مجتمع

بعد سلسلة من التجاوزات والتشهير الممنهج: والي أمن وجدة يلجأ إلى القضاء لإنصافه

في زمن أصبحت فيه وسائل النشر متاحة للجميع، بات من الضروري التذكير بأن الإعلام الحقيقي لم يكن يوماً سيفاً مسلطاً على الأشخاص والمؤسسات، بل كان دائماً رسالة نبيلة قوامها البحث عن الحقيقة وخدمة الصالح العام. فالخبر في جوهره مقدس، والمعلومة أمانة، والكلمة مسؤولية، والصحافة الجادة وجدت لتنوير الرأي العام وكشف الحقائق، لا لتحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات للصراعات الشخصية أو منصات لإصدار الأحكام المسبقة.

ومن هذا المنطلق، يندرج قرار والي أمن وجدة، عبد الخالق الزيداوي، باللجوء إلى القضاء من أجل إنصافه مما اعتبره تجاوزات و تشهيرا و نشر أخبار زائفة و الدفع الى نشر معطيات مغلوطة دون تقصي الحقائق و ذلك بشكل مسترسل مما يظهر عن خلفيات مجهولة قد تحرك الناشر ، فضلا عن ممارسات إعلامية استهدفت شخصه ومساره المهني على مدى فترة من الزمن. وهو اختيار يعكس، قبل كل شيء، الإيمان بدولة المؤسسات والقانون، والاحتكام إلى القضاء باعتباره الجهة الوحيدة المخول لها الفصل في النزاعات وتحديد المسؤوليات.

لقد حاول البعض تقديم هذه الخطوة وكأنها مواجهة بين المؤسسة الأمنية والإعلام، غير أن القراءة الموضوعية للأمور تقود إلى استنتاج مغاير تماماً. فالقضية لا تتعلق بالنقد الصحفي المسؤول، الذي يبقى حقاً مشروعاً ومكفولاً، وإنما تتعلق بالحدود الفاصلة بين النقد المهني وبين ما قد يعتبر مساساً بالأشخاص أو تجاوزاً للضوابط القانونية والأخلاقية التي تؤطر العمل الإعلامي.

فالصحافة، عبر تاريخها، لم تُبنَ على الإثارة أو الاستهداف الشخصي أو التشهير المجاني، وإنما تأسست على قاعدة ذهبية مفادها أن الوقائع مقدسة والتعليق حر. وعندما تغيب هذه القاعدة، ويتحول الخبر من وسيلة للتنوير إلى أداة للاتهام أو التشهير أو تصفية الحسابات، فإن المتضرر لا يكون الشخص المستهدف فقط، بل المهنة الإعلامية نفسها التي تفقد جزءاً من مصداقيتها ورسالتها النبيلة.

وفي المقابل، فإن المسؤول العمومي ليس شخصاً فاقداً للحقوق بمجرد تقلده لمنصب المسؤولية. فكما يحق للإعلامي أن يكتب وينتقد ويعبر عن رأيه، يحق للمسؤول أيضاً أن يلجأ إلى القضاء عندما يرى أن حقوقه أو سمعته أو اعتباره المهني تعرضت للمساس. وهنا تتجلى قوة دولة القانون التي تساوي بين الجميع وتجعل من القضاء الفيصل الوحيد في مثل هذه القضايا.

والحديث عن والي أمن وجدة عبد الخالق الزيداوي لا يمكن أن يتم بمعزل عن مساره المهني الطويل داخل المديرية العامة للأمن الوطني. فالرجل راكم تجربة ميدانية وإدارية مهمة عبر سنوات من العمل الأمني، وتقلد مسؤوليات حساسة في عدد من المدن المغربية، من بينها فاس والحسيمة، حيث عُرف بنهج التواصل والانفتاح واعتماد مقاربة تقوم على بناء جسور الثقة مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين والإعلاميين،و يسجل عليه أنه لم يكن خصما لمختلف الإعلاميين.

كما أن تجربته داخل مصالح الأمن الوطني مكنته من اكتساب خبرة واسعة في تدبير الملفات الأمنية المعقدة وفهم التحولات المجتمعية، وهو ما جعله من بين الأطر الأمنية التي تؤمن بأهمية التواصل والتفاعل الإيجابي مع محيطها المؤسساتي والمجتمعي.

غير أن الانفتاح والتواصل لا يمكن أن يتحولا إلى مبرر للصمت أمام كل ما ينشر أو يقال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعطيات أو اتهامات أو استنتاجات قد تمس بصورة الأشخاص و التشهير بهم وترويج مغالطات على المؤسسات. فالنقد البناء مرحب به دائماً، لأنه يساهم في التصحيح والتطوير، أما تحويل المنابر الإعلامية إلى فضاءات للاستهداف الشخصي أو تقديم المزاعم باعتبارها حقائق نهائية، فهو أمر يختلف تماماً عن الرسالة الأصلية للإعلام.

إن ما تحتاجه بلادنا اليوم ليس إعلاماً يصنع الخصومات، ولا مؤسسات تدخل في سجالات، بل إعلاماً مهنياً مسؤولاً ومؤسسات قوية تحتكم إلى القانون. لذلك فإن اختيار والي أمن وجدة سلوك المساطر القانونية بدل الدخول في الردود أو المناكفات الإعلامية يعكس احتراماً للمؤسسات وثقة في العدالة، ويؤكد أن معالجة الخلافات يجب أن تتم داخل فضاءات القانون لا عبر منصات التراشق والاتهامات المتبادلة.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا خلاف حولها أن حرية التعبير قيمة أساسية في أي مجتمع ديمقراطي، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية. كما أن حماية المؤسسات ورجال الدولة لا تعني تحصينهم من النقد، بل تعني ضمان أن يتم هذا النقد في إطار المهنية والموضوعية واحترام القانون. وبين الحق في التعبير والحق في حماية السمعة والاعتبار، يظل القضاء المستقل هو الضامن للتوازن، وتبقى المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات.

ويبقى من المؤسف أن بعض المنتسبين إلى الحقل الإعلامي أصبحوا، في السنوات الأخيرة، يتجاوزون الأدوار المهنية المنوطة بالصحافة، فينتقلون من موقع نقل الخبر والتحقق من الوقائع إلى موقع القاضي الذي يصدر الأحكام، أو المحقق الذي يجزم بالاتهامات، أو حتى الخصم الذي يدير معاركه الشخصية عبر المنابر الإعلامية. والحال أن الصحافي المهني ليس سلطة فوق المؤسسات، ولا بديلاً عن القضاء، ولا جهة مخول لها توزيع صكوك الإدانة أو البراءة. فالإعلام الحقيقي يراقب وينتقد ويسائل، لكنه لا يحاكم. والإعلامي الناجح هو الذي يجعل من الوثيقة والحجة والوقائع أساساً لعمله، لا من الانطباعات أو التأويلات أو الحسابات الشخصية. لذلك فإن حماية مصداقية الصحافة المقدسة و التي يطلق عليها السلطة الرابعة تقتضي، قبل كل شيء، أن يلتزم كل فاعل إعلامي بحدود اختصاصه المهني، وأن يدرك أن قوة الكلمة لا تكمن في قدرتها على الإساءة إلى الأشخاص، بل في قدرتها على خدمة الحقيقة وتعزيز ثقة المجتمع في المؤسسات وفي الإعلام على حد سواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى