نحو “معاهدة صداقة جديدة” بين الرباط وباريس.. منعطف استراتيجي يعيد تشكيل العلاقات المغربية الفرنسية في أفق 2026

تتجه العلاقات بين المغرب وفرنسا نحو مرحلة إعادة تموقع عميقة وغير مسبوقة، مع اقتراب سنة 2026، حيث تعمل دوائر القرار في الرباط وباريس، إلى جانب نخبة من الخبراء والدبلوماسيين، على وضع اللمسات الأخيرة لما يُوصف بـ“معاهدة صداقة جديدة”، يُرتقب أن تعيد صياغة الأسس الكبرى للعلاقة الثنائية بين البلدين، وتؤسس لمرحلة مختلفة في تاريخ الشراكة المغربية الفرنسية.
وتشير معطيات دبلوماسية متقاطعة إلى أن هذه المعاهدة، التي يُنتظر أن تُتوج بتوقيع رسمي خلال زيارة دولة مرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، ستفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، عبر تجاوز الإطار التقليدي الذي حكم العلاقات الثنائية منذ منتصف القرن الماضي، وبالخصوص إرث اتفاقية “لاسيل سان كلو” لسنة 1955، التي ظلت تشكل المرجع التاريخي والسياسي للعلاقة منذ استقلال المغرب.
من إرث ما بعد الاستقلال إلى شراكة استراتيجية جديدة
وفق المصادر نفسها، فإن التصور الجديد للعلاقة يقوم على إعادة تعريف موقع كل من الرباط وباريس داخل المعادلة الجيوسياسية، بما يضع حداً تدريجياً لمنطق “الوصاية التاريخية” أو “الامتداد التقليدي”، لصالح علاقة أكثر ندية تقوم على المصالح المتبادلة والتوازن الاستراتيجي.
وتقوم فلسفة هذه المعاهدة، كما يتم تداولها داخل دوائر القرار، على اعتبار المغرب شريكاً استراتيجياً محورياً لفرنسا خارج الاتحاد الأوروبي، في حين تُعتبر باريس شريكاً أساسياً للمملكة في مجالات متعددة، بما يعكس تحولاً بنيوياً في طبيعة العلاقة من تعاون تقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد.
اقتصادياً: استثمارات كبرى مقابل امتيازات تنافسية
في الشق الاقتصادي، تشير التصورات الأولية إلى التزام فرنسي بضخ استثمارات مهمة في السوق المغربية، خصوصاً في قطاعات صناعية متقدمة مثل صناعة السيارات، النقل السككي، الطيران، والصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى مجالات الطاقة المتجددة والصناعة البحرية.
وتسعى هذه المقاربة إلى تعزيز حضور الشركات الفرنسية التي تنشط بالفعل في المغرب، حيث تتواجد مئات المؤسسات في قطاعات متعددة، عبر توسيع نطاق التعاون ونقل جزء من التكنولوجيا الصناعية نحو المملكة.
في المقابل، يمنح الجانب المغربي امتيازات وصفت بـ“الأولوية التنافسية” للمؤسسات الفرنسية داخل السوق الوطنية، خصوصاً في مجالات البنية التحتية، المشاريع الطاقية، والنقل، إلى جانب تحفيزات ضريبية مرتبطة ببعض المشاريع الصناعية ذات البعد الاستراتيجي.
وتعكس هذه الصيغة توجهاً نحو تثبيت فرنسا كشريك اقتصادي أول للمغرب، في مواجهة تنافس متزايد من قوى دولية أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها في السوق المغربية والإفريقية.
الدفاع والصناعة العسكرية: نحو تعاون غير مسبوق
من أبرز التحولات التي تحملها المعاهدة المرتقبة، حسب المعطيات المتداولة، الانتقال بالعلاقات الدفاعية بين البلدين إلى مستوى جديد، يتجاوز التعاون التقليدي نحو شراكة في مجالات التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا.
وتتحدث المعطيات عن دعم فرنسي محتمل للمغرب في تطوير قدراته الصناعية الدفاعية، بما يشمل تدريجياً بعض مجالات إنتاج المعدات العسكرية، مثل الطائرات الخفيفة، الذخيرة، المدرعات، والشاحنات العسكرية، مع تعزيز برامج التدريب والتأهيل المشترك.
