الاتحاد الاشتراكي أكبر الخاسرين و أمام اختبار انتخابي صعب.. هل يفقد الحزب جزءاً من حضوره التاريخي؟

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يتجه النقاش السياسي في المغرب نحو مستقبل عدد من الأحزاب التي شكلت لعقود مكونات أساسية في المشهد الوطني، وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يواجه محطة انتخابية جديدة في سياق سياسي وتنظيمي مختلف عن المراحل التي صنعت حضوره التاريخي.
وتبرز داخل الأوساط السياسية عدداً من القراءات التي تتوقع أن يواجه الحزب منافسة صعبة خلال الانتخابات المقبلة، في ظل التحولات التي عرفتها الخريطة الانتخابية المغربية وتغير سلوك الناخبين، فضلاً عن تراجع قدرة بعض الأحزاب التقليدية على الحفاظ على الأوعية الانتخابية التي شكلت تاريخياً قاعدة أساسية لنفوذها.
غير أن الحديث عن كون الاتحاد الاشتراكي سيكون «أكبر الخاسرين» يظل في الوقت الراهن مجرد تقدير سياسي وتحليلي، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة قبل إجراء الانتخابات وصدور النتائج الرسمية.
من حزب جماهيري إلى البحث عن موقع جديد
يواجه الاتحاد الاشتراكي تحدياً يرتبط أساساً بقدرته على إعادة تقديم نفسه داخل مشهد سياسي تغيرت موازينه خلال السنوات الأخيرة.
فالحزب الذي ارتبط تاريخياً باليسار المغربي، وبالمعارضة والنضال الديمقراطي والنقابي، وجد نفسه أمام تحولات عميقة في طبيعة المجتمع والناخب المغربي، وتغير أولويات المواطنين، وظهور أجيال انتخابية جديدة لا تحمل بالضرورة الارتباط نفسه بالأحزاب والتيارات السياسية التي كانت فاعلة خلال العقود الماضية.
وقد انعكس ذلك على طبيعة الخطاب السياسي للأحزاب التقليدية عموماً، ومنها الاتحاد الاشتراكي، الذي بات مطالباً بتقديم إجابات جديدة حول قضايا الاقتصاد والشغل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والحريات، بما يتلاءم مع انتظارات الناخبين الجدد.
سؤال الهوية السياسية
ويشكل الحفاظ على الهوية السياسية أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحزب.
فالإرث التاريخي للاتحاد الاشتراكي يقوم على مرجعية يسارية واضحة، غير أن مساره السياسي خلال العقود الماضية، وانتقاله بين مواقع المعارضة والمشاركة في تدبير الشأن الحكومي، جعلا النقاش حول طبيعة موقعه السياسي وخطابه يتجدد باستمرار.
ويرى متابعون للشأن الحزبي أن الحزب يحتاج إلى إعادة صياغة هويته السياسية بطريقة تمكنه من الحفاظ على مرجعيته التاريخية، وفي الوقت نفسه مخاطبة جيل جديد من الناخبين لا تتحكم فيه الانتماءات الإيديولوجية بالقدر نفسه الذي كان سائداً في السابق.
تراجع الأوعية الانتخابية التقليدية
ويواجه الحزب أيضاً تحدياً مرتبطاً بتغير الخريطة الاجتماعية التي كانت توفر له، تاريخياً، جزءاً مهماً من رصيده الانتخابي.
فالطبقة الوسطى، والنخب الثقافية، والطلبة، والفعاليات النقابية، وغيرها من الفئات التي ارتبطت تاريخياً باليسار، أصبحت أكثر تنوعاً في اختياراتها السياسية، فيما اتجه جزء من الناخبين إلى العزوف عن المشاركة أو إلى البحث عن بدائل جديدة.
ولم تعد المرجعية السياسية وحدها كافية لضمان الأصوات، في ظل تصاعد أهمية الحضور المحلي، وشبكات التواصل الاجتماعي، والقدرة على التواصل المباشر مع الناخبين، وقوة التنظيم الانتخابي على مستوى الدوائر.
تجديد النخب.. تحدٍّ مستمر
ويطرح عامل تجديد النخب نفسه بقوة داخل الحزب.
فالناخب المغربي، وخاصة الأجيال الشابة، أصبح أكثر حساسية تجاه مسألة تجديد الوجوه والقيادات، ويرغب في رؤية حضور أكبر للشباب والنساء والكفاءات الجديدة داخل المؤسسات الحزبية والمنتخبة.
ومن ثم، فإن قدرة الاتحاد الاشتراكي على ضخ دماء جديدة داخل تنظيماته، وتوسيع قاعدة المشاركة أمام الأجيال الجديدة، ستظل من العناصر المؤثرة في قدرته على خوض الاستحقاقات المقبلة بفعالية.
ولا يتعلق الأمر بالحزب وحده، إذ أصبحت مسألة تجديد النخب واحدة من أبرز التحديات التي تواجه غالبية الأحزاب السياسية المغربية.
التنظيم والانضباط الانتخابي
إلى جانب الخطاب والهوية، تظل القوة التنظيمية عاملاً حاسماً في أي استحقاق انتخابي.
فالانتخابات المغربية لا تُحسم فقط على مستوى الخطابات الوطنية، وإنما داخل الدوائر الانتخابية، حيث تلعب قوة التنظيم المحلي، واختيار المرشحين، والقدرة على التواصل مع الناخبين، وحضور المنتخبين والقيادات المحلية، أدواراً مؤثرة في تحديد النتائج.
ومن هنا، فإن الاتحاد الاشتراكي سيكون أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على تحويل حضوره السياسي والتاريخي إلى قوة انتخابية فعلية داخل الدوائر.
المنافسة على أصوات اليسار
وتزداد صعوبة المهمة مع استمرار تعدد الفاعلين داخل الحقل اليساري والتقدمي، الأمر الذي يجعل جزءاً من الأصوات التي كانت تصب تاريخياً في اتجاه الاتحاد الاشتراكي قابلاً لإعادة التوزيع.
كما أن الناخب لم يعد بالضرورة يصوت وفق الانتماء السياسي التقليدي، بل أصبح أكثر ارتباطاً بالمرشح المحلي، وبالبرنامج، وبالحضور الميداني، وبقدرته على تقديم حلول مباشرة للمشاكل اليومية.
وهذا التحول يفرض على الحزب مراجعة أدواته الانتخابية، وعدم الاكتفاء باستثمار رصيده التاريخي.
ماذا يعني تراجع الاتحاد الاشتراكي؟
في حال سجل الحزب تراجعاً انتخابياً خلال الاستحقاقات المقبلة، فإن التأثير لن يقتصر على عدد المقاعد التي سيحصل عليها داخل مجلس النواب، وإنما قد يمتد إلى موقعه في التوازنات السياسية والحزبية المقبلة.
فعدد المقاعد يمثل عنصراً أساسياً في تحديد قدرة أي حزب على التأثير في النقاش البرلماني، والمفاوضات السياسية، وتشكيل التحالفات، وتوجيه المعارضة، والمشاركة في صياغة السياسات العمومية.
وفي المقابل، فإن المحافظة على الحضور البرلماني أو تحسين النتائج ستمنح الحزب فرصة لإعادة بناء موقعه واستثمار الانتخابات في إعادة ترتيب أوراقه التنظيمية والسياسية.
الانتخابات المقبلة.. امتحان للقدرة على التجدد
المحطة الانتخابية المقبلة ستشكل، بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي، أكثر من مجرد اختبار لعدد المقاعد.
إنها ستكون اختباراً لقدرة حزب تاريخي على التكيف مع مجتمع مغربي تغيرت تركيبته، وتبدلت أولويات ناخبيه، وأصبحت الأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالرموز السياسية التقليدية وأكثر اهتماماً بالنتائج والبرامج والحلول العملية.
ومن هذه الزاوية، فإن المعركة الأساسية أمام الحزب لن تكون فقط مع منافسيه في الدوائر الانتخابية، وإنما ستكون أيضاً مع سؤال داخلي أكبر: كيف يمكن لحزب ذي رصيد تاريخي كبير أن يستعيد جاذبيته السياسية ويجدد أدواته وخطابه ونخبه؟
فإذا تمكن الاتحاد الاشتراكي من الإجابة عن هذا السؤال، فقد تتحول الانتخابات المقبلة إلى فرصة لإعادة بناء حضوره.
أما إذا استمرت عوامل التآكل التنظيمي والسياسي والانتخابي، فإن الحزب قد يجد نفسه أمام مزيد من التراجع داخل خريطة حزبية أصبحت أكثر تنافسية وتعقيداً.
وفي جميع الأحوال، ستظل صناديق الاقتراع هي الفيصل، بينما تبقى كل التوقعات والتحليلات السابقة للانتخابات مجرد مؤشرات قابلة للتغير مع اقتراب موعد الاستحقاق وتبلور التحالفات واللوائح والمرشحين.






