قضايا

قطاع النظافة بفاس تحت المجهر… بين صفقة بمليارات السنتيمات وواقع متراجع يثير أسئلة المحاسبة

لم يعد ما يعيشه قطاع النظافة بمدينة فاس مجرد اختلالات ظرفية أو صعوبات عابرة، بل تحول إلى أزمة تدبير حقيقية تعكس فجوة واضحة بين ما تنص عليه دفاتر التحملات وما يعيشه المواطن يومياً في الأحياء والشوارع. فبعد مرور ما يقارب سنتين على تفويت صفقة تدبير النظافة لشركة  SOS “مكومار” لتدبير المنطقتين الأولى والثانية، بغلاف مالي يفوق 22 مليار سنتيم، ما تزال مؤشرات الأداء تثير الكث ير من علامات الاستفهام.

الأحياء السكنية، خاصة ذات الكثافة المرتفعة، تعيش على وقع حاويات ممتلئة لأيام، وانتشار الروائح الكريهة، وتأخر ملحوظ في جمع النفايات، إلى جانب غياب الكنس المنتظم في عدد من المحاور. هذا الواقع اليومي، الذي بات مألوفاً لدى الساكنة، يعكس تراجعاً واضحاً في جودة الخدمات، ويطرح بإلحاح سؤال مدى احترام الشركة المفوض لها تدبير القطاع لالتزاماتها التعاقدية.

أسطول مهترئ ونجاعة محدودة

مصادر مهنية متطابقة تشير إلى أن جزءاً من الإشكال يرتبط بضعف الجاهزية اللوجستية وتهالك جزء من الأسطول المخصص لجمع النفايات و غياب الموارد البشرية، ما ينعكس مباشرة على انتظام التدخلات وجودة الخدمة. ويفترض أن دفتر التحملات يحدد بدقة عدد الآليات، وطبيعة التجهيزات، وتواتر المرور، ومعايير النظافة المطلوبة، غير أن ما يُسجَّل ميدانياً لا يعكس – بحسب متتبعين – التنزيل الصارم لتلك الالتزامات.

هذا التباين بين الالتزام النظري والواقع العملي يضع الشركات أمام مسؤوليات واضحة، كما يطرح في الآن ذاته تساؤلات حول دور المراقبة والتتبع من طرف جماعة فاس، باعتبارها الجهة المفوضة والمشرفة على العقد.

مسؤولية القيادة الجهوية للشركة

في خضم هذا الجدل، تتجه الأنظار أيضاً إلى المسؤول الجهوي للشركة مكومار، باعتباره المسؤول الأول عن ضمان احترام دفتر التحملات وتدبير الموارد البشرية واللوجستية بشكل يليق بمدينة بحجم فاس. فالمسؤولية هنا ليست تقنية فقط، بل تدبيرية بالأساس، تتطلب حضوراً ميدانياً وحزماً في التتبع واتخاذ القرار، لا فوضى و ترك المراقبين يعيثون في الأرض فسادا،وهو ما يستوجب مسائلة الشركة و المجلس الجماعي .

ويرى متتبعون أن استمرار هذا الوضع لا يمكن تفسيره فقط بنقص الإمكانيات أو “إكراهات ظرفية”، بل يعكس ضعفاً في القيادة الجهوية وغياباً للصرامة اللازمة لضمان الحد الأدنى من الجودة. فالحديث المتكرر عن الصعوبات لم يعد مقنعاً في ظل صفقة بهذا الحجم المالي، ما يجعل المساءلة أمراً مشروعاً، بل وضرورياً.

أين آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

تتكرر على ألسنة المواطنين والفاعلين الجمعويين جملة من الأسئلة الجوهرية:أين عمدة و المجلس الجماعي مما يقع؟
هل يتم فعلاً احترام جميع بنود الصفقة كما هو منصوص عليه؟
أين تقارير المراقبة الدورية والتقييم المرحلي للأداء؟
وهل تم تفعيل الجزاءات المنصوص عليها في حالة الإخلال بالالتزامات؟

إن المال العام، حين يُرصد لغلاف مالي يتجاوز 22 مليار سنتيم، يفرض مواكبة دقيقة ومحاسبة صارمة عند أي تقصير. واستمرار الوضع الحالي دون إجراءات تصحيحية واضحة قد يفتح الباب أمام مطالب أوسع بتقييم شامل لظروف تدبير هذا الملف، إدارياً ومالياً.

صورة المدينة وكرامة الساكنة

فاس، باعتبارها مدينة ذات رمزية تاريخية وسياحية وثقافية، لا يمكن أن تقبل بأن تتحول النظافة فيها إلى نقطة سوداء تمس صورتها وكرامة ساكنتها. فالنظافة ليست خدمة ثانوية، بل مؤشر مباشر على جودة التدبير المحلي ونجاعة الحكامة.

ومع اقتراب شهر رمضان، الذي يعرف عادة ارتفاعاً في حجم النفايات وضغطاً إضافياً على القطاع، تتعالى الدعوات إلى تدخل ميداني حازم من السلطات المختصة، وعلى رأسها والي جهة فاس مكناس، من أجل الوقوف على الاختلالات وضمان الحد الأدنى من الجودة في خدمة تمس الحياة اليومية للمواطنين.

بين الالتزام والواقع… الحاجة إلى قرارات حاسمة

إن استمرار التراجع في الأداء يشكل استخفافاً غير مباشر بتطلعات الساكنة، ويضع جميع المتدخلين – الشركة المفوض لها التدبير، والمسؤولين الجهويين، والجهة المفوضة – أمام مسؤولية مشتركة. فمن لم يستطع ضمان مستوى مقبول من الخدمة، فإن منطق الحكامة يقتضي مراجعة الأدوار وتفعيل آليات التقييم والمساءلة.

فاس اليوم لا تحتاج إلى خطابات مطمئنة، بقدر ما تحتاج إلى قرارات واضحة، ومراقبة فعلية، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، حتى تستعيد المدينة توازنها، ويستعيد المواطن ثقته في قطاع يفترض أن يعكس احترام كرامته وجودة عيشه اليومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى