.

وتتوزع هذه الدوائر على عدد كبير من جهات المملكة، بما يعكس اختلافاً واضحاً في تركيبتها الديمغرافية والجغرافية والاقتصادية. فبعضها يوجد في أقاليم ذات امتداد صحراوي واسع، وبعضها في أقاليم حضرية أو شبه حضرية، بينما تجمع دوائر أخرى بين مراكز حضرية ومجالات قروية.

ومع اختلاف هذه الخصوصيات، تشترك جميعها في عامل انتخابي أساسي، وهو أن الدائرة لا تمنح سوى مقعدين محليين، الأمر الذي يجعل الفوارق بين اللوائح المتنافسة أكثر ارتباطاً بالحسابات الدقيقة للأصوات.

من فاس مكناس إلى الأقاليم الجنوبية والشمال

وتظهر الخريطة الرسمية أن دوائر المقعدين توجد في مناطق مختلفة من المغرب، من أسا الزاك والسمارة وطاطا وطانطان وطرفاية وكلميم ووادي الذهب وأوسرد وبوجدور، إلى إفران والحاجب ومولاي يعقوب وجرسيف وتاوريرت، مروراً بالفحص أنجرة والمضيق الفنيدق ومديونة واليوسفية وجرادة وسيدي إفني وتيزنيت.

وهذا التنوع يجعل المقارنة بينها مسألة تحتاج إلى قراءة محلية لكل دائرة، لأن وزن الأصوات وطبيعة الناخبين واتساع المجال الترابي وعدد الجماعات وطبيعة المنافسة الحزبية تختلف من منطقة إلى أخرى.

لكن القاسم المشترك يبقى هو عدد المقاعد المحدود، إذ يمثل كل مقعد نصف التمثيلية المحلية للدائرة، وهو ما يعطي للنتيجة الانتخابية داخل هذه الدوائر أهمية خاصة عند احتساب التمثيلية البرلمانية للأحزاب.

كيف يتم توزيع المقاعد؟

انتخابات مجلس النواب تجري على أساس الاقتراع باللائحة والتمثيل النسبي وفق قاعدة أكبر بقية، بينما يتم احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد الناخبين المسجلين مقسوماً على عدد المقاعد المخصصة للدائرة، ثم يتم توزيع المقاعد المتبقية وفق قاعدة أكبر البقايا.

وبذلك فإن طبيعة الدائرة ذات المقعدين تجعل الحساب الانتخابي أكثر حساسية، لأن كل مقعد يمثل نصف المقاعد المحلية المتاحة، مع بقاء التوزيع خاضعاً للقواعد القانونية المنظمة للاقتراع النسبي. ولا يعني ذلك قانونياً أن كل دائرة ذات مقعدين لا يمكن أن تفوز فيها لائحة واحدة بالمقعدين، وإنما إن طبيعة النظام الانتخابي وعدد المقاعد يجعلان كل فارق في الأصوات ذا أهمية في عملية احتساب النتائج.

الحاجب.. الدائرة الثانية في جهة فاس مكناس

إلى جانب مولاي يعقوب، تضم جهة فاس مكناس دائرة الحاجب، وهي بدورها مخصصة لمقعدين بموجب الخريطة الانتخابية الرسمية.

وبذلك تكون جهة فاس مكناس ممثلة في هذا الصنف من الدوائر بمقعدين في مولاي يعقوب ومقعدين في الحاجب، أي أربعة مقاعد من أصل المقاعد المحلية المخصصة للجهة.

وتمنح هذه الثنائية داخل الجهة أهمية خاصة لنتائج الدائرتين، خصوصاً أن باقي الدوائر الانتخابية بالجهة تختلف في عدد المقاعد، من ثلاثية المقاعد في بعض الأقاليم إلى دوائر أكبر في فاس ومكناس وتازة.

لماذا تحظى هذه الدوائر بمتابعة خاصة؟

الأهمية السياسية للدوائر ذات المقعدين لا ترتبط بعددها فقط، فهي لا تمثل سوى 42 مقعداً من أصل 305 مقاعد محلية، فضلاً عن المقاعد الجهوية، ولذلك لا يمكن اعتبارها وحدها محددة للخريطة الوطنية النهائية.

لكنها تكتسب أهميتها من طبيعة المنافسة داخلها. ففي دائرة تمنح مقعدين فقط، يمكن لتحول محدود في ترتيب الأصوات أن يغير الحزب الذي يحصل على المقعد الثاني، وهو ما ينعكس مباشرة على مجموع المقاعد التي يجمعها كل حزب على المستوى الوطني.

ولهذا فإن قراءة انتخابات 2026 لا تتوقف عند الدوائر الكبرى التي تمنح أربعة أو خمسة أو ستة مقاعد، بل تشمل أيضاً الدوائر الصغيرة التي قد تنتج نتائج انتخابية ذات وزن واضح بالنسبة للتمثيلية المحلية.

مولاي يعقوب في واجهة المتابعة

وبالنسبة إلى جهة فاس مكناس، تبدو مولاي يعقوب إحدى الدوائر التي تستحق متابعة دقيقة إلى غاية إغلاق صناديق الاقتراع وصدور النتائج الرسمية، ليس باعتبارها دائرة يمكنها بمفردها تحديد ترتيب الأحزاب وطنياً، وإنما لأنها تقدم نموذجاً واضحاً لطبيعة المنافسة في الدوائر ذات المقعدين.

فالنتيجة النهائية ستحدد اسمين فقط سيمثلان الدائرة في مجلس النواب، بينما تتنافس عدة لوائح على الوصول إلى هذين المقعدين، في سياق انتخابي وطني يشارك فيه عدد كبير من الأحزاب واللوائح.

ومن هنا تبرز أهمية مولاي يعقوب داخل الخريطة الانتخابية لجهة فاس مكناس، إلى جانب الحاجب، باعتبارهما الدائرتين الوحيدتين بالجهة اللتين تمنح كل منهما مقعدين، وباعتبار نتائج كل واحدة منهما جزءاً من الحساب العام للتمثيلية البرلمانية التي ستفرزها انتخابات 23 شتنبر.

ومع اقتراب يوم الاقتراع، ستبقى الأنظار موجهة إلى هذه الدوائر الـ21، ليس بحثاً عن نتيجة مسبقة، وإنما لرصد الكيفية التي ستترجم بها المنافسة المحلية إلى مقاعد برلمانية، وكيف ستساهم نتائجها، إلى جانب نتائج باقي الدوائر واللوائح الجهوية، في تشكيل مجلس النواب المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى