زراعة “الكيف” القانوني بالمغرب.. توسّع في المساحات ومخاوف من نذرة مياه السقي والتسويق يهدد المشروع التنموي

رغم التوسّع اللافت في زراعة القنب الهندي القانوني (الكيف) بالمغرب خلال الموسم الفلاحي الحالي، إلا أن هذا المشروع الواعد يواجه سلسلة من التحديات البنيوية التي قد تُفرمل ديناميته وتضعف رهاناته التنموية، سواء بالنسبة لصغار الفلاحين أو كبار المنتجين والمستثمرين.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن المساحة المزروعة تجاوزت هذا الموسم عتبة 5200 هكتار، موزعة بين أصناف محلية مرخصة وأخرى مستوردة، خضعت لمراقبة المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية. ويمثل هذا التوسّع تطوراً هاماً في مسار تقنين “الكيف”، حيث تمت مواكبة أزيد من 1400 فلاح في مراحل الإنتاج، وشهدت الأقاليم الثلاثة المصرّح لها بهذا النشاط زيارات ميدانية وإشرافاً مباشراً من طرف الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي، بمشاركة مختلف الفاعلين الصناعيين والتجاريين.
لكن، في مقابل هذا التقدم التنظيمي، تعاني المناطق المزروعة من نذرة مياه حادة نتيجة ضعف التساقطات المطرية، مما يهدد بنية الإنتاج في الصميم، خاصة في المناطق الجبلية والهامشية التي تفتقر لبنيات تحتية للري أو تدابير استباقية لمواجهة آثار التغير المناخي. ويجد الفلاحون أنفسهم مضطرين للاعتماد على مياه محدودة وغير كافية، مما يقلص الإنتاجية ويؤثر على جودة الغلّة.
إلى جانب إشكالية الماء، تواجه فئة واسعة من الفلاحين تأخراً في استخلاص مستحقاتهم المالية من الشركات المكلفة بالتجميع والتصنيع، وهو ما خلق حالة من التذمّر والقلق وسط التعاونيات، التي ترى أن المشروع لم يصل بعد إلى مستوى “العقد العادل” الذي يضمن الاستقرار والاستمرارية. فبينما تنص العقود على تسليم المنتوج في آجاله المحددة، يتأخر صرف العائدات، مما يُربك الدورة الاقتصادية المحلية، خصوصاً في ظل التزامات مالية وضغوط اجتماعية تواجهها الأسر الفلاحية.
كما لا تزال سلاسل التسويق تعاني من ضعف واضح، في ظل تأخر تسجيل المنتجات رسمياً لدى مديرية الأدوية والصيدلة، وهو شرط أساسي لتسويق المشتقات ذات الطابع الطبي والصيدلي والصناعي. وبالرغم من اللقاءات التي جمعت مسؤولي الوكالة بالتعاونيات والشركات، لم تظهر بعد بوادر واضحة لحلول ناجعة تسرّع وتيرة التسويق وتفتح آفاق التصدير أو التوزيع الداخلي المنتظم.
وما يزيد من تعقيد الوضع، أن بعض المستثمرين الكبار الذين راهنوا على هذا القطاع بدأوا يُبدون تذمّراً من غياب آليات واضحة لتثمين المنتوج، وعدم وجود رؤية اقتصادية شاملة تجعل من “الكيف” مصدر جذب للاستثمار لا عبئاً تنظيمياً. في المقابل، تُطرح تساؤلات عن مدى جاهزية الإطار القانوني والمؤسساتي لتأمين بيئة متكاملة تجمع بين الإنتاج، التحويل، التسويق، والتوزيع في دورة اقتصادية منضبطة.
وفي حين أن مشروع تقنين زراعة الكيف شكّل في بدايته بُشرى لفلاحين ظلّوا لسنوات محاصَرين بين العزلة والفقر، فإن تأخر الاستفادة الفعلية من العائدات، ومحدودية فرص التسويق، ومخاطر الجفاف، كلها عوامل تُهدد بتحويل هذا الأمل إلى خيبة، ما لم يتم اتخاذ تدابير سريعة تضمن استدامة المشروع وربط نجاحه بالأمن المائي والعدالة الاقتصادية.
إن المشروع القانوني لزراعة القنب الهندي في المغرب قد قطع أشواطاً مهمة في التنظيم والإشراف، لكنه لا يزال بحاجة إلى حلول عملية عاجلة لتأمين حقوق الفلاحين، ضمان جاذبية القطاع للمستثمرين، وتحصين هذا النموذج التنموي من التحديات المناخية والبيروقراطية التي قد تُقوّضه قبل أن يُؤتي ثماره الحقيقية






