كراسي فارغة في وجدة.. هل بدأ أخنوش يسمع صدى صناديق الاقتراع قبل أوانها؟

لم يكن لقاء حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة الشرق في وجدة مجرد محطة تنظيمية عادية في أجندة الحزب، بل تحول إلى مشهد سياسي محمل بالإشارات، بعدما أظهرت صور ومقاطع متداولة حضوراً جماهيرياً أقل من المتوقع داخل بعض فضاءات اللقاء، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً حول حقيقة التعبئة التنظيمية للحزب ومدى قدرته على الحفاظ على الزخم الذي رافقه منذ وصوله إلى قيادة الحكومة. وبينما حاولت قيادة الحزب تقديم اللقاء باعتباره مناسبة للتواصل مع المناضلين والمنتخبين واستعراض حصيلة الحكومة، بدت صورة القاعة في نظر خصوم الحزب ومراقبين للشأن السياسي أكثر بلاغة من كثير من الخطابات التي ألقيت فوق المنصة.
فالكراسي الفارغة، في السياسة، ليست مجرد مقاعد لم يشغلها أصحابها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلقاء يرأسه رئيس الحكومة ورئيس الحزب نفسه وفي جهة لها وزنها السياسي والانتخابي. إنها صورة قابلة للتأويل، وقد تتحول إلى مؤشر سياسي عندما تأتي في مرحلة تقترب فيها الانتخابات ويصبح الحضور الميداني وقدرة الأحزاب على تعبئة قواعدها جزءاً من اختبار قوتها الحقيقية. صحيح أن صورة قاعة أو لقاء واحد لا يمكن أن تكون وحدها حكماً على شعبية حزب أو اتجاهات الناخبين، لكن تجاهل دلالتها السياسية سيكون بدوره خطأ، لأن الانتخابات لا تُحسم فقط بالأرقام التي تعرضها القيادات، وإنما أيضاً بمدى استعداد القواعد للانخراط في الدفاع عن المشروع السياسي الذي تقدمه الأحزاب.
أخنوش بين حصيلة الحكومة وقلق الصورة
اختار عزيز أخنوش في وجدة أن يدافع عن حصيلة حكومته وأن يرفع منسوب الثقة في خطاب الحزب، مؤكداً أن الحكومة تتوفر على حصيلة يعتبرها قوية وغير مسبوقة، وداعياً قواعده إلى عدم الالتفات إلى ما يصفه بالتشويش، في محاولة واضحة لإعادة توجيه النقاش من الانتقادات المتصاعدة إلى ما تعتبره قيادة الحزب إنجازات تحققت خلال الولاية الحالية. غير أن المشكلة التي تواجه أخنوش اليوم لا تكمن فقط في خصومه السياسيين، وإنما في المسافة التي أصبحت تفصل بين لغة الأرقام التي تقدمها الحكومة وبين الصورة التي يختزنها المواطن عن وضعه الاجتماعي والاقتصادي.
فالحكومة تستطيع أن تقدم أرقاماً حول التشغيل والاستثمار والدعم الاجتماعي وتراجع التضخم، وأن تعرض مشاريع وبرامج باعتبارها دليلاً على نجاح تجربتها، لكن الناخب لا يعيش داخل الجداول الإحصائية. إنه يقيس الحصيلة من خلال ثمن المواد الأساسية، وفرص العمل المتاحة لأبنائه، وجودة الخدمات العمومية، وقدرته على مواجهة تكاليف الحياة، وما إذا كانت السياسات الحكومية قد انعكست فعلاً على حياته اليومية. وهنا تحديداً يصبح الدفاع السياسي عن الحصيلة أكثر صعوبة، لأن نجاح الحكومة في إقناع المؤسسات بالأرقام لا يعني بالضرورة نجاحها في إقناع الشارع بالتجربة.
حين تتحول الكراسي الفارغة إلى رسالة سياسية
المشهد الذي رافق لقاء وجدة أعطى خصوم الحزب مادة جاهزة للقول إن التعبئة التي تتحدث عنها قيادة “الأحرار” ليست بالضرورة بالصورة التي تريد تقديمها، خصوصاً أن الحزب يوجد اليوم أمام اختبار انتخابي حقيقي بعد سنوات من تحمل مسؤولية قيادة الحكومة. وإذا كانت صور القاعة لا تكفي لإصدار حكم نهائي على قوة الحزب، فإنها تكفي لطرح سؤال سياسي مشروع حول مستوى الحماس الذي تستطيع القيادة إنتاجه داخل قواعدها، وحول ما إذا كان خطاب القيادة لا يزال قادراً على تعبئة الفئات التي كانت تنظر إلى الحزب باعتباره عنواناً جديداً للتغيير السياسي.
وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها. فالحزب الذي يطالب قواعده بالثقة في حصيلة حكومته يحتاج قبل كل شيء إلى إقناع هذه القواعد نفسها بأن المرحلة المقبلة تستحق التعبئة، وأن ما تحقق خلال الولاية الحالية قادر على تحويل المسؤولية الحكومية إلى رصيد انتخابي. أما إذا تحولت اللقاءات التنظيمية إلى مناسبات تستعرض فيها القيادات الأرقام بينما تتراجع حرارة القاعة، فإن المشكلة تصبح أعمق من مجرد ضعف الحضور، لأنها ترتبط بقدرة الخطاب السياسي على تحويل الإنجاز الحكومي المعلن إلى حماس انتخابي فعلي.
أخنوش بدأ يشعر بثقل الطريق
ولعل أكثر ما يلفت في المشهد السياسي المحيط بأخنوش أن الرجل يبدو اليوم أمام مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي عاشها عند بداية الولاية الحكومية. ففي بدايات التجربة كان الخطاب يقوم على الثقة والطموح والوعود بإنجاز تحول اقتصادي واجتماعي كبير، أما اليوم فإن رئيس الحكومة يجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن الحصيلة في كل مناسبة، والرد على خصومه داخل الأغلبية، ومواجهة انتقادات المعارضة، وتفسير الملفات التي أصبحت عنواناً للجدل الشعبي، وفي مقدمتها القدرة الشرائية والأسعار والتشغيل والخدمات العمومية.
وفي السياسة، عندما يبدأ المسؤول في الشعور بالحاجة الدائمة إلى شرح قوته، فإن ذلك قد يكون مؤشراً على أن معركة الحفاظ عليها أصبحت أصعب من معركة بنائها. وهذا ما يجعل صورة وجدة ذات دلالة رمزية، ليس لأنها تثبت أن الحزب فقد شعبيته، فهذا استنتاج لا تسمح به صورة واحدة، وإنما لأنها تأتي في توقيت حساس بدأ فيه كل حزب بقياس المسافة التي تفصله عن صناديق الاقتراع.
«تلذذ الرأس».. عندما تقترب لحظة القطاف
وفي لغة السياسة، يمكن القول إن أخنوش بدأ يقترب من مرحلة “تلذذ رأسه”؛ ليس بمعنى الحسم المسبق في نتيجة الانتخابات، وإنما بمعنى أن سنوات المسؤولية الحكومية بدأت تضعه أمام لحظة لا يمكن تأجيلها: لحظة القطاف السياسي للحصيلة. فكل حكومة تصل في النهاية إلى هذه اللحظة، حيث يتحول ما كان إنجازاً في الخطاب الرسمي إلى رصيد انتخابي مطلوب إثباته أمام المواطنين.
لكن القطاف قد يكون مختلفاً عما تتوقعه القيادة. فالحصيلة الحكومية يمكن أن تكون بالنسبة إلى الحزب ثمرة سياسية جاهزة للحصاد، لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى حساب مفتوح إذا رأى الناخب أن ما تحقق لا يوازي ما كان ينتظره. وهنا لا يكفي أن يقول أخنوش إن الحكومة أنجزت الكثير، لأن الناخب هو الذي سيقرر في النهاية ما إذا كان هذا الكثير يستحق مكافأة انتخابية أم لا.
ولهذا فإن الحديث عن “قطاف الرأس” هنا ليس إعلاناً عن سقوط سياسي محتوم، ولا تنبؤاً بنتيجة انتخابية، وإنما توصيف للحظة التي بدأ فيها رئيس الحكومة يدخل منطقة الحساب. فالسياسي الذي يقود الحكومة لسنوات لا يستطيع في نهاية المطاف أن يطلب من الناخب أن يحاسبه فقط على ما يريد أن يتذكره، وإنما سيحاسبه أيضاً على ما يعتبره المواطن إخفاقاً أو تأخراً أو سوء تدبير.
صراع داخل الأغلبية.. والحكومة تدفع الثمن
ويزداد الوضع تعقيداً بسبب التوترات السياسية التي بدأت تظهر داخل مكونات الأغلبية نفسها، بعدما انتقلت الخلافات بين قيادات الأحزاب من الغرف المغلقة إلى المجال العمومي. فبدل أن يكون النقاش منصباً على حصيلة الحكومة وبرنامجها المستقبلي، أصبح جزء مهم من الخطاب السياسي يدور حول الترحال الحزبي والاستقطاب والمواقع الحكومية والصراع بين القيادات، وهو ما يمنح الانطباع بأن الاستحقاقات المقبلة بدأت تفرض نفسها على المشهد قبل انتهاء الولاية الحالية.
