بعد الحكم على عبد الرفيع زويتن.. مصطفى إيجاعلي في واجهة إنقاذ مهرجان فاس وأزمة غير مسبوقة تهز “روح فاس”

لم يكن افتتاح الدورة التاسعة والعشرين لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، مساء أمس، افتتاحاً عادياً يشبه ما اعتادت عليه المدينة خلال العقود الماضية. فخلف الأضواء والعروض الفنية والوفود القادمة من مختلف بقاع العالم، كانت هناك قصة أخرى تُكتب في الكواليس؛ قصة أزمة غير مسبوقة هزت المؤسسة المنظمة للمهرجان وفرضت نفسها على المشهد الثقافي والإعلامي.
فالمتابع لمراسيم الافتتاح كان يلاحظ منذ الوهلة الأولى أن أجواء هذه الدورة تختلف عن سابقاتها. فالمهرجان الذي ظل لسنوات يقدم نفسه كواجهة ثقافية مستقرة وكنموذج ناجح للدبلوماسية الثقافية المغربية، وجد نفسه هذه السنة في قلب عاصفة قضائية وتنظيمية ألقت بظلالها الثقيلة على كل تفاصيل الانطلاقة.
لقد جاء الحكم القضائي الصادر في حق رئيس مؤسسة “روح فاس” عبد الرفيع زويتن ليضع المهرجان أمام أكبر اختبار مؤسساتي منذ تأسيسه قبل تسعة وعشرين عاماً. ولم يكن وقع الحكم مرتبطاً فقط بشخص رئيس المؤسسة، بل بكونه مسّ أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالمهرجان لعقود طويلة، ما جعل الحدث يتجاوز البعد القضائي ليطرح أسئلة عميقة حول الحكامة والتدبير ومستقبل المؤسسة المنظمة.
وإذا كان المهرجان قد نجح في الحفاظ على برمجته واستمرار فقراته، فإن القراءة السياسية والثقافية لما جرى تكشف أن افتتاح هذه السنة لم يكن شبيهاً بالإفتتاحات السابقة التي كانت تطغى عليها أجواء الاحتفاء والاطمئنان. فقد خيّم على الحدث شعور عام بأن المؤسسة تدخل مرحلة انتقالية دقيقة، وأن صفحة كاملة من تاريخ تدبير المهرجان توشك على الإغلاق.
كما أن غياب صاحبة السمو الملكي الأميرة للا حسناء عن افتتاح هذه الدورة، في ظل الظروف الاستثنائية التي أحاطت بالمهرجان، لم يمر دون إثارة تساؤلات داخل الأوساط المتتبعة للشأن الثقافي. فالأميرة للا حسناء ارتبط اسمها لسنوات طويلة بهذا الموعد الثقافي الدولي وبالدفاع عن قيم الحوار بين الحضارات وحماية التراث الثقافي والروحي للمملكة. ولذلك فإن غيابها عن افتتاح دورة تعيش كل هذه التحولات منح الحدث بعداً مختلفاً وزاد من حجم التأويلات حول عمق الأزمة التي تعيشها المؤسسة المنظمة.
غير أن ما يستحق التوقف عنده أكثر هو سرعة تحرك المؤسسات والسلطات لضمان استمرارية المهرجان وعدم سقوطه في فراغ تنظيمي كان من الممكن أن يسيء إلى صورة مدينة فاس وإلى سمعة المغرب الثقافية دولياً. فقد بدا واضحاً أن هناك إرادة قوية للحفاظ على هذا المكسب الحضاري وعدم رهنه بأشخاص مهما كانت أدوارهم أو مساهماتهم السابقة.
وفي هذا السياق، برز اسم مصطفى إيجاعلي، رئيس جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كأحد الوجوه التي يعوّل عليها كثيرون للمساهمة في تأمين مرحلة الانتقال وإعادة بناء الثقة. فالرجل لا يمثل فقط مسؤولاً جامعياً، بل يُنظر إليه باعتباره أحد الكفاءات العلمية والثقافية التي راكمت تجربة مهمة في التدبير والحكامة، ويحظى باحترام واسع داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية.
إن حضور الجامعة في هذه المرحلة يحمل دلالة رمزية قوية. ففاس ليست مجرد مدينة للمهرجانات، بل هي عاصمة علمية وروحية عريقة، وموطن أقدم جامعة ما تزال تؤدي رسالتها في العالم. ومن الطبيعي أن يكون للجامعة وأطرها دور في حماية أحد أبرز المشاريع الثقافية التي تحمل اسم المدينة إلى المحافل الدولية.
اليوم، يبدو أن مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة يقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول الأزمة الحالية إلى مجرد حادث عابر ينتهي بانتهاء الجدل القضائي، وإما أن تكون لحظة تأسيسية لمرحلة جديدة تقوم على تجديد النخب، وتعزيز الحكامة، وتوسيع دائرة المشاركة في تدبير هذا المشروع الثقافي العالمي.
لقد أثبت المهرجان خلال ما يقارب ثلاثة عقود أنه أكثر من مجرد تظاهرة فنية؛ إنه مشروع حضاري يعكس صورة المغرب المنفتح والمتعدد، ويجسد قيم التعايش بين الديانات والثقافات والشعوب. ولذلك فإن الحفاظ عليه لا يقتضي فقط إنجاح السهرات والعروض الفنية، بل يتطلب أيضاً بناء مؤسسة قوية وشفافة وقادرة على ضمان استمرارية هذا الإرث الثقافي للأجيال المقبلة.
وربما تكون الرسالة الأبرز التي خرج بها افتتاح هذه الدورة هي أن زمن الأشخاص مهما طال لا يمكن أن يكون بديلاً عن قوة المؤسسات. فالمهرجانات الكبرى لا تُقاس بأسماء من يدبرونها، بل بقدرتها على الاستمرار والتجدد وتجاوز الأزمات. وفاس، التي نجحت عبر قرون في الحفاظ على مكانتها كعاصمة للعلم والحضارة، تبدو اليوم مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى كتابة فصل جديد من تاريخ مهرجانها العالمي، عنوانه: الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية المؤسسة.






