سياسة

تقرير صحفي : من وجدة بدأت الحرب الحقيقية.. الأحرار يفتحون النار على الحلفاء ويحولون لقاء الشرق إلى منصة للدفاع والهجوم

لم يكن لقاء حزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة وجدة، مساء الجمعة 28 غشت، مجرد محطة تنظيمية عابرة في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، كما قد يوحي عنوانه الحزبي، بل تحول عملياً إلى واحدة من أكثر المحطات السياسية دلالة منذ بداية العد العكسي للاستحقاق الانتخابي. فبحضور رئيس الحكومة وعضو المكتب السياسي للحزب عزيز أخنوش، ورئيس الحزب محمد شوكي، والقيادي والمنسق الجهوي بجهة الشرق محمد أوجار، إلى جانب عدد من الوزراء والمنتخبين والقيادات، خرجت قيادة “الأحرار” من وجدة بخطاب دفاعي وهجومي في آن واحد، دافعت فيه عن حصيلة الحكومة، وهاجمت ظاهرة الترحال السياسي، وردت على خطاب حلفائها السابقين في الأغلبية، وخصوصاً فوزي لقجع، بينما حاول أخنوش احتواء تداعيات التسريب الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي عبر التأكيد على حرية النقاش داخل المؤسسات الحزبية واحترام القرار الجماعي.

اللافت في هذا اللقاء أن الخطاب لم يعد خطاب حزب حكومي يتحدث فقط عن حصيلته وبرنامجه المقبل، وإنما أصبح خطاب حزب يشعر بأنه يخوض معركة على جبهتين في الوقت نفسه: جبهة مع الخصوم التقليديين، وجبهة أخرى مع شركاء الأمس داخل الأغلبية الحكومية. وهذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، لأن حزب التجمع الوطني للأحرار وجد نفسه في الأسابيع الأخيرة أمام موجة من الانتقالات الحزبية التي مست عدداً من المنتخبين والفاعلين السياسيين، وفي الوقت نفسه أمام سجالات سياسية متصاعدة مع حزب الأصالة والمعاصرة، خصوصاً بعد التحاق فوزي لقجع به، وبعد التصريحات المتبادلة حول القدرة الشرائية وملف استيراد الأغنام، ثم التسريب الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي وما خلفه من نقاش حول الاستقطاب والمناصب داخل الحكومة. لذلك بدا لقاء وجدة وكأنه محاولة لإعادة ترتيب الصفوف داخلياً، وتثبيت الرسالة السياسية الموجهة إلى الخارج في الوقت نفسه.

شوكي يرفع سقف المواجهة: لسنا في سوق انتخابية

محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، اختار أن يوجه رسالته الأساسية إلى الناخبين وإلى المنافسين معاً، مؤكداً أن الحزب يدخل الانتخابات المقبلة بثقة في قدرته على تصدر النتائج، مستنداً، بحسب خطابه، إلى الحصيلة الحكومية والحضور الميداني. لكنه لم يكتف بالدفاع عن الحزب، بل دخل مباشرة في ملف الاستقطاب السياسي الذي أصبح أحد أبرز عناوين المرحلة، مؤكداً أن المرشحين بالنسبة إلى الحزب ليسوا مجرد أرقام يمكن تغييرها في اللحظات الأخيرة، وإنما شركاء ومناضلون، في رسالة واضحة إلى المنتخبين الذين غادروا الحزب أو يلوحون بالانتقال إلى أحزاب أخرى قبيل الاستحقاقات.

وكان أكثر ما أثار الانتباه في خطاب شوكي استعماله عبارات قاسية في وصف من يعتبرهم الحزب وافدين ظرفيين أو مستقطبين في “الدقيقة 90″، حين أكد أن التجمع الوطني للأحرار حزب جاذب للأوفياء والمخلصين ولا يستقطب “الفاشلين أو المتربصين أو المنافقين”، وهي عبارة لا يمكن فصلها عن المعركة الجارية حول انتقال عدد من الأسماء من “الأحرار” إلى “البام”. فالمعنى السياسي للخطاب يتجاوز مجرد الدفاع عن التنظيم، لأنه يريد أن يقول إن خسارة بعض الوجوه لا تعني خسارة الحزب، وإن ما يحدث في نظر القيادة ليس نزيفاً تنظيمياً وإنما اختبار للوفاء والانتماء.