وهنا يجد أخنوش نفسه أمام مفارقة سياسية صعبة: فهو مطالب بالحفاظ على صورة حكومة متماسكة، وفي الوقت نفسه يقود حزباً يستعد لمنافسة انتخابية قد يكون أحد أطرافها الأساسيين شركاءه الحاليون في الحكومة. لذلك فإن كل مواجهة حزبية بين مكونات الأغلبية تتحول بطريقة أو بأخرى إلى سؤال حول قدرة رئيس الحكومة على إدارة التناقض بين التضامن الحكومي والمنافسة الانتخابية.
المشكلة ليست في الكراسي.. بل في الرسالة التي تحملها
قد تكون هناك تفسيرات تنظيمية للحضور المحدود في أي لقاء حزبي، وقد تكون للصور المتداولة ظروفها وسياقاتها، ولذلك سيكون من غير المهني تحويل مشهد واحد إلى استفتاء شعبي. لكن المهنية نفسها تقتضي عدم تجاهل الرسالة السياسية التي يمكن أن تحملها تلك الصور، خصوصاً عندما تأتي في لحظة بدأ فيها السباق الانتخابي فعلياً.
فإذا كان الحزب واثقاً من حصيلته ومن قدرته على تصدر الانتخابات، فإن عليه أن يحول هذه الثقة إلى تعبئة ميدانية واسعة، وأن يجعل لقاءاته مناسبات حقيقية للتواصل مع القواعد والمواطنين، لا مجرد منصات لعرض الأرقام والرد على الخصوم. فالانتخابات ليست مؤتمراً صحفياً، ولا تُربح بالتصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى تنظيم وقواعد مقتنعة ومرشحين قادرين على الإقناع وقيادة سياسية تستطيع ترجمة حصيلتها إلى أصوات.
وجدة قد تكون إنذاراً مبكراً
لهذا يمكن قراءة مشهد وجدة باعتباره إنذاراً مبكراً أكثر منه حكماً نهائياً. فالانتخابات لا تزال أمامها أسابيع، والحزب قادر على إعادة ترتيب أوراقه وتصحيح اختلالاته وتعبئة قواعده، لكن الوقت لم يعد يسمح بالركون إلى صورة القوة التي صنعتها انتخابات 2021. فكل انتخابات لها شروطها وموازينها، وما كان كافياً للفوز بالأمس قد لا يكون كافياً غداً.
وأخنوش، بحكم موقعه كرئيس للحكومة ورئيس سابق للحزب وقائد فعلي لمعركة “الأحرار” الانتخابية، سيكون أول من يخضع لهذا الاختبار. فكلما اقترب موعد الاقتراع، ستتراجع أهمية الخطاب السياسي الذي يصف الحكومة بالناجحة، وستزداد أهمية سؤال واحد: هل يرى المواطن نفسه فعلاً داخل هذه الحصيلة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الكراسي الفارغة في وجدة ستبقى مجرد صورة عابرة لا أكثر. أما إذا تحولت هذه الصورة إلى نمط يتكرر في لقاءات أخرى، فإنها ستصبح أكثر من مجرد مشهد تنظيمي؛ ستتحول إلى علامة سياسية على أن التعبئة الانتخابية لا تسير بالسرعة التي تريدها قيادة الحزب.
وفي النهاية، يبدو أن عزيز أخنوش دخل بالفعل مرحلة مختلفة من مساره السياسي: مرحلة الحساب، حيث تبدأ كل حكومة في مواجهة حصاد سنواتها، وحيث يتحول كل وعد إلى سؤال، وكل رقم إلى اختبار، وكل خطاب إلى مواجهة مع تجربة المواطن اليومية. لقد بدأ موسم القطاف، لكن لا أحد يستطيع أن يعرف مسبقاً إن كان ما سيحصد أخنوش هو ثمار الحصيلة التي يتحدث عنها، أم فاتورة السنوات التي حمل فيها مسؤولية القرار الحكومي.
وهنا تحديداً تكمن قسوة الديمقراطية: القيادة تستطيع أن تختار رواية حصيلتها، لكن الناخب وحده يملك حق تحديد ثمنها.






