هزة جرسيف تعيد إلى الواجهة سؤال الجاهزية الزلزالية.. هل دخل المغرب مرحلة النشاط الزلزالي المتكرر بعد زلزال الحوز؟

عاشت ساكنة جماعة تدارت التابعة لإقليم جرسيف، لحظات من الترقب والقلق بعدما شعر عدد من المواطنين بهزة أرضية دفعت بعض الأسر إلى مغادرة منازلها بشكل احترازي، في مشهد يعكس استمرار التأثير النفسي الذي خلفه زلزال الحوز في الوعي الجماعي للمغاربة.
ورغم أن الهزة لم تخلف أي خسائر بشرية أو أضرار مادية، فإنها أعادت إلى الواجهة النقاش حول النشاط الزلزالي الذي تعرفه المملكة خلال السنوات الأخيرة، ومدى استعداد المواطنين والمؤسسات للتعامل مع مثل هذه الظواهر الطبيعية.
ووفق المعطيات التي كشف عنها مدير المعهد الوطني للجيوفيزياء، ناصر جبور، فإن الهزة الأرضية بلغت قوة 3.4 درجات على سلم ريشتر، وسجل مركزها بجماعة تدارت بإقليم جرسيف في حدود الساعة الثامنة ودقيقة واحدة مساء، وهي درجة تبقى ضمن الهزات المتوسطة إلى الضعيفة التي تكون محسوسة من طرف السكان دون أن تتسبب عادة في أضرار للبنايات أو البنيات التحتية.
وأوضح جبور أن توقيت وقوع الهزة ساهم بشكل كبير في شعور الساكنة بها، خاصة أن الفترة المسائية تتميز بهدوء نسبي في الحركة والنشاط اليومي، ما يجعل الاهتزازات الأرضية أكثر وضوحاً بالنسبة للمواطنين.
جرسيف.. منطقة ليست غريبة عن النشاط الزلزالي
ورغم حالة القلق التي رافقت الهزة الأخيرة، فإن المختصين يؤكدون أن منطقة جرسيف ليست جديدة على النشاط الزلزالي، بحكم موقعها الجيولوجي ضمن منطقة تعرف بين الفينة والأخرى تسجيل هزات متفاوتة القوة.
ويشير خبراء الجيوفيزياء إلى أن شمال وشرق المملكة يظلان من المناطق التي تعرف نشاطاً زلزالياً متقطعاً نتيجة البنية الجيولوجية المعقدة للمغرب، الذي يقع في منطقة التقاء وتأثير بين الصفيحتين الإفريقية والأوراسية.
وتبقى أغلب هذه الهزات ضعيفة أو متوسطة الشدة، وغالباً ما تمر دون تسجيل أضرار، إلا أنها تشكل مؤشرات طبيعية على الدينامية الجيولوجية التي تعرفها المنطقة.
ما بعد زلزال الحوز.. المغرب تحت مراقبة علمية دقيقة
الهزة الأخيرة بجرسيف تأتي في سياق خاص تعيشه المملكة منذ الزلزال المدمر الذي ضرب إقليم الحوز سنة 2023، والذي يعد من أقوى الزلازل التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.
ويؤكد ناصر جبور أن زلزال الحوز لم يكن حدثاً عادياً من الناحية العلمية، بل كانت له تأثيرات على التوازنات الجيولوجية داخل المملكة، وهو ما جعل عدداً من المناطق تعرف خلال السنوات اللاحقة نشاطاً زلزالياً أكثر وضوحاً من السابق.
غير أن الخبراء يشددون على أن تسجيل هزات أرضية متفرقة بعد زلزال كبير يبقى أمراً طبيعياً من الناحية العلمية، ولا يعني بالضرورة اقتراب وقوع زلزال مدمر جديد، لأن معظم الهزات المسجلة تظل محدودة القوة وتندرج ضمن السلوك الطبيعي للقشرة الأرضية.
بين الخوف والوعي
ما لفت الانتباه خلال هزة جرسيف الأخيرة ليس قوتها، بل سرعة تفاعل السكان معها. فمجرد اهتزاز الأرض لبضع ثوان كان كافياً لدفع عدد من المواطنين إلى مغادرة منازلهم، في مشهد يكشف حجم الأثر النفسي الذي ما زال زلزال الحوز يتركه لدى المغاربة.
ويرى مختصون في تدبير المخاطر أن هذه الظاهرة تحمل وجهين؛ الأول إيجابي يتمثل في ارتفاع مستوى الوعي بخطورة الزلازل وضرورة التعامل معها بجدية، والثاني يتمثل في تنامي القلق الجماعي الذي قد يجعل أي هزة بسيطة تتحول إلى مصدر خوف واسع.
الحاجة إلى ثقافة الوقاية
وتؤكد الهزة الأرضية التي شهدتها جرسيف مجدداً أن المغرب مطالب بمواصلة الاستثمار في ثقافة الوقاية والتوعية أكثر من التركيز فقط على التدخل بعد وقوع الكوارث.
فالخبراء يعتبرون أن مواجهة المخاطر الزلزالية لا تقتصر على الرصد العلمي أو تطوير شبكات المراقبة، بل تشمل أيضاً تعزيز معايير البناء المضاد للزلازل، وتوعية المواطنين بكيفية التصرف أثناء الهزات الأرضية، وإدماج التربية على المخاطر الطبيعية داخل المؤسسات التعليمية.
يقظة دون تهويل
وفي الوقت الذي يواصل فيه المعهد الوطني للجيوفيزياء مراقبة النشاط الزلزالي بمختلف مناطق المملكة عبر شبكة متطورة من أجهزة الرصد، يدعو المختصون إلى التعامل مع مثل هذه الهزات بوعي وهدوء بعيداً عن التهويل أو نشر الإشاعات.
فالهزة التي سجلت بجرسيف تندرج ضمن النشاط الزلزالي العادي الذي تعرفه المملكة، غير أنها تحمل رسالة واضحة مفادها أن المغرب يعيش على أرض نشطة جيولوجياً، وأن أفضل وسيلة لمواجهة المخاطر الطبيعية تبقى في بناء ثقافة الاستعداد واليقظة الدائمة.
وبين جرسيف والحوز والحسيمة وغيرها من المناطق التي عرفت نشاطاً زلزالياً خلال العقود الأخيرة، يظل التحدي الحقيقي ليس في منع وقوع الزلازل، فذلك خارج قدرة الإنسان، بل في بناء مجتمع أكثر استعداداً وقدرة على التكيف مع المخاطر الطبيعية وتقليص آثارها المحتملة إلى أدنى مستوى ممكن.