غير أن هذه الرسالة تحمل في المقابل مفارقة سياسية واضحة. فالحزب الذي يقول إنه لا يخشى مغادرة بعض الوجوه يجد نفسه مضطراً إلى تخصيص جزء مهم من خطابه للحديث عن المغادرين والمنتقلين، ما يعني أن ظاهرة الترحال أصبحت بالفعل جزءاً من المعركة الانتخابية وليست مجرد هامش تنظيمي. ولذلك فإن محاولة تحويلها إلى اختبار أخلاقي بين “الأوفياء” و”المنافقين” قد تكون مفيدة في تعبئة القواعد الحزبية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: لماذا اختار بعض المنتخبين تغيير مواقعهم في هذه اللحظة بالذات، وما الذي جعل أحزاباً منافسة قادرة على استقطابهم؟

الأضاحي.. الملف الذي رفض الأحرار أن يتحول إلى سلاح انتخابي

وفي ملف الأضاحي واستيراد الأغنام، بدا شوكي أكثر حذراً، لكنه لم يتردد في الرد على فوزي لقجع بشكل غير مباشر. فقد انتقد تحويل عيد الأضحى إلى “هاجس انتخابي”، مؤكداً أن الحزب سبق له أن تحدث عن الملف في الوقت الذي كان ينبغي فيه تقديم التوضيحات، ودافع عن عمل وزارة الفلاحة وعن الدعم المباشر المقدم للكسابة وعن تدخلات الحكومة في هذا المجال.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات لقاء وجدة، لأن قضية الأغنام لم تعد مجرد ملف اقتصادي أو فلاحي، وإنما تحولت إلى مادة سياسية شديدة الحساسية. فلقجع كان قد تحدث في لقاء حزبي سابق عن الذين أفسدوا فرحة عيد الأضحى للأسر المغربية، في سياق حديثه عن “الفراقشية”، وهو التعبير الذي اعتبرته قيادة “الأحرار” موجهاً إليها أو إلى بعض مكوناتها، فجاء الرد من وجدة عبر أكثر من مستوى، من شوكي الذي رفض توظيف الملف انتخابياً، إلى أوجار الذي اختار الرد الأكثر مباشرة وحدة.

واللافت أن شوكي لم يدخل في سجال تفصيلي حول المسؤوليات والأرقام، بل اختار الدفاع عن الحصيلة العامة للحكومة وعن وزارة الفلاحة، وهو أمر مفهوم سياسياً، لأن الدخول في تفاصيل هذا الملف في بداية الحملة الانتخابية قد يعيد فتح نقاش شعبي حول الأسعار واستيراد الأغنام والجهات المستفيدة من العملية، وهي أسئلة يمكن أن تكون مكلفة انتخابياً. ولذلك كان الخيار هو نقل النقاش من “من المسؤول؟” إلى “من يحاول استغلال الملف انتخابياً؟”.

أوجار.. حين تحولت وجدة إلى منصة للرد على لقجع

لكن إذا كان شوكي قد حافظ نسبياً على خطاب سياسي منضبط، فإن محمد أوجار رفع مستوى المواجهة إلى درجة أخرى. القيادي التجمعي والمنسق الجهوي للحزب بجهة الشرق لم يكتف بالدفاع عن الحكومة أو انتقاد الترحال السياسي، بل وجه رداً مباشراً إلى فوزي لقجع، قائلاً إن من يتحدثون عن “الفراقشية” عليهم أن ينظروا إلى الأشخاص المحيطين بهم لمعرفة أين يوجد هؤلاء. كما ربط أوجار بين هذا السجال وبين الانتقالات السياسية الأخيرة، في إشارة واضحة إلى الوجوه التي انتقلت من “الأحرار” إلى “البام”.

الأهم من العبارة نفسها هو السياق الذي جاءت فيه. فأوجار لم يتحدث عن لقجع باعتباره خصماً من خارج المشهد الحكومي، وإنما باعتباره وافداً حديثاً على حزب يوجد معه “الأحرار” في الأغلبية الحكومية. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الأغلبية التي يفترض أن تجمعها مسؤولية مشتركة عن حصيلة الحكومة أصبحت قياداتها تتبادل الاتهامات والتلميحات قبل أسابيع قليلة من الانتخابات.

أوجار حاول تجاوز هذه المفارقة بالقول إن الحكومة تواصل عملها في إطار ائتلاف يضم أحزاباً صديقة، وإن عزيز أخنوش جعل منذ البداية الحفاظ على الانسجام والتماسك بين مكونات الحكومة أولوية. لكنه في الوقت نفسه انتقد ما اعتبره تنصلاً من المسؤولية وتبنياً لخطاب المعارضة من طرف بعض شركاء الأغلبية. وبهذا المعنى، فإن رسالة أوجار كانت مزدوجة: “الأحرار” يريد الحفاظ على صورة الحكومة المتماسكة، لكنه في الوقت نفسه يريد تحميل شركائه مسؤولية الملفات التي يواجه حولها المواطنون أسئلة صعبة.

“الفراقشية” من سوق الأغنام إلى سوق السياسة

ربما كان أكثر ما كشفه لقاء وجدة هو أن مصطلح “الفراقشية” خرج من سياقه الاقتصادي وأصبح عنواناً لصراع سياسي أوسع. فلقجع تحدث عن المتسببين في إفساد فرحة الأسر المغربية، بينما رد أوجار بأن على لقجع النظر إلى من يحيطون به. وبين العبارتين توجد معركة سياسية كاملة حول من يتحمل مسؤولية ما وقع في ملف الأغنام، ومن يملك الحق في الحديث باسم القدرة الشرائية، ومن يستطيع أن يقدم نفسه أمام الناخب باعتباره الطرف الذي يدافع عن المواطن ضد “المضاربين”.

لكن هذا السجال يحمل خطراً على جميع أطراف الأغلبية، لأنه يعيد الملف إلى نقطة أكثر حساسية: المواطن لا يهتم كثيراً بمن يملك الخطاب الأقوى، وإنما يريد معرفة من اتخذ القرار، ومن استفاد، وكيف تم تدبير العملية، ولماذا وصلت الأسعار إلى مستويات أثارت غضب الأسر. فإذا تحول الملف إلى مجرد تراشق بين الأحزاب، فإن ذلك قد يعطي الانطباع بأن السياسيين يتنافسون على امتلاك رواية الأزمة أكثر مما يتنافسون على تقديم تفسير ومحاسبة وحلول.

وهنا تحديداً يصبح خطاب “الأحرار” أمام اختبار حقيقي. فالدفاع عن الحكومة مشروع سياسياً، لكن الدفاع الأكثر إقناعاً لا يكون فقط بتوجيه الاتهام إلى الخصم، وإنما بتقديم أرقام دقيقة وشرح مفصل لما حدث وتحمل المسؤولية عن القرارات التي اتخذتها الحكومة. أما تحويل النقاش إلى سؤال “من هم الفراقشية؟” فقد يجعل الملف أكثر إثارة سياسياً، لكنه لا يجيب بالضرورة عن الأسئلة التي تهم المواطن.

أخنوش يدخل على خط الأزمة.. ولكن من بوابة المؤسسات الحزبية

أما عزيز أخنوش، فقد اختار مقاربة مختلفة. فرئيس الحكومة، الذي كان في السابق رئيساً لحزب التجمع الوطني للأحرار، لم يذهب إلى الرد المباشر على لقجع، وإنما تدخل في القضية التي أثارها التسريب الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، واختار الدفاع عن حرية النقاش داخل المكاتب السياسية للأحزاب، مع التشديد على أن القرار الذي يتم التوافق عليه جماعياً يصبح ملزماً للجميع.

وقال أخنوش إن ما ورد في التسريب “وضح لنا صورة يعيشها ويراها جميع المغاربة”، وهي عبارة ذات دلالة سياسية قوية، لأنها تعني أن النقاش حول المناصب والطموحات داخل الأحزاب ليس أمراً غريباً أو سرياً، بل جزء من الحياة السياسية. كما اعتبر أن النقاش حول المناصب الحكومية ديمقراطي، وأن من الطبيعي أن يعبر السياسيون عن رغبتهم في تحمل مسؤوليات معينة أو انتقاد طريقة تدبير قطاع ما، ما دام القرار النهائي يصدر بشكل جماعي ويتم احترامه.

لكن أخنوش وضع في الوقت نفسه حداً واضحاً لهذا النقاش عندما شرح المسار الدستوري لتشكيل الحكومة المقبلة، مؤكداً أن الأمر يبدأ بالانتخابات ونتائجها، ثم التحالفات، ثم تعيين رئيس الحكومة، وبعد ذلك تقترح الأحزاب الحقائب والأسماء، بينما يظل القرار النهائي في التعيين من اختصاص الملك. وهذا الجزء من خطابه كان مهماً لأنه حاول سحب النقاش من مستوى الصراع الشخصي على المناصب إلى مستوى المؤسسات والمساطر الدستورية.

وبذلك يمكن قراءة تدخل أخنوش باعتباره محاولة لامتصاص أزمة داخلية أكثر من كونه إعلاناً لحرب جديدة. فهو لم يهاجم الطالبي العلمي، بل أشاد به باعتباره شخصية سياسية راكمت تجربة مهمة داخل البرلمان والأغلبية، ولم يهاجم لقجع بالاسم، وإنما وضع النقاش كله داخل إطار حرية التعبير داخل المؤسسات الحزبية.

لكن لماذا جاء هذا الخطاب الآن؟

هنا تبدأ القراءة السياسية الأعمق. فاللقاء لم ينعقد في ظروف عادية، وإنما قبل أقل من شهر من الانتخابات التشريعية، وبعد أسابيع من انتقال عدد من الأسماء بين الأحزاب، وبعد التحاق لقجع بـ”البام”، وبعد التسريب المنسوب للطالبي العلمي، وبعد التصريحات المتبادلة حول القدرة الشرائية والأضاحي. لذلك يصعب النظر إلى ما قيل في وجدة باعتباره مجرد مصادفة في توقيت سياسي.

الحزب يريد أن يدخل الانتخابات بصورة مزدوجة: صورة الحزب الذي يقود الحكومة ويملك حصيلة يدافع عنها، وصورة الحزب الذي تعرض لما يعتبره استقطاباً وترحالاً سياسياً من طرف منافسين. وهذه الازدواجية تظهر بوضوح في خطابات شوكي وأوجار وأخنوش. شوكي يقول إن الحزب لا يعتمد على “استمالة المرشحين”، وأوجار يهاجم الانتقالات في “الدقيقة 90″، وأخنوش يؤكد أن النقاش السياسي داخل المؤسسات مشروع وديمقراطي، فيما يقدم الثلاثة في الوقت نفسه حصيلة الحكومة باعتبارها أساس طلب الولاية الجديدة.

إنها، في جوهرها، استراتيجية انتخابية تقوم على نقل المعركة من سؤال “ماذا فعلت الحكومة؟” إلى سؤال “من يريد إسقاط الحزب أو إضعافه؟”. وهذه النقلة مفهومة سياسياً، لأنها تمنح الحزب خصماً واضحاً وتساعد على تعبئة القواعد، لكنها لا تلغي أن الناخب سيعود في النهاية إلى السؤال الأصعب: ماذا تغير في حياته خلال خمس سنوات؟

حصيلة أخنوش.. أرقام كثيرة وسؤال واحد صعب

أخنوش استغل لقاء وجدة كذلك للدفاع عن حصيلة حكومته، مقدماً أرقاماً مرتبطة بالتشغيل والتضخم والتعليم والصحة والدعم الاجتماعي. وقال إن الحكومة تجاوزت مليون منصب شغل، بعدما تحدث عن نحو 750 ألف منصب إلى حدود 2025، وإضافة نحو 270 ألفاً خلال 2026، كما أشار إلى تراجع التضخم من مستويات مرتفعة إلى حدود 0.3 في المائة خلال السنة الجارية. كما استعرض تقدم مشروع “مدارس الريادة”، وبرامج تكوين الأطباء، وتطور الدعم المرتبط بالدولة الاجتماعية.

هذه الأرقام تشكل العمود الفقري للرسالة الانتخابية التي يريد “الأحرار” بناءها: حكومة جاءت إلى السلطة بوعد الإصلاح، واجهت الجفاف والأزمات الاقتصادية، ثم حققت، بحسب روايتها، مجموعة من النتائج التي تؤهلها لمواصلة المسار. لكن المشكلة السياسية في هذه الرواية هي أن الأرقام الرسمية أو الحكومية لا تتحول تلقائياً إلى قناعة انتخابية، لأن المواطن يقيس الحصيلة أيضاً من خلال تجربته اليومية.

فالناخب قد يسمع أن البطالة تراجعت أو أن مليون منصب شغل تم إحداثه، لكنه في الوقت نفسه ينظر إلى سوق العمل وإلى أسرته وأبناء مدينته. وقد يسمع أن التضخم تراجع، لكنه لا يقيس التضخم فقط في المؤشرات الاقتصادية، وإنما في ثمن ما يشتريه يومياً. وقد يسمع عن توسع الدعم الاجتماعي، لكنه يريد أن يعرف ما إذا كان ذلك قد انعكس فعلاً على جودة الخدمات ومستوى معيشته.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر “الأحرار” في الانتخابات: ليس إقناع المواطنين بأن لديهم أرقاماً، وإنما إقناعهم بأن هذه الأرقام غيرت واقعهم.

الردود خارج الأحرار.. من الدفاع عن المواطن إلى مهاجمة الحزب

المثير أن ردود الفعل التي أعقبت لقاء وجدة لم تنحصر في مواقف قيادات “الأحرار”. فبعض المنابر قرأت تصريحات أوجار باعتبارها تصعيداً مباشراً ضد لقجع، واعتبرت أن المعركة داخل الأغلبية أصبحت مفتوحة. كما ظهرت قراءات نقدية رأت في استعمال “الفراقشية” محاولة لقلب الاتهام، فيما ركزت ردود أخرى على أن ملفات الغلاء والتشغيل والأسعار لا يمكن أن تتحول إلى مجرد مادة للسجال الحزبي.

وهذه الردود تكشف أن المعركة تجاوزت حدود الحزبين. فجزء من النقاش العمومي بدأ يتساءل عن جدوى هذا النوع من التراشق، وعن سبب عدم تقديم الأحزاب برامج وأرقاماً وحلولاً بدل تبادل الاتهامات. وفي المقابل، هناك من يرى أن هذه المواجهة طبيعية في مرحلة انتخابية وأنها تعكس انتقال الأحزاب من منطق التحالف الحكومي إلى منطق المنافسة الانتخابية.

لكن المفارقة الكبرى تبقى قائمة: الأحزاب الثلاثة التي تشكل الأغلبية الحكومية مطالبة حتى آخر يوم من الولاية بتحمل المسؤولية المشتركة عن حصيلة الحكومة، لكنها بدأت في الوقت نفسه تستعد لتقديم نفسها للناخبين كبدائل متنافسة، بل وأحياناً كخصوم لبعضها البعض. وهنا تصبح مسألة التضامن الحكومي أمام امتحان سياسي حقيقي.

من وجدة إلى 23 شتنبر.. انتهى زمن المجاملات

إذا كان هناك استنتاج أساسي يمكن الخروج به من لقاء وجدة، فهو أن مرحلة المجاملات داخل الأغلبية يبدو أنها وصلت إلى نهايتها. لقد دخلت الأحزاب فعلياً في الحملة الانتخابية، حتى وإن كانت المواعيد القانونية للحملة وشروطها تخضع لقواعد محددة. اللغة تغيرت، والخصوم داخل البيت الحكومي أصبحوا واضحين، والانتقالات الحزبية أصبحت سلاحاً، وملف الأضاحي تحول إلى ورقة سياسية، والتسريب الصوتي للطالبي العلمي كشف عن توتر حول المواقع والطموحات، فيما خرج أخنوش بنفسه لشرح قواعد اللعبة.

وجدة، بهذا المعنى، لم تكن مجرد لقاء حزبي. كانت إعلاناً مبكراً عن طبيعة المعركة القادمة.

“الأحرار” يريد أن يقول إنه لن يسمح بأن تتحول الخلافات الداخلية أو الانتقالات الحزبية إلى صورة عن ضعف الحزب. شوكي يريد تثبيت صورة الحزب المنظم الذي لا يحتاج إلى استيراد المرشحين. أوجار يريد الرد على خصوم الحزب داخل الأغلبية وخارجها بلغة أكثر صرامة. وأخنوش يريد الدفاع عن الحصيلة وتهدئة النقاش حول المؤسسات الحزبية والمناصب، مع إعادة التذكير بأن نتائج الانتخابات هي التي ستحدد موازين القوة المقبلة.

لكن في المقابل، فإن تصعيد الخطاب بين مكونات الأغلبية قد ينقلب على الجميع إذا تحولت الانتخابات إلى محاكمة متبادلة بدلاً من أن تكون منافسة على البرامج. فالمواطن الذي يسمع قيادات الأغلبية تتحدث عن الأخلاق والوفاء والرحيل والاستقطاب والفراقشية، سيعود عاجلاً أم آجلاً إلى السؤال الذي لا يمكن لأي خطاب سياسي الهروب منه: من يتحمل مسؤولية الحصيلة؟

المعركة الحقيقية ليست بين شوكي ولقجع

المعركة التي بدأت ملامحها في وجدة ليست، في جوهرها، معركة بين محمد شوكي وفوزي لقجع، ولا بين محمد أوجار وهذا القيادي أو ذاك. إنها معركة أكبر حول من يملك رواية السنوات الخمس الماضية، ومن يستطيع أن يقنع الناخب بأن أخطاء المرحلة كانت استثناءات، وأن النتائج الإيجابية هي القاعدة، ومن سيحاول في المقابل تحميل شركائه مسؤولية الملفات التي أصبحت مكلفة شعبياً.

وهنا ستكون الأشهر المقبلة حاسمة بالنسبة إلى “الأحرار”. فالحزب يدخل الانتخابات وهو يحمل مسؤولية قيادة الحكومة، وهذه المسؤولية تمنحه قوة الدولة والحصيلة والموقع، لكنها في الوقت نفسه تجعله الطرف الأول الذي سيُسأل عن الأسعار والتشغيل والخدمات العمومية والقدرة الشرائية والنتائج الاجتماعية.

لذلك فإن أقوى رد على لقجع أو غيره لن يكون في استعمال تعبير أقسى من “الفراقشية”، ولن يكون في وصف خصم بأنه مستقطب أو مترحل، وإنما سيكون في القدرة على تقديم حصيلة مقنعة بالأرقام، وشرح الإخفاقات قبل النجاحات، وتقديم برنامج يجيب عن الأسئلة التي يعيشها المواطن فعلياً.

ومن هنا يمكن القول إن لقاء وجدة كشف شيئاً مهماً: حزب التجمع الوطني للأحرار لم يعد يتعامل مع المرحلة باعتبارها مجرد دفاع عن حصيلة حكومية، وإنما باعتبارها معركة بقاء في صدارة المشهد السياسي. ولذلك اختار أن يرص صفوفه، وأن يواجه انتقالات بعض المنتخبين، وأن يرد على خطاب حلفائه السابقين، وأن يقدم نفسه باعتباره الحزب الأكثر جاهزية للاستحقاق المقبل.

لكن الانتخابات لن تُحسم في قاعات الاجتماعات الحزبية ولا في شدة التصريحات، وإنما في صناديق الاقتراع. وهناك، لن يكون السؤال عن من انتقل إلى أي حزب، ولا عن من قال “الفراقشية” ومن رد عليه، ولا عن من كان أقوى في الخطاب. السؤال سيكون أبسط وأكثر قسوة: هل اقتنع المواطن بأن الحكومة التي قادها الأحرار تستحق ولاية جديدة؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي الذي بدأ، عملياً، من وجدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى