قضايا

«فوريان» داخل محطة فاس الطرقية.. حين تتحول المرافق العمومية إلى عنوان لأزمة التدبير الجماعي

لم تعد صورة فاس التي تظهر من خلال بعض الأخبار والتقارير اليومية مجرد تفاصيل متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها حوادث عابرة، بل بدأت ترسم، في مجموعها، ملامح سؤال أكبر يتعلق بطريقة تدبير مدينة بحجم العاصمة العلمية للمملكة، وبمدى قدرة المجلس الجماعي على مواكبة التحولات التي تعرفها المدينة والاستجابة لانتظارات سكانها وزوارها.

آخر هذه الصور جاءت من المحطة الطرقية الرئيسية بفاس، حيث أثار وجود ما وُصف بـ«فوريان» داخل فضاء المحطة، يضم سيارات ودراجات محجوزة، استياء العاملين والمسافرين، وفتح الباب أمام تساؤلات حول التنظيم والتدبير وطريقة استغلال فضاء يفترض أن يكون واجهة للمدينة ومرفقاً عمومياً يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من المسافرين.

المشهد، في حد ذاته، قد يبدو تفصيلاً صغيراً في مدينة تواجه ملفات أكبر، لكنه يصبح بالغ الدلالة عندما يتعلق الأمر بمرفق يفترض أن يكون أول نقطة تماس بين الزائر وفاس، خصوصاً في مدينة تستعد لاستحقاقات سياحية ورياضية دولية، وتراهن على استعادة مكانتها كوجهة وطنية ودولية.

فكيف يمكن لمدينة تستعد لاستقبال ملايين الزوار خلال السنوات المقبلة، وتراهن على كأس العالم 2030، أن تقبل باستمرار مظاهر الفوضى أو سوء التنظيم داخل مرافق يفترض أن تعكس صورة المدينة؟

ليست قضية «فوريان» فقط

المشكلة الحقيقية ليست في السيارات والدراجات المحجوزة وحدها، وإنما في السؤال الذي تطرحه هذه الصورة: من يدبر المرفق؟ ومن يراقب؟ ومن يضع المعايير التي يجب أن تلتزم بها المرافق العمومية داخل مدينة بحجم فاس؟

فالمجلس الجماعي ليس جهازاً أمنياً، ولا ينبغي تحميله مسؤوليات لا تدخل في اختصاصاته، لكن ذلك لا يعفيه من مسؤوليته السياسية عن جودة المرافق والخدمات الجماعية، وعن الدفاع عن صورة المدينة، وعن التدخل لدى مختلف المتدخلين عندما يتعلق الأمر بمرفق يشكل جزءاً من الحياة اليومية للساكنة والزوار.

وهنا تحديداً يبرز اسم رئيس المجلس الجماعي لفاس، عبد السلام البقالي، الذي بات مطالباً، سياسياً وتدبيرياً، بتقديم أجوبة واضحة حول حصيلة ولايته، وحول ما تحقق فعلياً في المدينة، وما بقي عالقاً، وما الذي تغير في حياة الفاسيين.

فالمواطن لا يقيس أداء المجلس الجماعي بالخطابات والاجتماعات، وإنما بما يراه في الشارع: نظافة، طرق، إنارة، حدائق، مواقف، نقل، أسواق، مرافق عمومية، تنظيم، وحضور فعلي للمنتخبين في تفاصيل الحياة اليومية.

مدينة تتحرك.. ومجلس جماعي يبدو خارج الإيقاع

المفارقة التي باتت تطرح نفسها بقوة في فاس هي أن المدينة تعرف، في المقابل، حركية كبيرة على مستوى الأوراش والمشاريع المهيكلة التي تشرف عليها مؤسسات الدولة والجهة والسلطات الترابية.

هناك مشاريع رياضية كبرى، وأوراش لإعادة تأهيل عدد من المحاور والفضاءات، واستعدادات مرتبطة بالاستحقاقات الدولية، ومشاريع استثمارية وسياحية، فضلاً عن تعبئة إدارية وميدانية تقودها ولاية جهة فاس-مكناس.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه هذه الدينامية، يشعر جزء من الرأي العام بأن المجلس الجماعي لم يواكب بالسرعة نفسها حجم التحولات التي تعرفها المدينة.

وهنا يكمن جوهر الانتقاد.

ففاس لا تحتاج فقط إلى مشاريع كبرى تُنجز من طرف الدولة، وإنما تحتاج أيضاً إلى مجلس جماعي قوي وفعال وقادر على تدبير الحياة اليومية للمدينة.

وإذا كانت السلطة الترابية والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية تفتح الأوراش وتتابعها ميدانياً، فإن المنتخبين مطالبون بأن يكونوا في مستوى المرحلة، وأن يتحملوا مسؤوليتهم في تدبير ما يدخل ضمن اختصاصاتهم.

محطة طرقية لا تليق بعاصمة علمية

المحطة الطرقية ليست مجرد مكان تتوقف فيه الحافلات.

إنها واجهة حضرية، ومرفق اقتصادي وسياحي واجتماعي، ونقطة استقبال للمواطنين والسياح والطلبة والعمال والجالية المغربية المقيمة بالخارج.

ولهذا فإن أي اختلال داخلها يتحول سريعاً إلى صورة عن المدينة نفسها.

ومن غير المقبول أن تظل المرافق التي يستعملها المواطن يومياً رهينة مظاهر التنظيم الهش، أو أن تتحول بعض فضاءاتها إلى أماكن لتكديس العربات المحجوزة أو غيرها من التجهيزات التي تثير استغراب المسافرين.

والأخطر من ذلك هو أن تصبح مثل هذه الصور مألوفة، فيتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح المواطن مضطراً إلى التعايش مع واقع لا يليق بمدينة بحجم فاس.

البقالي أمام سؤال الحصيلة

المطلوب اليوم ليس جلد شخص بعينه، وإنما فتح نقاش سياسي جدي حول حصيلة المجلس الجماعي لفاس.

عبد السلام البقالي يتحمل، بحكم موقعه على رأس المجلس، مسؤولية سياسية عن الحصيلة العامة لعمل المؤسسة المنتخبة التي يقودها.

وإذا كان للمجلس ما يقدمه من منجزات، فعليه أن يعرضها أمام الرأي العام بالأرقام والوقائع، وإذا كانت هناك اختلالات أو تأخر في تنفيذ البرامج، فعليه أيضاً أن يقدم تفسيراته للرأي العام.

فالولاية الانتدابية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية أمام المواطنين.

والمدينة التي تعاني من تراكمات عمرانية وبيئية وخدماتية لا تحتمل المزيد من الانتظار.

فاس لا يمكن أن تنتظر أكثر

فاس اليوم أمام فرصة تاريخية.

فالمدينة معنية بالاستعداد لكأس العالم 2030، وتتوفر على مؤهلات سياحية وثقافية وحضارية هائلة، كما تشهد مجموعة من الأوراش الكبرى التي يمكن أن تعيد إليها جزءاً من بريقها.

لكن هذه الفرصة تحتاج إلى تدبير جماعي مختلف.

تحتاج إلى مجلس يعرف أولويات المدينة، ويتحرك بسرعة، ويشتغل بمنطق النتائج، ويتواصل مع المواطنين، ويواكب المشاريع الكبرى، ويضمن انسجام التدخلات المختلفة.

أما أن تتقدم مشاريع الدولة والمؤسسات العمومية والسلطات، بينما يبقى المواطن يصطدم يومياً بمظاهر الفوضى والإهمال في عدد من المرافق، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً حول جدوى استمرار الوضع السياسي والتدبيري الحالي.

«حان وقت الرحيل».. حين تصبح الاستقالة السياسية مطلباً مشروعاً

بعد سنوات من تدبير المجلس الجماعي الحالي، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: ماذا فعل عبد السلام البقالي؟

بل أصبح: هل ما زال المجلس الحالي قادراً على قيادة فاس نحو المرحلة المقبلة؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح بصراحة، بعيداً عن الحسابات الحزبية والاصطفافات الانتخابية.

وإذا كان المواطنون يرون أن الحصيلة لا تستجيب لطموحاتهم، فمن حقهم أن يطالبوا بالتغيير.

وإذا كان رئيس المجلس نفسه غير قادر على تحقيق التحول المطلوب، فإن الرحيل السياسي يصبح خياراً مسؤولاً وليس هزيمة.

فالمسؤول المنتخب لا ينبغي أن يتشبث بالكرسي عندما تصبح المصلحة العامة في حاجة إلى نفس جديد، وقيادة جديدة، وطريقة مختلفة في تدبير المدينة.

فاس تستحق أكثر.

تستحق مجلساً جماعياً يشتغل على مدار الساعة، لا مجلساً يكتفي بتدبير الملفات بالحد الأدنى.

تستحق منتخبين يلاحقون المشاريع، ويحاسبون المتدخلين، ويستمعون إلى المواطنين، ويضعون نظافة المدينة وتنظيمها وجاذبيتها في صدارة الأولويات.

وتستحق، قبل كل شيء، أن يكون المجلس الجماعي في مستوى التحول الكبير الذي تعرفه المدينة.

أما مشهد «فوريان» داخل محطة طرقية، فهو مجرد تفصيل صغير، لكنه يكشف شيئاً أكبر: أن معركة تأهيل فاس لا يمكن أن تُربح بالأوراش الكبرى وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى تغيير حقيقي في ثقافة التدبير الجماعي.

ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف ستتغير فاس، وإنما من سيقود هذا التغيير؟

وفي تقدير شريحة متزايدة من المتابعين للشأن المحلي، فإن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقنعاً، وأن الوقت قد حان لفتح الباب أمام مرحلة سياسية وتدبيرية جديدة، يكون عنوانها الأول: فاس أولاً، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى