مجلس المنافسة تحت المجهر: دراسات بلا أثر وسوق المحروقات خارج السيطرة

في وقت ينتظر فيه المواطن أجوبة واضحة وإجراءات ملموسة لضبط سوق المحروقات، يعود مجلس المنافسة إلى الواجهة بدراسة جديدة حول المخزون الاستراتيجي للمواد البترولية. خطوة تبدو في ظاهرها تقنية، لكنها تعكس في العمق إشكالاً أعمق: مؤسسة تكثر من التقارير والتوصيات، مقابل غياب نتائج ملموسة على أرض الواقع.
المقاربة التي يجري الاشتغال عليها، والقائمة على إحداث نظام وطني للتخزين المشترك بين الفاعلين، تطرح أكثر من علامة استفهام. فبدل الحسم في الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع، يُعاد تدوير نفس النقاشات المرتبطة بـ“ضمان المنافسة” و“تنظيم السوق”، دون الجرأة على مواجهة واقع الاحتكار المقنّع وهيمنة عدد محدود من الفاعلين.
المجلس، الذي يفترض فيه أن يكون صمام أمان لحماية القدرة الشرائية وضمان التنافسية، يجد نفسه اليوم في موقع المتفرج، يراقب سوقاً تتقاذفها تقلبات الأسعار الدولية، دون أن تنعكس بشكل عادل على السوق الداخلية. وهنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يمكن الحديث عن “عدم التدخل في الأسعار” في سوق يشتكي فيه المواطن من غياب أي منطق واضح لتحديدها؟
إن التذرع بكون المخزون الاستراتيجي لا يجب أن يؤثر على الأسعار، يعكس فهماً ضيقاً لدور هذه الآلية. فالدول التي راكمت تجارب ناجحة في هذا المجال لا تكتفي بتأمين التزود، بل توظف هذا المخزون كأداة سيادية لضبط التوازنات، والتخفيف من حدة الصدمات الخارجية. أما الاكتفاء بجعله مجرد “احتياطي تقني”، فهو تقزيم لدوره وإفراغ له من بعده الاستراتيجي.
الأكثر إثارة للجدل هو الحديث عن “التخزين المشترك” و“الشراء الجماعي” بين الشركات، وهي صيغ، وإن بدت في ظاهرها تعاونية، قد تفتح الباب أمام تفاهمات غير معلنة تعمّق من اختلالات السوق بدل معالجتها، إذا لم تُحط بضمانات صارمة وشفافة. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل يمتلك مجلس المنافسة الجرأة الكافية لفرض هذه الشفافية، أم سيكتفي بمواكبة شكلية كما حدث في ملفات سابقة؟
لقد أصبح واضحاً أن الإشكال لم يعد في غياب الدراسات، بل في غياب الإرادة لتنزيل خلاصاتها بشكل حازم. فالسوق الوطنية للمحروقات ظلت لسنوات رهينة تقلبات غير مفهومة، في ظل هوامش ربح غير معلنة، وتفاوتات لا تبررها لا كلفة الاستيراد ولا تغيرات السوق الدولية.
إن المطلوب اليوم ليس إنتاج تقارير جديدة تُضاف إلى رفوف الأرشيف، بل اتخاذ قرارات جريئة تعيد التوازن للسوق، وتضع حداً لحالة الغموض التي تطبع هذا القطاع الحيوي. فالمواطن لا ينتظر تشخيصاً جديداً، بل ينتظر أثراً مباشراً على قدرته الشرائية.
وفي ظل هذا الوضع، يجد مجلس المنافسة نفسه أمام لحظة حاسمة: إما الانتقال من دور “الدارس” إلى دور “الفاعل” القادر على فرض قواعد اللعبة، أو الاستمرار في إنتاج خلاصات لا تغيّر من واقع السوق شيئاً. فزمن التبرير قد انتهى، وما يُطلب اليوم هو الوضوح، الجرأة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في قطاع لا يحتمل مزيداً من الانتظار.