كما يرتقب أن يشمل هذا التعاون توسيع التنسيق الاستخباراتي والأمني، وتكثيف التمارين العسكرية المشتركة، في إطار مقاربة تهدف إلى مواجهة التحديات الإقليمية العابرة للحدود، خصوصاً في منطقة الساحل والصحراء.
الثقافة واللغة: رهان النفوذ الناعم
في البعد الثقافي، يبرز ملف اللغة والهوية التعليمية كأحد أكثر المحاور حساسية داخل المعاهدة الجديدة، حيث تسعى فرنسا إلى الحفاظ على موقع اللغة الفرنسية داخل المنظومة التعليمية والاقتصادية المغربية، باعتبارها لغة أعمال وإدارة ونخبة.
وتراهن باريس على استمرار حضورها الثقافي من خلال تعزيز شبكة مؤسساتها التعليمية بالمغرب، التي تشمل معاهد ثقافية ومدارس تابعة لـ“البعثة الفرنسية”، إضافة إلى توسيع برامج تكوين الطلبة المغاربة في الجامعات الفرنسية.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الشبكة، التي تضم عشرات المؤسسات التعليمية وتستقطب عشرات الآلاف من التلاميذ والطلبة، تظل أحد أهم أدوات التأثير الثقافي الفرنسي داخل المغرب، حيث تساهم في تشكيل جزء مهم من النخب الإدارية والاقتصادية والسياسية.
في المقابل، يُفهم من المقاربة المغربية أنها تقوم على مبدأ الانفتاح اللغوي المتوازن، عبر الحفاظ على حضور الفرنسية مع تعزيز الانفتاح المتزايد على اللغة الإنجليزية كلغة علم واقتصاد، في إطار تعددية لغوية تستجيب لمتطلبات العولمة.
السياسة والدبلوماسية: دعم متبادل في القضايا الاستراتيجية
سياسياً، يُنتظر أن تتضمن المعاهدة التزامات فرنسية واضحة بدعم الموقف المغربي داخل المحافل الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالقضايا السيادية للمملكة، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن.
كما يرتقب أن تعزز باريس دعمها لمصالح المغرب داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في الملفات الاقتصادية المرتبطة بالفلاحة، الصيد البحري، والتعاون المؤسسي بين الجانبين.
وفي المقابل، يُنتظر أن يستفيد الطرف الفرنسي من تعزيز حضوره الاقتصادي في القارة الإفريقية عبر شراكات استراتيجية مع المغرب، الذي أصبح فاعلاً رئيسياً في الاستثمار داخل دول غرب إفريقيا، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية.
إفريقيا كفضاء مشترك لإعادة التموقع
أحد أبرز أبعاد هذه المعاهدة يتمثل في البعد الإفريقي، حيث تتجه فرنسا إلى إعادة صياغة حضورها في القارة عبر بوابة الشراكة مع المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة مهمة في الاستثمار والتعاون جنوب–جنوب.
وتعول باريس على الاستفادة من الشبكات الاقتصادية المغربية في إفريقيا، خصوصاً في دول غرب القارة، في وقت يسعى فيه المغرب إلى توسيع حضوره كفاعل اقتصادي ودبلوماسي محوري في محيطه الإفريقي.
نحو مرحلة ما بعد اتفاقيات 1955
إذا ما تم توقيع هذه المعاهدة وفق ما يُتداول من معطيات، فإنها ستكون بمثابة نقطة تحول تاريخية في العلاقات المغربية الفرنسية، حيث ستضع حداً عملياً للإطار الذي حكم العلاقات الثنائية منذ منتصف القرن العشرين.
كما ستؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الشراكة المتوازنة، حيث لا يكون أحد الطرفين تابعاً للآخر، بل شريكاً استراتيجياً في مجالات الاقتصاد، الأمن، الثقافة، والدبلوماسية.
وبين طموح فرنسا في الحفاظ على نفوذها التقليدي، ورغبة المغرب في تعزيز استقلالية قراره الاستراتيجي وتوسيع حضوره الإقليمي والدولي، تبدو “المعاهدة الجديدة” كاختبار حقيقي لقدرة الطرفين على الانتقال من منطق التاريخ إلى منطق المستقبل.






