عودة التلاميذ المفصولين… مبادرة متأخرة في وجه نزيف الهدر المدرسي

في خطوة تبدو أقرب إلى ترميم متأخر لجدار متهالك، وجّهت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي مراسلة إلى المديريات الإقليمية تحث فيها على إعادة إدماج التلاميذ المفصولين والمنقطعين عن الدراسة، في محاولة جديدة لمواجهة نزيف الهدر المدرسي الذي لم تفلح الشعارات السابقة ولا البرامج المرحلية في تطويقه.
المذكرة، التي تحمل تاريخ 17 يوليوز 2025، تُفصح عن نية الوزارة تفعيل أهداف خارطة الطريق 2022-2026، والتي تضع من بين مرتكزاتها الأساسية مبدأ “تعزيز الإنصاف وتكافؤ الفرص”. لكن واقع التعليم العمومي، بمراراته اليومية، يجعل من هذه العبارات مجرد يافطات متكررة تُرفع عند كل مأزق، وتُطوى دون أثر ملموس.
المراسلة التي توصل بها مدراء الثانويات التأهيلية والإعدادية وأطر التوجيه، تطالب بالمرونة في التعامل مع طلبات العودة إلى الدراسة، مع مراعاة الشروط الصحية والاجتماعية والنفسية للتلاميذ. غير أن هذا الخطاب الإنساني، ورغم وجاهته، يصطدم بأسئلة أكبر: لماذا يضطر آلاف التلاميذ إلى الانقطاع أصلاً؟ ومن المسؤول عن السياسات التعليمية التي أنتجت هذا الكم من الإقصاء الصامت؟
أرقام الهدر المدرسي في المغرب تظل مفزعة، سواء على مستوى التعليم الإعدادي أو الثانوي، حيث تتهالك الأسر بين مصاريف النقل، والكتب، ومستلزمات الدراسة، مقابل بنية تعليمية لا تواكب تحولات العصر ولا تراعي الفوارق المجالية والاجتماعية العميقة التي تُبعد الفقير عن المدرسة ببطء لكن بثبات.
وبينما تحدد الوزارة سنًا أقصى لإعادة الإدماج يختلف حسب المستويات، فإن هذا الشرط وحده كافٍ لإقصاء غير مباشر لفئة كبيرة من التلاميذ، خصوصًا أولئك الذين يقطنون في العالم القروي، أو الذين أرهقتهم ظروف أسرية أو صحية لم تجد لها صدى في المؤسسات التعليمية أو المجالس التربوية.
الخطوة الوزارية، رغم وجاهتها الشكلية، تأتي متأخرة، وبلا ضمانات حقيقية للنجاح، إذا لم تُواكب بإجراءات ميدانية جريئة تعالج جذور الأزمة: ضعف البنيات، غياب الدعم الاجتماعي الحقيقي، النقص المهول في الأطر، وغياب ربط المدرسة بسوق الشغل ومهارات الحياة.
المواطنون اليوم لا يريدون مراسلات إدارية بقدر ما ينتظرون إرادة سياسية حقيقية لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية، وتحويلها إلى فضاء جاذب لا طارد. فالمدرسة التي يهرب منها التلميذ، لا يمكن أن تُعيده بمذكرة، بل تحتاج إلى ثقة تُبنى من جديد، بمحتوى تعليمي حديث، بإدارة تربوية إنسانية، وبنظام مواكبة اجتماعي فعال.
إن أزمة الانقطاع عن الدراسة ليست ظرفية، ولا موسمية، بل هي أحد أكبر التحديات التي تهدد مستقبل البلاد، والاقتصاد، والاستقرار. وإذا استمر التعامل معها بسياسة الترقيع الإداري، فستستمر المدرسة المغربية في فقدان أجيال متتالية، بلا مساءلة ولا محاسبة.






