قضايا

مهرجان فاس للموسيقى الروحية: ليلة الافتتاح بطعم الأحكام القضائية وفضائح “بلاك ماركت” الدعوات المجانية

في الوقت الذي كان يُفترض فيه أن تنطلق الدورة التاسعة والعشرون لمهرجان فاس للموسيقى الروحية، مساء اليوم الخميس، لتكريس قيم الفن والتسامح، عاشت عاصمة الأنوار وصدمة مزدوجة تعري واقع التدبير داخل مؤسسة “روح فاس”. فبين مطرقة أحكام قضائية حبسية صدرت تزامناً مع موعد الافتتاح بتهم ثقيلة تتعلق بـ”غسل الأموال” في حق قادة المؤسسة، وسندان فضيحة تنظيمية مدوية فجّرتها منصات التواصل الاجتماعي عبر المتاجرة العلنية بالدعوات المجانية، يجد المهرجان نفسه في قلب عاصفة تسائل منظومة الحكامة وتدعو إلى تفكيك شبكات الريع الثقافي فوراً.

فضيحة “الدعوات المهربة”: مئات الدعوات المجانية تتحول إلى تجارة مربحة بـ”العلالي” و في السوق السوداء لمنصات الفايسبوك

الوجه الآخر للتخبط العشوائي وغياب الشفافية انفجر بشكل فاضح على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، إنستغرام، ومجموعات التراسل). ففي الوقت الذي يُحرم فيه أبناء مدينة فاس، ومثقفوها، وإعلامها النزيه، والفعاليات الجمعوية المستحقة من مواكبة الحدث بحجة “محدودية المقاعد”، ظهرت مئات الدعوات المجانية الرسمية المخصصة لليلة الافتتاح و الأربع الليالي الأخرى وهي معروضة للبيع العلني بأثمنة متفاوتة في سوق سوداء رقمية ومكشوفة، رغم أن القوانين تمنع تداولها بمقابل مالي،وهو ما يظره ان المؤسسة تعيش على وقع الريع في التدبير.

هذا الاختراق الفاضح يثبت بالدليل الملموس أن عملية توزيع الدعوات لم تخضع لأدنى معايير الحكامة، بل تمت في “كواليس مظلمة” خاضعة لمنطق الترضيات والريع، قبل أن تتسرب إلى أيدي سماسرة ومضاربين حولوها إلى تجارة غير مشروعة تدر أرباحاً خيالية على حساب صورة المهرجان وهيبته.

“إن المتاجرة بدعوات مجانية يمنع القانون بيعها هو تجسيد حي لفساد التدبير اللوجستيكي داخل مؤسسة روح فاس. إنه ريع ثقافي مكشوف ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص، ويحول تظاهرة مدعمة من الشركاء العموميين إلى كعكة يتقاسمها المضاربون.”

أحكام حبسية لغسل الأموال.. فهل يتصدرون منصة الافتتاح “كأن شيئاً لم يكن”؟

عشية هذا الموعد الدولي، وبينما كانت الاستعدادات جارية على قدم وساق بمنصة “باب المكينة”، تلقت رئاسة مؤسسة “روح فاس” صفعة قانونية حاسمة؛ حيث أدانت غرفة جرائم غسل الأموال بالمحكمة الابتدائية بفاس، يوم أمس الأربعاء، رئيس المؤسسة الحالي عبد الرفيع زويتن، والمدير السابق للمهرجان فوزي الصقلي، إلى جانب خمسة متهمين آخرين، بالحبس موقوف التنفيذ لمدة سنتين، وغرامة مالية نافذة قدرها 100 ألف درهم لكل منهم، مع مصادرة الأموال العقارية المكتسبة بعد ماي 2007 والحسابات البنكية لفائدة الخزينة العامة للمملكة.

هذا الحكم الابتدائي، الذي ينضاف إلى حكم جنائي سابق صدر في ماي 2023 أدان زويتن بالحبس سنة موقوفة التنفيذ في ملف مرتبط بالمال العام، يضع استمرارية هؤلاء المسؤولين على رأس تظاهرة عالمية تمول من جيوب دافعي الضرائب والشركاء العموميين محط تساؤلات أخلاقية حارقة: بأي صفة وبأي وجه سيحضر هؤلاء المدانون حفل الافتتاح الليلة؟ وهل تحول الفن الصوفي إلى واجهة للاحتماء من صكوك الاتهام وبناء حصانة وهمية؟

مطلب حتمي للنيابة العامة: تحريك البحث القضائي لإسقاط شبكات الريع

أمام هذه الفوضى العارمة والتطاول الصارخ على القوانين المنظمة، لم يعد الصمت مقبولاً من طرف السلطات القضائية والرقابية. إن النيابة العامة المختصة مطالبة، اليوم قبل غد، بالتدخل الحازم وتحريك بحث قضائي عاجل وفوري حول ظروف وملابسات توزيع هذه الدعوات المجانية وعرضها للبيع و الكشف عن الحقائق ما ينشر في صفحات التواصل الإجتماعي.

التحقيق القضائي يجب أن يطال:

  1. قنوات التسريب المباشرة: تحديد المسؤولين داخل اللجنة التنظيمية لمؤسسة “روح فاس” الذين أشرفوا على إخراج هذا الكم الهائل من الدعوات دون محاضر تسليم واضحة ومنحها لغير مستحقيها.

  2. السمسرة الرقمية: تتبع الحسابات والصفحات التي عرضت تلك الدعوات للبيع، لتحديد الهويات ومتابعة المتورطين بتهم النصب والمضاربة غير المشروعة في مواد يمنع القانون تداولها بمقابل مالي.

تجفيف منابع الريع: المهرجان يحتضر والإنقاذ بات فرض عين

إن اقتران أحكام جرائم غسل الأموال بفضيحة “البلاك ماركت” للدعوات، يوجه رصاصة الرحمة لما تبقى من مصداقية لدى مؤسسة “روح فاس”. لقد حان الوقت لترتيب الجزاءات القانونية والإدارية، وتدخل المجالس المنتخبة والسلطات الوصية لرفع يد هذه الوجوه التي عمرت طويلاً وأثقلت كاهل المهرجان بالملفات القضائية والعشوائية التنظيمية.

فاس، عاصمة العلم والتصوف، تستحق مهرجاناً يدار بعقول نظيفة وأيادٍ بيضاء تؤمن بالشفافية والحكامة، لا بمؤسسة تحولت أروقتها إلى قضايا معروضة على محاكم جرائم الأموال، وبواباتها إلى أسواق سوداء لبيع الدعوات المهربة.

 يبدو أن دورة 29 للمهرجان العالمي للموسيقى الروحية و الذي يحمل في طياته كثير من المفاجأت و التي سترافق فترة ليلة الإفتتاح و كذلك ما تبقى من ثلاثة ايام من المهرجان الذي ركز على المغني سامي يوسف و كأن الفنانين العمالقة غير موجودين في عالم الموسيقى الروحية الحقيقية و ان هذه الموسيقى و هذا المهرجان كان يراد له أن يكون مناسبة سنوية لتلاقي الحضارات و الثقافات و تعايش الديانات داخل و خارج أسوار مدينة 12 قرن غير ان الرياح قد تجري بما لا تشتهي السفن في زمن غياب الحكامة و الشفافية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى