سياسة

عين على الأحزاب السياسية بفاس | التزكيات تُغلق أبوابها والملفات تفتح معركة جديدة.. فاس تدخل أسبوع الحسم الانتخابي

تدخل الساحة السياسية بمدينة فاس، ابتداءً من هذا الأسبوع، واحدة من أكثر مراحل الاستحقاق التشريعي حساسية، بعدما انتقلت الأحزاب من مرحلة انتظار التزكيات وصراع الأسماء إلى مرحلة الإعداد الفعلي لإيداع الترشيحات، في وقت بدأت فيه الماكينات الانتخابية المحلية تتحرك بسرعة، وشرعت عدد من الوجوه التي حسمت تزكيتها في ترتيب أوراقها استعداداً لخوض المعركة الانتخابية المقررة يوم 23 شتنبر 2026.

المشهد الفاسي، وفق ما تكشفه المعطيات المتداولة خلال الساعات الأخيرة، لم يعد يحتمل كثيراً من الانتظار. فمعظم المرشحين الذين توصلوا بالتزكيات النهائية من أحزابهم دخلوا في حالة استنفار قصوى، وشرعوا في جمع الوثائق الإدارية والقانونية المطلوبة، ومراجعة المعطيات الشخصية والانتخابية، والتنسيق مع الفرق التي ستواكبهم في عملية الإيداع، بعدما أصبحت المسافة الفاصلة عن الاستحقاق قصيرة جداً.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة، لأن المسطرة الانتخابية تدخل رسمياً ابتداءً من 31 غشت مرحلة إيداع الترشيحات عبر المنصة الإلكترونية، فيما تستمر العملية إلى غاية 8 شتنبر إلكترونياً، ضمن الجدول الرسمي للانتخابات التشريعية. وبعد ذلك تبدأ مرحلة الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر، قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.

من «الحصول على التزكية» إلى «سلامة الملف»

إذا كانت التزكية الحزبية تمثل بالنسبة إلى المرشح لحظة الانتصار داخل حزبه، فإنها في المرحلة الحالية تتحول إلى بداية اختبار آخر أكثر دقة، عنوانه سلامة الملف واحترام الآجال واستكمال الوثائق.

ولهذا، تعيش عدد من التنظيمات الحزبية بفاس منذ أمس حالة تعبئة غير مسبوقة، بعدما أصبح المرشحون مطالبين ليس فقط بإثبات حضورهم السياسي، وإنما أيضاً بالتعامل مع ملف الترشيح باعتباره مسطرة قانونية دقيقة لا تحتمل الأخطاء.

وبحسب المعطيات التي يتم تداولها في الأوساط السياسية المحلية، فإن عدداً من المرشحين شرعوا فعلياً في استكمال الوثائق المطلوبة، فيما يجري التنسيق للحصول على المواعيد الخاصة بإيداع الملفات لدى المصالح المختصة بالعمالات والولاية، بعد المرور من مرحلة الإيداع الإلكتروني.

وهنا تظهر أهمية عامل الوقت؛ فالمرشح الذي ظل إلى آخر لحظة ينتظر حسم التزكية يجد نفسه الآن أمام سباق إداري حقيقي، لأن أي نقص في وثيقة أو عدم تطابق في معلومة يمكن أن يفرض عليه العودة إلى نقطة البداية واستكمال الملف قبل انتهاء الآجال.

اللوائح الانتخابية.. صداع آخر للمرشحين

ولا تبدو كل الأمور سهلة بالنسبة إلى المرشحين. فقد كشفت هذه المرحلة عن عدد من الإشكالات المرتبطة بتدقيق الوضعيات الانتخابية لبعض الأسماء، خصوصاً مع اقتراب موعد الإيداع.

ويحاول مرشحون التأكد من سلامة بياناتهم ومطابقتها للمعطيات الرسمية، فيما يعمل آخرون على معالجة ما يعتبرونه أخطاء أو وضعيات تحتاج إلى التحقق والتصحيح قبل الدخول في المسطرة النهائية.

غير أن هذا الملف يجب التعامل معه بحذر، لأن نشر اللوائح الانتخابية النهائية كان قد تم في 10 يوليوز 2026، بعد انتهاء مرحلة مراجعتها وتحيينها، وبالتالي فإن ما يجري حالياً يتعلق أساساً بالتأكد من الوضعيات والمعطيات الانتخابية للمرشحين، وليس بفتح مراجعة عامة جديدة للوائح.

وتوفر البوابة الرسمية للوائح الانتخابية خدمة التحقق من التسجيل والاستفادة من الخدمات المرتبطة باللوائح، وهو ما يجعل عملية التدقيق جزءاً أساسياً من الاستعداد للترشيح.

اللوائح الجهوية للنساء.. الحرب التي لم تنتهِ بعد

لكن المعركة الأكثر سخونة داخل الأحزاب لا توجد كلها أمام مكاتب السلطات، وإنما تدور في الكواليس الحزبية، وبالخصوص حول اللوائح الجهوية للنساء.

فهذا الملف تحول خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أعقد ساحات التنافس الداخلي، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط باختيار اسم نسائي لتمثيل الحزب، بل أصبح مرتبطاً بحسابات انتخابية وتنظيمية دقيقة، وبموازين القوى داخل كل حزب، وبقدرة المرشحة على خوض معركة جهوية تتجاوز حدود المدينة أو الإقليم.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن هذا الصراع بلغ مرحلة الحسم في عدد من الأحزاب، لكنه لم يختف من المشهد السياسي. ففي جهة فاس-مكناس، أعلن حزب الأصالة والمعاصرة اعتماد خديجة حجوبي وكيلة للائحته الجهوية للنساء، ضمن عملية قال الحزب إنها اعتمدت معايير مرتبطة بالكفاءة والتجربة السياسية والتنظيمية والحضور الميداني والقدرة على التواصل والترافع.

وفي المقابل، حسم حزب الاستقلال، وفق معطيات منشورة أمس، اختيار حليمة الزومي لقيادة لائحته الجهوية للنساء بجهة فاس-مكناس، بعد منافسة داخلية مع أسماء أخرى، وهو ما يعكس حجم الرهان الذي أصبحت تمثله هذه اللوائح داخل الأحزاب.

واللافت أن المعركة لم تكن وليدة الأيام الأخيرة، فقد دخلت اللوائح الجهوية للنساء منذ أسابيع مرحلة من التجاذبات الداخلية، مع حديث عن إعادة فتح بعض الملفات التي كان يعتقد أنها حُسمت، بسبب تغير التحالفات الداخلية وانتقال بعض الوجوه بين الأحزاب.

فاس الشمالية.. دائرة تستقطب الأنظار

أما على مستوى الدوائر المحلية، فتتجه الأنظار بقوة إلى فاس الشمالية، التي بدأت ملامح منافسة سياسية قوية تظهر فيها قبل انطلاق الحملة الرسمية.

وتفيد التطورات الأخيرة بأن دائرة فاس الشمالية تشهد تعدد الأسماء والرهانات، مع محاولة الأحزاب الدفع بوجوه قادرة على استقطاب الناخبين وتحريك القواعد التنظيمية. كما حسم الاتحاد الدستوري بدوره الجدل الذي رافق تزكيته في الدائرة، بعدما تم التأكيد على اختيار إدريس أبلهاض لقيادة اللائحة.

وهذا التطور يؤكد أن بعض الأحزاب لم تنتهِ من صراعاتها الداخلية إلا في الأيام الأخيرة، وهو ما يفسر حالة الاستنفار الحالية، إذ انتقل المرشحون مباشرة من صراع التزكية إلى التحضير للملفات ثم إلى بناء الحملات الانتخابية.

فاس الجنوبية ليست خارج الحسابات

ولا تبدو فاس الجنوبية أقل سخونة من الشمالية، إذ بدأت بدورها تستقطب اهتماماً متزايداً مع تعدد الأسماء والرهانات الانتخابية.

المعركة في هذه الدائرة لن تكون مجرد مواجهة بين الأحزاب، بل ستتداخل فيها عوامل الحضور الشخصي للمرشح، وقوة التنظيم المحلي، وشبكات المنتخبين، والقدرة على التواصل مع الأحياء والساكنة، فضلاً عن مدى قدرة كل حزب على تحويل التزكية المركزية إلى تعبئة فعلية على الأرض. وقد بدأت بالفعل قراءات سياسية وإعلامية محلية ترصد ارتفاع حدة المنافسة في الدائرة.

«ميركاتو» سياسي لم يغلق أبوابه

وفي الخلفية، لا تزال ظاهرة انتقال بعض الوجوه والأعيان بين الأحزاب حاضرة في المشهد الوطني والمحلي، وهو ما يزيد من تعقيد الحسابات.

فالمعطيات المنشورة خلال الأيام الأخيرة تتحدث عن ارتفاع وتيرة ما يوصف بـ«ميركاتو الأحزاب»، مع انتقال بروفايلات سياسية وأعيان بين تنظيمات مختلفة بحثاً عن موقع انتخابي أفضل، وهي ظاهرة تفرض على القيادات الحزبية إعادة تقييم عدد من الحسابات قبل الإغلاق النهائي للملفات.

وبالنسبة إلى فاس، فإن هذه الدينامية تطرح سؤالاً أكبر: هل تستطيع الأحزاب تحويل الأسماء التي اختارتها إلى قوة انتخابية حقيقية، أم أن بعض التزكيات ستظل مجرد انتصارات داخلية لا تجد طريقها بالضرورة إلى صناديق الاقتراع؟

العد التنازلي بدأ فعلياً

الواقع أن فاس تدخل الآن مرحلة مختلفة تماماً. فالصراع لم يعد حول من سيحصل على التزكية فقط، وإنما حول من يستطيع تحويل التزكية إلى مقعد برلماني.

وابتداءً من يوم الاثنين، ستبدأ رسمياً مرحلة إيداع الترشيحات، فيما ستتجه أعين المرشحين إلى المنصة الإلكترونية والمصالح الإدارية المختصة، بالتوازي مع استمرار الأحزاب في ترتيب ما تبقى من تفاصيل لوائحها وفرقها الانتخابية.

وبعد إغلاق باب الترشيحات، ستنتقل المعركة بسرعة إلى مرحلة أخرى: الحملة، التعبئة، استقطاب الناخبين، وقياس قوة كل مرشح على الأرض.

وهنا تحديداً ستظهر الفوارق بين مرشح حصل على تزكية حزبه ومرشح يمتلك بالفعل قاعدة انتخابية، وبين حزب يملك اسماً قوياً وحزب يمتلك تنظيماً قادراً على التحرك في مختلف أحياء المدينة.

فاس، إذن، لم تعد في مرحلة ما قبل الانتخابات. المدينة دخلت فعلياً مرحلة العد التنازلي الحاسم؛ التزكيات توزعت، الملفات تُجمع، المواعيد تُرتب، اللوائح الجهوية تحسم واحدة تلو الأخرى، والمرشحون يتهيؤون للنزول إلى الميدان.

ومن الآن إلى 23 شتنبر، لن يكون السؤال الحقيقي هو: من حصل على التزكية؟ وإنما سيكون السؤال الأصعب: من يملك القدرة على الفوز؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى