قانون التعليم العالي 59.24: “العبور القسري” نحو مرحلة جديدة.. هل هي إصلاح للمنظومة أم تفكيك للجامعة العمومية؟

في ليلة تشريعية طبعها الاستقطاب السياسي الحاد، حسم مجلس النواب المغربي الجدل المحتدم حول مستقبل التعليم العالي بالمملكة، بالمصادقة ليلة أمس الإثنين على مشروع القانون رقم 59.24. وبينما ترى الحكومة في هذا النص “ثورة تحديثية” طال انتظارها لربع قرن، تعتبره المعارضة وجزء من الجسم الجامعي “مقامرة” بمجانية التعليم واستقلالية الجامعة، ليدخل القانون حيز التنفيذ محملاً بأسئلة مشروعة حول الوظيفة الاجتماعية للمؤسسة الجامعية.
منطق الأغلبية يحسم الصراع التشريعي
بـ 100 صوت مؤيد مقابل 40 معارضاً، مرر التحالف الحكومي المشروع مستنداً إلى قوته العددية، واضعاً حداً لمسار تشريعي مشحون. ويعكس هذا الرقم بوضوح حجم الانقسام؛ فبينما غابت الامتناعات عن التصويت، برزت الهوة العميقة بين رؤية تكنوقراطية ترى الإصلاح ضرورة للتنافسية الدولية، ورؤية سياسية واجتماعية تخشى من “سندرة” المعرفة وربطها المفرط بمنطق السوق.
الدفاع الحكومي: “المجانية والاستقلالية خط أحمر”
خلال الجلسة، انبرى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار للدفاع عن النص، مؤكداً أن زمن القانون 01.00 قد ولى، وأن المراجعة الحالية تستند إلى مرجعيات دستورية وتوجيهات ملكية سامية. وأبرز الوزير في عرضه عدة نقاط تطمينية:
-
نفي الخوصصة: التأكيد القاطع على أن التعليم العالي سيظل مرفقاً عمومياً مجانياً، وأن الشراكات مع القطاع الخاص تهدف لمأسسة التكامل لا لرفع يد الدولة عن التمويل.
-
سيادة مجلس الجامعة: توضيح أن “مجلس الأمناء الجهوي” المقترح لن يسلب الجامعة استقلاليتها، بل سيعزز تجذرها الترابي وربط البحث العلمي بالتنمية الجهوية.
-
الابتكار والتمويل: إرساء منظومة مندمجة للبحث العلمي تتوفر لأول مرة على آليات تمويل مهيكلة لرفع المردودية الوطنية.
المعارضة وشبح “التفكيك البطيء”
في المقابل، لم تنجح التطمينات الحكومية في تبديد مخاوف المعارضة والفاعلين الأكاديميين. فقد ظل التوجس من “خوصصة مبطنة” سيد الموقف، خاصة مع التوسع في مفاهيم الشراكة والنجاعة المالية. ويرى منتقدو النص أن استبدال التمويل العمومي الصرف بآليات هجينة قد يؤدي تدريجياً إلى نقل عبء التعليم من الدولة إلى كاهل الأسر والطلبة.
قراءة نقدية: الإصلاح تحت مجهر الخبراء
وفي سياق متصل، وجه الخبير في سياسات التعليم العالي، انتقادات لاذعة لمنهجية الحكومة، معتبراً أن تمرير القانون بالأغلبية العددية بدل “الشرعية التشاركية” يعكس استخفافاً بنبض الجامعة.
وصرح ذات المتحدث بلهجة حازمة: “الخطر لا يكمن فيما تقوله الحكومة اليوم، بل في الممكنات القانونية التي يفتحها النص غداً. إن إدخال منطق الشراكة دون تحصين دستوري صريح هو بداية لتفكيك بطيء للجامعة العمومية”. وأضاف أن خطاب المجانية بات “استهلاكياً” ما لم يترجم إلى ميزانيات واضحة وسياسات دعم تضمن الولوج المتكافئ بعيداً عن ضغوط السوق.
الرهان على التنزيل
إن المصادقة على القانون 59.24 ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لمرحلة “الاختبار الميداني”. وسيبقى السؤال المعلق في فضاء الجامعة المغربية: هل ستنجح النصوص التطبيقية في حماية حرمة الجامعة ومجانيتها، أم أن “الارتجال” الذي حذرت منه النقابات سيحول الإصلاح إلى أزمة بنيوية جديدة؟






