قضايا

منحة 12 شهراً للأسر.. خطوة إيجابية تعالج «فخ الدعم» لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المنحة

يمثل دخول نظام المنحة الاستثنائية للأسر التي تفقد أهليتها للدعم الاجتماعي المباشر بسبب الولوج إلى عمل مصرح به خطوة مهمة لمعالجة واحد من أكثر الإشكالات حساسية التي أفرزها تنزيل منظومة الدعم الاجتماعي، والمتمثل في تخوف بعض الأسر من قبول العمل المهيكل خشية فقدان مورد مالي كانت تعتمد عليه في مواجهة أعبائها اليومية.

وبموجب النظام الجديد، يمكن للأسرة المعنية الاستفادة من منحة استثنائية لمدة تصل إلى 12 شهراً، وبقيمة تعادل الدعم الذي كانت تحصل عليه، بما يمنحها فترة انتقالية تساعدها على التأقلم مع دخلها الجديد. كما تتيح الآلية العودة إلى الاستفادة من الدعم في حالة فقدان العمل لأسباب خارجة عن إرادة المستفيد.

ولا شك أن هذا الإجراء يحمل جانباً إيجابياً، لأنه يخفف عن الأسر صدمة الانتقال من وضعية الاستفادة من الإعانة إلى الاعتماد على الأجر، ويزيل جزءاً من المخاوف التي قد تجعل بعض الأشخاص يترددون في قبول وظيفة مصرح بها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تكفي سنة واحدة فعلاً لضمان انتقال أسرة هشة من الدعم إلى الاستقلال الاقتصادي؟

فالمشكلة لا ترتبط فقط بالخوف من فقدان الدعم، وإنما أيضاً بمستوى الأجور، واستقرار فرص العمل، وكلفة النقل والسكن والتعليم والصحة، وغيرها من المصاريف التي قد تجعل الراتب، خصوصاً في الوظائف منخفضة الأجر، غير كاف لتغطية احتياجات الأسرة.

ومن هذه الزاوية، فإن المنحة الاستثنائية يمكن أن تكون حلاً انتقالياً مهماً، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تأجيل للمشكلة لمدة 12 شهراً. فبعد انتهاء هذه الفترة، ستجد الأسرة نفسها أمام اختبار حقيقي: هل أصبح الدخل الناتج عن العمل كافياً فعلاً لتعويض الدعم؟ وهل الوظيفة التي التحقت بها مستقرة وقابلة للاستمرار؟

وهنا تظهر أهمية ربط هذه الآلية بسياسة أوسع للتشغيل، تقوم على تحسين جودة الوظائف وليس فقط رفع عدد الأشخاص المصرح بهم لدى الضمان الاجتماعي. فالإدماج الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق بمجرد الانتقال من وضعية مستفيد إلى وضعية أجير، وإنما يحتاج إلى أجر لائق، واستقرار مهني، وتغطية اجتماعية، وفرص حقيقية للتطور.

كما أن اعتماد مدة أقصاها 12 شهراً يطرح بدوره ضرورة وجود آلية دقيقة لتقييم وضعية الأسرة خلال هذه المرحلة، حتى لا تتحول نهاية المنحة إلى عتبة جديدة للهشاشة، خصوصاً إذا فقد المستفيد عمله أو ظل أجره محدوداً مقارنة بالاحتياجات الأساسية.

ومن جهة أخرى، فإن ضمان العودة إلى الدعم في حال فقدان العمل بشكل غير إرادي يعد نقطة إيجابية، لكنه يفرض بدوره وضوحاً كبيراً في المساطر وسرعة في معالجة الملفات، لأن الأسرة التي تفقد مصدر دخلها لا تستطيع الانتظار طويلاً أمام إجراءات إدارية معقدة.

الأهم من ذلك أن هذا القرار يكشف بشكل غير مباشر عن خلل كان يحتاج إلى معالجة منذ بداية منظومة الدعم الاجتماعي المباشر: حين يصبح الدعم سبباً للتردد في قبول العمل، فإن منظومة الحماية الاجتماعية تكون بحاجة إلى بناء جسر واضح بين الإعانة والإدماج الاقتصادي.

ولهذا، فإن نجاح المنحة لن يقاس بعدد الأسر التي استفادت منها، وإنما بعدد الأسر التي استطاعت، بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، أن تنتقل فعلاً إلى حياة اقتصادية أكثر استقراراً دون العودة إلى دائرة الهشاشة.

القرار إذن خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه ليس نهاية الطريق. فالرهان الأكبر أمام الحكومة هو أن تجعل الدعم الاجتماعي وسيلة للعبور وليس وضعية دائمة، وأن تضمن في المقابل أن يكون العمل المهيكل أكثر جاذبية وأماناً من البقاء خارج سوق الشغل الرسمي.

وبين حماية الأسر وتشجيعها على العمل، يبقى التحدي الحقيقي هو بناء معادلة لا تجعل المواطن مضطراً للاختيار بين الدعم والوظيفة، وإنما تمنحه دعماً يساعده على الوصول إلى عمل مستقر، ثم دخلاً كافياً يسمح له بالاستغناء التدريجي عن الدعم دون أن يعود إلى الهشاشة من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى