مجتمع

فاس 24: بعد فضائح التدبير الجماعي لمسابح فاس.. سلطات الولاية تتدخل لإنقاذ الموقف بسحب البساط وتكليف “العصبة”، فهل تنجح الأخيرة في محو نكسات الماضي وفتح الأبواب دون تأخير؟

مع الارتفاع التدريجي لدرجات الحرارة، يجدد الملف الحارق لتسيير المسابح الجماعية بفاس فرض نفسه على الساحة المحلية، ولكن هذه المرة بجرعة زائدة من الإثارة والجدل السياسي والتدبيري. فبعد مواسم متتالية من الفوضى، وسوء التسيير، والارتجالية التي طبعت تدبير المجلس الجماعي لفاس لهذا المرفق الحيوي، دخلت سلطات ولاية جهة فاس-مكناس بقوة على الخط لإيقاف هذا النزيف التدبيري الذي تحول إلى مادة دسمة للاستياء الشعبي.

وفي خطوة تُقرأ في الأوساط المحلية على أنها “سحب بساط” صريح وضمني من تحت أقدام المجلس الجماعي العاجز، كشف بلاغ رسمي صادر عن العصبة الجهوية فاس مكناس للسباحة (L.R.F.M.N)، والمؤرخ في 2 يونيو ، عن منعرج حاسم في هذا الملف. البلاغ أكد أنه بناءً على اجتماع ترأسه  الكاتب العام لولاية جهة فاس مكناس، بحضور عمدة مدينة فاس وممثلي الأكاديمية الجهوية وقسم التنمية البشرية بالولاية، تم الاتفاق رسمياً على إسناد مهمة تسيير وتدبير جميع المسابح المتواجدة بمدينة فاس والبالغ عددها ستة مسابح (سواء التابعة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو التابعة للمجلس الجماعي) إلى “العصبة الجهوية فاس مكناس للسباحة”.

“فاس 24” كانت سبّاقة لدق ناقوس الخطر: اختلالات التذاكر والمداخيل السوداء

إن هذا التدخل الولائي الحازم لم يأتِ من فراغ، بل جاء ليزكي ما سبق لجريدة “فاس 24” أن تطرقت إليه في مقالات ومتابعات استقصائية سابقة. لقد كنا في الجريدة سبّاقين للدق على ناقوس الخطر، وفضح حجم الاختلالات العميقة التي عانى منها هذا المرفق طيلة السنة الماضية تحت القيادة الكارثية للمجلس الجماعي.

ومن أبرز الفضائح التي أثرناها، والملف الذي يطالب الشارع الفاسي اليوم بفتح تحقيق قضائي ومالي معمق ومسؤول حوله، هو ملف تذاكر الولوج والمداخيل للسنة الماضية. فقد شهدت مسابح فاس في الصيف الماضي تلاعبات واختلالات خطيرة في طبع وتوزيع وتدبير تذاكر الدخول، وسط تساؤلات حارقة عن مصير المداخيل المالية الضخمة التي يُفترض أنها ضُخت في خزينة الجماعة، والجهة المستفيدة من هذا “الريع المائي” في عز حاجة المدينة السوسيو-اقتصادية لكل درهم. إن هذا التدبير الفاشل لم يقف عند حدود الهدر المالي، بل تعداه إلى حرمان شرائح واسعة من أبناء الشعب من حقهم في الترفيه والاستجمام بأسعار قانونية وبشروط تحترم كرامتهم.

 تقصير المجلس الجماعي: أطفال فاس في “نافورات الموت” الصاعقة

بينما ينشغل المجلس الجماعي بالصراعات الضيقة والترضيات، يدفع أطفال وشباب الأحياء الهامشية بفاس الفاتورة الأغلى جراء هذا التقصير والارتجالية في إعداد المسابح وفتحها في الوقت المناسب.

وفي مشهد يندى له الجبين، ويسائل الضمير المسؤول للمنتخبين، ما زال أطفال فاس، في غياب بدائل ترفيهية حقيقية ومسابح جاهزة ومفتوحة للعموم، يتخذون من نافورات الشوارع والساحات العامة مسابح بديلة. والمصيبة الكبرى أن هذه النافورات المهملة لا تفتقر فقط لأدنى شروط النظافة، بل تشكل تهديداً حقيقياً ومباشراً على حياتهم؛ لكونها تحتوي على ربط كهربائي عشوائي ومكشوف يهدد بصعق هؤلاء الأبرياء في أي لحظة. إنه “قصف” صريح لسياسة المجلس الذي يقف متفرجاً على قنابل موقوتة في شوارع المدينة، عاجزاً عن توفير أبسط شروط السلامة والترفيه لساكنة عاصمة الأدارسة.

تحدي “العصبة”: هل تمتلك الإمكانيات اللوجستية لفتح المسابح دون تأخير؟

أمام هذا الوضع المأساوي، يطرح المتتبع للشأن المحلي تساؤلاً جوهرياً وتحليلياً: هل تمتلك العصبة الجهوية للسباحة الإمكانيات والآليات الكافية لتدبير هذه المسابح الستة وفتحها في وجه ساكنة فاس دون أي تأخير؟

رغم أن بلاغ العصبة (المشار إليه يحمل نوايا طيبة تهدف إلى “توسيع قاعدة الممارسة الرياضية وإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الساكنة للاستفادة، وبرمجة حصص لتعليم السباحة”، إلا أن المحك الحقيقي يبقى هو الميدان. فالتدبير التقني واللوجستي للمسابح (من صيانة، وتصفية مياه، وتأمين وحراسة، وإدارة الموارد البشرية والمالية) يتطلب إمكانيات مادية وتقنية ضخمة قد تفوق القدرة الذاتية لجمعية أو عصبة رياضية ما لم تتلقَ دعماً مالياً ولوجستياً مباشراً وقوياً من مصالح الولاية والشركاء.

الساكنة اليوم لا تنتظر بلاغات رنانة أو وعوداً على الورق، بل تطالب بفتح أبواب هذه المنشآت فوراً وبأسعار معقولة، لإنقاذ أطفالها من “نافورات الموت” ولفحات الحرارة المفرطة.

 المحاسبة أولاً.. والإنقاذ ثانياً

إن قرار سلطات ولاية فاس بمصادرة تدبير المسابح من المجلس الجماعي وتفويته للعصبة هو بمثابة “شهادة وفاة تدبيرية” لمنتخبي المدينة في هذا القطاع. لكن هذا الإنقاذ الاستعجالي يجب ألّا يمحو ما قبله؛ فالجرائم التدبيرية والاختلالات المالية التي شهدتها تذاكر ومداخيل السنة الماضية تقتضي تحريك آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح تحقيق رسمي يعيد الأموال المهدورة ويحاسب المتورطين. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، يبقى الرهان معلقاً على قدرة العصبة في كسب هذا التحدي الصعب، وإعادة الاعتبار للمسبح البلدي ومسابح الأحياء بفاس كحق مشروع للساكنة وليس كريع أو وسيلة للمتاجرة بآلام البسطاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى