سياسة

تحقيق: العلبة السوداء لـ “مافيا الريع الفلاحي”: حينما تلتهم أرقام حزب “الأحرار” فضيحة العيد و جيوب المغاربة.. ومن يقف وراء حملة ضرب وزارة الداخلية؟

تحقيق صحفي:عبدالله مشواحي الريفي

لم يعد السكوت ممكناً، ولم يعد مجالاً للمداراة السياسية أو الدبلوماسية الإعلامية؛ فالأمر يتجاوز حدود “الخطأ التدبيري” ليصل إلى العبث الصريح بالأمن الغذائي للمغاربة، وتجويع الشعب في قُوته اليومي، وعيد أضحاه، ولحومه الحمراء. إن “الأرقام الطائرة” التي قذفت بها وزارة الفلاحة في وجه المغاربة (40 مليون رأس) لم تكن مجرد كذبة إحصائية لتغطية شمس الواقع بغربال البروباغندا، بل كانت بدايةً لـ”لعبة سياسية مكشوفة” تقودها جهات نافذة تحتمي بظلال رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، ووزير فلاحته، في محاولة بائسة للانتقام من مؤسسات الدولة التي فضحت المستور وضبطت الخناق على لورديات الريع و أطاحت بطموح الولاية الثانية.

لقد حان الوقت لتفكيك هذه اللعبة، ونبش خبايا “العلبة السوداء” لثلاثي التحكم الخطير ومن يحركهم من الخلف، وكشف عورات الأبواق الإعلامية المسترزقة التي تقتات على فتات الملايير من أموال الدعم الموجه لـ”مخططات الشوفير الفلاحي”.

هجوم كاسح على رئيس الحكومة ووزير الفلاحة: سياسة الهروب إلى الأمام

يقف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، ومعه وزير فلاحته، في قفص الاتهام المباشر؛ فهما المهندسان الفعليان لسياسة فلاحية أثبتت الأيام عقمها الاجتماعي، وسيادتها الاحتكارية. فبدل الاعتراف بالفشل الذريع الذي أصاب مراعي المملكة ومربيها الصغار جراء سنوات الجفاف والإجهاد المائي، اختار هذا الثنائي الهروب إلى الأمام، متسلحين بـ”إحصاء افتراضي” قفز بقدرة قادر بـ7 ملايين رأس من الماشية في بضعة أشهر!

إن الخرجات الإعلامية الموجهة التي يقودها وزير الفلاحة ورئيس الحكومة للحديث إلى الفلاحين مباشرة، بلغة تضخيم الإنجازات والوفرة الورقية، و طريقة بيع الأضاحي و توقيت النزول الى السوق، ما هي إلا “خلفيات سياسية انتقامية” واضحة المعالم ضد الدولة ومؤسساتها السيادية، وعلى رأسها وزارة الداخلية.

لماذا هذا الانتقام؟ لأن وزارة الداخلية، عبر لجانها المشتركة وأعوانها الإداريين في القيادات والملحقات، نزلت إلى الميدان، وقامت بـإحصاء عيني حقيقي، صارم، ومحاسباتي أسفر عن 32.8 مليون رأس فقط. هذا الرقم الواقعي أصاب “دكاكين الفلاحة” بالسعار، لأنه قطع الطريق على توزيع “بونات” الأعلاف الخيالية، وكشف كيف يتم التلاعب بالدعم المباشر، وأسقط ورقة التوت عن “النجاحات الوهمية” للمخططات الحكومية التي التهمت الملايير دون أن يجد المواطن كبشاً بسعر معقول أو كيلوغراماً من اللحم يناسب قدرته الشرائية.

ثلاثي التحكم الخطير في ميزان المحاسبة والتشريح

خلف هذا الستار الحكومي، يتحرك ثلاثي خطير يمسك بمفاصل وتفاصيل لقمة عيش المغاربة، ويشتغلون وفق أجندة سياسية وحزبية ضيقة لإدامة مصالح “لورديات” التصدير وكبار المستثمرين على حساب الكساب الصغير:

1. رشيد بنعلي (رئيس “كومادير”): حارس هيكل الريع والامتيازات

تعتبر الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (COMADER) تحت قيادة رشيد بنعلي الحصن الحصين الذي تُطبخ فيه سياسات الإقصاء. بنعلي لا يمثل الفلاح البسيط الذي جفت آثاره في جبال الأطلس أو سهول تادلة والرحامنة؛ بل يمثل مصالح كبار المنعشين الفلاحيين. تحت إشرافه، تحولت هذه الهيئة إلى “مظلة شرعية” لتبرير التدمير الممنهج للفلاحة المعيشية، ولعب دور المدافع الأول عن أرقام الوزارة الافتراضية للتغطية على الكوارث الهيكلية لأسعار اللحوم ومصيدات الاستيراد المشبوهة.

