اقتصاد

الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس تكثف استثماراتها لتأهيل شبكات الماء بإقليم بولمان.. وتأخر وزارة التجهيز والماء في نقل مياه السدود يعمق أزمة العطش

تتواصل بإقليم بولمان، وخاصة بمدينة ميسور وعدد من الجماعات والدواوير المجاورة، أزمة التزود بالماء الصالح للشرب، في ظل خصاص حاد في الموارد المائية الجوفية وارتفاع غير مسبوق في الطلب خلال فصل الصيف، وهو ما جعل عدداً من المناطق تعرف انقطاعات متكررة فرضت تحديات كبيرة أمام مختلف المتدخلين.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه تعبئة السلطات الإقليمية والمحلية لمواكبة الوضع والتخفيف من آثار الأزمة، تبرز الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس كأحد أبرز المتدخلين ميدانياً، حيث تعمل منذ انطلاقها على تنفيذ برنامج استثماري واسع لإعادة تأهيل شبكات توزيع الماء التي ورثتها في وضعية تقنية متدهورة، بعد سنوات طويلة من تقادم القنوات وارتفاع نسبة التسربات وضياع كميات مهمة من المياه.

وقد رصدت الشركة اعتمادات مالية مهمة لتجديد القنوات المهترئة، وتعزيز مردودية شبكات التوزيع، وتقليص نسبة ضياع المياه، مع تعبئة فرقها التقنية بشكل يومي للتدخل السريع وإصلاح الأعطاب وضمان استمرارية التزويد كلما توفرت الموارد المائية، في مجهود تقني متواصل يهدف إلى تحسين جودة الخدمة المقدمة للمواطنين.

غير أن الإشكال المطروح اليوم، بحسب متابعين، لا يكمن في التوزيع بقدر ما يكمن في ندرة المورد المائي نفسه، فالشركة الجهوية تضطلع بمهمة توزيع المياه وتحسين الشبكات، لكنها لا تنتج المياه ولا تتولى تعبئة الموارد المائية، إذ تبقى هذه المسؤولية من اختصاص المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب – قطاع الماء، الذي يوفر المياه الخام، ووزارة التجهيز والماء التي تشرف على السياسة المائية والمشاريع الكبرى الخاصة بالسدود وتحويل المياه.

ويرى عدد من الفاعلين أن الشركة الجهوية لا يمكن تحميلها مسؤولية غياب المياه، لأنها لا تستطيع توزيع كميات غير متوفرة أصلاً، بل إنها تواجه يومياً معادلة صعبة تتمثل في تدبير كميات محدودة من المياه لفائدة آلاف المواطنين، مع الحرص على ضمان العدالة في التوزيع والتدخل المستمر لإصلاح الشبكات وتحسين مردوديتها.

وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى وزارة التجهيز والماء، التي يطالبها المتتبعون بالإسراع في إخراج مشروع نقل مياه السدود إلى حيز التنفيذ، خاصة وأن إقليم بولمان يعد من أكثر الأقاليم التي استنزفت مواردها الجوفية بفعل توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية، الأمر الذي جعل الاعتماد على الآبار والفرشات المائية لم يعد قادراً على تلبية الحاجيات المتزايدة للسكان.

ويعتبر متابعون أن البطء في تنزيل مشاريع نقل المياه لم يعد مبرراً، خصوصاً وأن المنطقة تعيش أزمة مائية متكررة، بينما كان من الممكن التخفيف من حدتها عبر تسريع إنجاز المشاريع المهيكلة التي تضمن مورداً مائياً دائماً ومستقراً لفائدة الساكنة.

كما تواصل السلطات الإقليمية اجتماعاتها الميدانية وتنسيقها مع مختلف المتدخلين لمواكبة الوضع، في وقت تواصل فيه الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس تدخلاتها التقنية وبرامجها الاستثمارية لتحديث الشبكات وتحسين أداء منظومة التوزيع، وهو ورش يتطلب إمكانيات مالية وتقنية كبيرة بالنظر إلى حجم الاختلالات التي ورثتها.

ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من تدبير آثار الأزمة إلى معالجة أسبابها الحقيقية، وذلك عبر الإسراع بتوفير الموارد المائية اللازمة، لأن تحديث شبكات التوزيع، مهما بلغت نجاعته، لن يحقق النتائج المرجوة إذا استمرت ندرة المياه الخام.

إن ما تقوم به الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس من استثمارات لتأهيل الشبكات وتجديد القنوات وتحسين جودة التوزيع يمثل خطوة أساسية في إصلاح قطاع الماء بالجهة، غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهيناً بتوفير المورد المائي الكافي، وهو ما يفرض على وزارة التجهيز والماء والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب تسريع المشاريع الاستراتيجية لنقل مياه السدود، حتى لا يبقى سكان إقليم بولمان يواجهون، صيفاً بعد آخر، أزمة عطش تتكرر دون حلول جذرية.

وفي الميدان، يواصل عامل إقليم بولمان علال الباز تتبع ملف التزود بالماء الصالح للشرب عن قرب، من خلال رئاسة اجتماعات تنسيقية واستعجالية مع مختلف المتدخلين، والوقوف على وضعية الجماعات الأكثر تضرراً، مع الحرص على تعبئة السلطات المحلية والشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس والمصالح المختصة لضمان استمرارية التزويد والتدخل السريع كلما استدعت الضرورة ذلك. كما يعمل عامل الإقليم على الدفع بالمشاريع المرتبطة بالأمن المائي، باعتبارها أولوية تنموية واجتماعية، في ظل التراجع الكبير الذي تعرفه الموارد المائية الجوفية بالإقليم.

غير أن هذه التعبئة الميدانية، إلى جانب الاستثمارات المهمة التي رصدتها الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس لتأهيل شبكات التوزيع وتجديد القنوات المتهالكة التي ورثتها، لن تحقق أهدافها كاملة ما لم يتم التسريع من طرف وزارة التجهيز والماء والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب – قطاع الماء في إنجاز مشاريع نقل مياه السدود وتعزيز الموارد المائية بالإقليم. فسكان بولمان لا يحتاجون اليوم إلى حلول ظرفية، بل إلى قرارات استعجالية ومشاريع مهيكلة تضمن حقهم الدستوري في الماء، وتضع حداً لمعاناة تتكرر كل صيف رغم الجهود الكبيرة المبذولة على المستوى الترابي من طرف السلطات الإقليمية والشركة الجهوية المكلفة بالتوزيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى