وهبي يعيد سبتة ومليلية إلى واجهة الحوار مع مدريد.. المغرب يتمسك بـ«الحق التاريخي والجغرافي» ويدعو إلى حل نهائي

عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات المغربية الإسبانية من جديد، بعد التصريحات المتتالية لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، التي انتقلت من المطالبة بإعادة القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا إلى التأكيد بشكل صريح على تمسك المغرب بما يعتبره حقاً تاريخياً وجغرافياً في المدينتين، مع الدعوة إلى فتح مسار حوار مباشر للوصول إلى حل نهائي.
وفي أحدث تصريح له، أدلى به الجمعة 21 غشت للقناة الثانية «2M»، قال وهبي إن المغرب يعتبر سبتة ومليلية «أراضٍ مغربية»، مؤكداً تمسك المملكة بحقها التاريخي والجغرافي في استرجاعهما، ومشدداً على أن الحوار مع إسبانيا هو الطريق الذي اختارته الرباط لمعالجة هذا الملف.
وتكتسب تصريحات وهبي الجديدة أهمية خاصة لكونها جاءت بعد نحو عشرة أيام فقط من تصريحاته السابقة لقناة «الشرق بلومبرغ»، التي أكد فيها أن ملف سبتة ومليلية لم يكن غائباً عن اللقاءات بين المسؤولين المغاربة والإسبان، وأن المغرب يتعامل معه بمنطق «النفس الطويل» والحوار، رافضاً في الوقت نفسه فكرة أن الرباط تسعى إلى رفع الكلفة الاقتصادية على المدينتين عبر التضييق على التهريب المعيشي.
وبذلك، لا يبدو أن التصريح الجديد يمثل تغييراً في جوهر الموقف الذي عبر عنه وهبي في 11 غشت، وإنما يحمل تأكيداً أكثر وضوحاً على أن قضية المدينتين بالنسبة إلى المغرب ليست مرتبطة فقط بأزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، وإنما ينظر إليها كملف تاريخي وسياسي قائم بذاته.
من ملف القاصرين إلى ملف السيادة
قبل أن يرفع وهبي سقف خطابه بشأن وضع المدينتين، كان تركيزه الأساسي منصباً على قضية القاصرين المغاربة غير المرافقين الموجودين في سبتة وباقي التراب الإسباني.
وفي تصريحات سابقة، أكد الوزير أن المغرب متمسك باستعادة جميع قاصريه، بمن فيهم الذين دخلوا مؤخراً إلى سبتة، مشدداً على أن المملكة مستعدة لمعالجة الملفات عبر القنوات القانونية والسياسية، وأن مكان الأطفال الطبيعي هو داخل أسرهم وبلدهم.
كما أوضح وهبي أن التواصل المغربي الإسباني بشأن القاصرين «مستمر وسيستمر»، داعياً إلى التعامل مع الملف عبر المؤسسات الرسمية، بعيداً عن التأويلات والمعلومات المتداولة في مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، وصف الوزير القاصرين الذين يخوضون محاولات الهجرة بأنهم ضحايا وليسوا مجرمين، وربط المسؤولية الأساسية بشبكات الاتجار بالبشر، مشيراً إلى أن السياسة الجنائية ينبغي أن تستهدف المتاجرين والمورطين في أعمال العنف وإضرام النار، وليس الأطفال والمراهقين.
كما كشف وهبي عن أرقام مرتبطة بمجهودات المغرب في مكافحة الهجرة غير النظامية، مشيراً إلى إحباط عشرات الآلاف من محاولات الهجرة وتفكيك مئات شبكات تهريب المهاجرين وإنقاذ آلاف الأشخاص في البحر، وهي معطيات قدمها في سياق دفاعه عن المقاربة المغربية في هذا الملف.
«آلية للحوار».. وهبي يقترح مخرجاً سياسياً
الجديد في التصريح الأخير لا يتمثل فقط في إعادة التأكيد على الموقف المغربي، وإنما في الدعوة إلى خلق مجال أو هيئة للحوار بشأن مستقبل سبتة ومليلية.
فبحسب ما نقلته وسائل إعلام مغربية عن تصريح وهبي لـ«2M»، فإن الوزير يرى أن إنشاء آلية أو لجنة للحوار بين المغرب وإسبانيا يجب أن يكون حاضراً، بهدف مناقشة القضية والتوصل في نهاية المطاف إلى حل نهائي.
وهنا يبرز عنصر أساسي في خطاب وهبي: فالمغرب، وفق هذه التصريحات، لا يقدم الملف باعتباره ورقة ضغط ظرفية، ولا يربطه فقط بالتوتر الذي خلفته أحداث الهجرة الأخيرة، بل يضعه ضمن مسار تفاوضي طويل الأمد.
هذا المعطى يتطابق مع تعبير «النفس الطويل» الذي استخدمه وهبي في تصريحاته السابقة، في إشارة إلى أن الرباط تتعامل مع الملف باعتباره قضية ممتدة زمنياً، وأن معالجة الوضع لا يُنظر إليها من زاوية ردود الفعل الآنية.
مدريد ترد.. والموقف الإسباني مختلف جذرياً
التصريحات المغربية قوبلت في المقابل بمواقف إسبانية رافضة لإعادة فتح النقاش حول وضع المدينتين.
فبعد تصريحات وهبي في 11 غشت، أكد مسؤولون إسبان أن وضع سبتة ومليلية ليس موضوعاً للنقاش، فيما شددت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس على أن المدينتين إسبانيتان وأن مدريد متمسكة بسيادتها عليهما. كما خرج رئيس حكومة سبتة خوان فيفاس للتأكيد أن تصريحات الوزير المغربي لا تستند، من وجهة نظره، إلى أساس وأن سبتة إسبانية.
وتكشف هذه الردود عن وجود فجوة واضحة بين الرؤية المغربية التي تضع الملف ضمن حقوق تاريخية وجغرافية وتدعو إلى الحوار بشأن مستقبله، وبين الموقف الإسباني الذي يرفض أساساً إدراج السيادة على المدينتين ضمن أجندة التفاوض.
هل نحن أمام أزمة جديدة أم إعادة ترتيب للملف؟
رغم ارتفاع نبرة التصريحات، فإن المعطيات المتوفرة لا تشير إلى انتقال رسمي للعلاقات المغربية الإسبانية إلى مرحلة مواجهة جديدة.
بل إن خطاب وهبي نفسه يحمل في جوهره دعوة إلى الحوار، سواء عندما تحدث عن «النفس الطويل» في 11 غشت، أو عندما دعا في 21 غشت إلى آلية للحوار من أجل الوصول إلى حل نهائي.
غير أن إعادة طرح سبتة ومليلية بهذه الصراحة، مباشرة بعد أزمة الهجرة الأخيرة، تمنح الملف بعداً سياسياً جديداً، خصوصاً أن التصريحات جاءت في وقت ما تزال فيه تداعيات دخول أعداد كبيرة من المهاجرين والقاصرين إلى سبتة خلال نهاية يوليوز تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين.
والواضح أن وهبي اختار أن يفصل بين ملفين: ملف الهجرة والقاصرين الذي يطالب المغرب بمعالجته عبر التعاون المؤسساتي والقانوني، وملف سبتة ومليلية الذي يقدمه باعتباره قضية تاريخية وجغرافية تتطلب حواراً سياسياً طويل النفس.
وبينما ترفض مدريد إدراج وضع المدينتين ضمن أي نقاش حول السيادة، تؤكد الرباط عبر تصريحات وزير العدل أن الملف لم يغلق، وأن مرور الزمن لا يعني التخلي عن المطالبة المغربية.
وهكذا، فإن تصريحات وهبي خلال غشت الجاري لا تبدو مجرد تصريحات متفرقة، بل ترسم خطاباً متكاملاً يقوم على ثلاث رسائل: المغرب لن يتخلى عن القاصرين المغاربة، ولن يتعامل مع قضية سبتة ومليلية باعتبارها ملفاً مغلقاً، وفي الوقت نفسه يفضل الحوار والمسار السياسي طويل الأمد على منطق التصعيد.