2. هشام رحالي (المدير العام لـ ONCA): تجميل الفشل بالاستشارات الموجهة

يمسك هشام رحالي، من موقع الإدارة العامة للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، بمفاتيح توجيه الفلاحين وتأطيرهم. لكن في عهده، تحول المكتب إلى مجرد أداة لتسويق الوهم الفلاحي، وتقديم تقارير واستشارات “على المقاس” تخدم الأجندة الحزبية والوزارية. وبدل أن يقف هذا المكتب بجانب المربين الصغار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القطيع الوطني، انخرط في لعبة “التأطير الورقي” والمساهمة في بناء الواجهة الدعائية المضللة التي تحجب الأزمة الحقيقية عن مراكز القرار.

3. أحمد رياض (رئيس الغرفة الفلاحية لجهة بني ملال-خنيفرة): الذراع الحزبي لـ “الأحرار”

المهندس الفلاحي الذي أعيد انتخابه في غشت 2021 لولاية ثانية بجبة حزب التجمع الوطني للأحرار. يمثل أحمد رياض النموذج الحي للتوظيف السياسي للمؤسسات المهنية الفلاحية. جهة بني ملال-خنيفرة، التي تعد خزان الثروة الحيوانية والقلب النابض للفلاحة المغربية، تعاني نزيفاً غير مسبوق في قطيعها، ومع ذلك، اختار رياض لعب دور “المهندس المطيع” لأجندة زعيمه ورئيس حكومته، محولاً الغرفة الفلاحية إلى منصة لتلميع “الإحصاء الطائر” وتبرير الغلاء بدلاً من كشف معاناة كسابي الجهة الأحرار.

دك حصون الأبواق الإعلامية المسترزقة: الملايير مقابل التضليل

أمام هذا الشرخ الفاضح بين رقم الداخلية الواقعي ورقم الفلاحة الافتراضي، وأمام صدمة المواطنين في الأسواق، تحركت الآلة الإعلامية التابعة والموجهة من قِبل “لوبي الفلاحة والسياسة”. انطلقت بعض المواقع الإخبارية والمنصات المأجورة في حملة مسعورة ومفضوحة، تحاول بكل وقاحة “تحميل وزارة الداخلية”  مسؤولية الارتباك والغلاء الفاحش في موسم العيد!

إن هذا القصف التضليلي الذي تمارسه هذه الأبواق ليس بريئاً، بل هو خدمة مدفوعة الأجر لأجندة مشبوهة ومعلومة. هذه المواقع والمنصات تستفيد سنوياً من ملايير السنتيمات تحت مسميات “الإشهار”، و”الدعم الإعلاني”.

المعادلة هنا واضحة وصادمة: الملايير تُضخ في حسابات هذه الأبواق، ومقابلها صياغة مقالات وتقارير تقلب الحقائق وتصنع الأكاذيب، وتحاول النيل من مصداقية تقارير رجال السلطة واللجان الإقليمية التابعة لوزارة الداخلية، التي لم تفعل سوى نقل الواقع الميداني الكارثي للثروة الحيوانية كما هو دون تزوير أو تجميل. إن من يقف وراء هذه الأبواق يحاول الانتقام من الدولة بعد أن تم الإطاحة برموز التلاعب وبونات الدعم المدعم، وفشلت خططهم في الاستمرار في امتصاص دماء المستهلك الفلاحي البسيط.

آن الأوان لتنكشف اللعبة

إن قضية القطيع الوطني والأمن الغذائي للمغاربة ليست مجرد أرقام وإحصائيات تُتداول في الصالونات السياسية أو تُباع في أسواق الإشهار المأجور؛ إنها مسألة سلم اجتماعي واستقرار وطن.

لقد آن الأوان لتنكشف اللعبة بالكامل، وأن يسقط القناع عن هذا الثلاثي الخطير ومن يحميهم في هرم السلطة التنفيذية. إن محاولات تسييس الملفات الاستراتيجية، واستعمال لغة الانتقام من مؤسسات الدولة الترابية والسيادية التي قامت بواجبها الدستوري في التشخيص الدقيق، لن تحجب حقيقة أن أسعار اللحوم وغلاء المعيشة هما نتاج طبيعي لسياسة “العلب السوداء” والصفقات الموجهة.

المغاربة اليوم لا يريدون أرقاماً طائرة من وزارة الفلاحة، ولا مقالات تلميعية من أبواق الملايير، بل يريدون ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح دفاتر الدعم والاستيراد، وإعادة الهيبة للأمن الغذائي الوطني بعيداً عن حسابات الربح المالي وحب البقاء السياسي على حساب قُوت الشعب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى