صحة

فاتح شتنبر يضع صحة فاس-مكناس أمام امتحان حاسم.. الداودي يتسلم مجموعة صحية مثقلة بالملفات والمستشفيات تحت المجهر

 تستعد جهة فاس-مكناس، ابتداء من فاتح شتنبر المقبل، لدخول مرحلة جديدة في تدبير قطاع الصحة مع الانطلاق الفعلي للمجموعة الصحية الترابية، في إطار الورش الوطني لإعادة تنظيم الحكامة الصحية وتوحيد وتنسيق مختلف مكونات العرض الصحي على المستوى الجهوي. ويأتي هذا التحول في ظرف دقيق، بالنظر إلى حجم التحديات التي تواجه المنظومة الصحية بالجهة، واتساع رقعتها الجغرافية وتعدد مؤسساتها الاستشفائية وتفاوت مستوى الخدمات والموارد بين أقاليمها.

وسيكون البروفيسور عبد الكريم الداودي، الذي تم تعيينه مديراً عاماً للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس، أمام مسؤولية ثقيلة منذ اليوم الأول، بعدما أصبح مطالباً بإدارة منظومة تضم 19 مستشفى عمومياً، من بينها خمس مؤسسات استشفائية جامعية و14 مؤسسة جهوية وإقليمية، فضلاً عن شبكة واسعة تضم أكثر من 420 مركزاً صحياً.

ولا يتعلق الأمر بمجرد انتقال إداري من صيغة إلى أخرى، وإنما بعملية إعادة ترتيب شاملة لمنظومة صحية تخدم ملايين المواطنين، وتتعامل يومياً مع ملفات ترتبط بالموارد البشرية، والبنيات والتجهيزات، ومسارات المرضى، والاستعجالات، والإحالات الطبية، والخصاص في بعض التخصصات، إلى جانب تفاوت العرض الصحي بين المدن والمناطق القروية والجبلية.

مدير عام جديد أمام منظومة مترامية الأطراف

يصل عبد الكريم الداودي إلى رأس المجموعة الصحية الترابية في مرحلة سيكون فيها مطالباً بتحويل أهداف الإصلاح من مقتضيات قانونية وهياكل تنظيمية إلى نتائج ملموسة داخل المستشفيات والمراكز الصحية. وقد سبق للداودي أن شارك في أول مجلس إدارة للمجموعة، المنعقد بفاس في 9 يونيو الماضي، حيث جرى التداول بشأن برنامج العمل وميزانية سنة 2026 والهيكل التنظيمي للمجموعة.

وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة، لأن المجموعة الجديدة يفترض أن تضع حداً لتشتت التدبير بين مختلف مستويات العرض الصحي، وأن تجعل مؤسسات الجهة تعمل ضمن منظومة أكثر تكاملاً، بما يسمح بتحسين الإحالة الطبية وتنظيم مسار المريض وتقريب الخدمات وتقليص الضغط عن المؤسسات المرجعية.

غير أن نجاح هذا النموذج سيظل مرتبطاً بقدرته على معالجة الاختلالات الموجودة على أرض الواقع، وليس فقط بإعادة ترتيب الهياكل الإدارية.

تسعة أقاليم وعمالات.. وتحدي العدالة الصحية

تضم جهة فاس-مكناس عمالتي فاس ومكناس وأقاليم تازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب، وهي مجالات تختلف بشكل كبير من حيث الكثافة السكانية وطبيعة التضاريس وبعد التجمعات السكانية عن المؤسسات الاستشفائية المرجعية.

وتطرح هذه الخصوصية تحدياً أساسياً أمام المجموعة الجديدة، يتمثل في ضمان العدالة المجالية في الاستفادة من الخدمات الصحية. فالمريض الموجود في منطقة جبلية أو قروية لا يواجه فقط مشكلة الحصول على موعد طبي، وإنما قد يواجه أيضاً مشكلة المسافة ووسائل النقل وصعوبة الوصول إلى المؤسسات المتخصصة.

وتزداد صعوبة الوضع عندما تكون بعض المستشفيات الإقليمية غير قادرة على التكفل بعدد من الحالات، الأمر الذي يدفع المرضى إلى الانتقال نحو مكناس أو فاس، وهو ما يساهم في ارتفاع الضغط على المؤسسات الاستشفائية الكبرى.

ومن هنا، فإن أحد الاختبارات الأساسية أمام المجموعة الصحية الترابية سيكون مدى قدرتها على بناء شبكة متكاملة تجعل المستشفى الإقليمي قادراً على أداء وظيفته، ومستشفى الجهة قادراً على استقبال الحالات التي تدخل ضمن اختصاصه، بينما يظل المركز الاستشفائي الجامعي مخصصاً بدرجة أكبر للحالات المعقدة والتخصصات الدقيقة.

فاس.. مركز الثقل الذي يتحمل ضغط الجهة

يظل المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس واحداً من أكثر الملفات حساسية أمام الإدارة الجديدة، بالنظر إلى موقعه المركزي داخل المنظومة الصحية الجهوية واستقباله أعداداً كبيرة من المرضى المحالين من مختلف المناطق.

وتكشف هذه الوضعية عن إشكال هيكلي يتجاوز قدرة المستشفى الجامعي نفسه، لأن استمرار إحالة الحالات التي يمكن علاجها في المستشفيات الإقليمية والجهوية نحو فاس يؤدي بصورة مباشرة إلى ارتفاع الضغط على الأسرة والمصالح الاستشفائية والمستعجلات والموارد البشرية.

ولهذا فإن إصلاح المركز الجامعي لا يمكن أن يتم بمعزل عن إصلاح المؤسسات الصحية الموجودة في باقي أقاليم الجهة. فكلما تحسنت قدرة المستشفى الإقليمي على التشخيص والعلاج، انخفض الضغط على المؤسسة الجامعية، وكلما تعثرت المؤسسات المحلية، انتقلت أعباؤها تلقائياً إلى فاس.

وهذه المعادلة ستكون من أولى القضايا التي سيكون على الإدارة الجديدة التعامل معها.

مكناس.. مستشفيات تنتظر معالجة الملفات العالقة

في مكناس، تواجه المنظومة الصحية بدورها تحديات مرتبطة بضغط الخدمات والموارد البشرية وتنظيم العمل داخل المؤسسات الاستشفائية. كما أن بعض الملفات التدبيرية والمالية والمهنية أصبحت موضوع نقاش ومتابعة، بما يفرض على المجموعة الجديدة وضع آليات واضحة للحكامة والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج.

وقد شكلت ملفات مرتبطة بالمؤسسات الاستشفائية بمكناس موضوع افتحاصات ومتابعات، وهو ما يجعل المرحلة الجديدة مطالبة بتعزيز الشفافية في التدبير والحرص على معالجة أي اختلالات تثبتها الجهات المختصة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التوظيف السياسي للملفات.

المطلوب في نهاية المطاف هو أن يتحول المستشفى إلى مؤسسة قادرة على تقديم الخدمة الصحية في ظروف مهنية وتنظيمية مستقرة، وأن يتمكن العاملون فيه من أداء مهامهم بعيداً عن التوترات المتكررة.

تازة وتاونات وصفرو.. المستشفى الإقليمي في مواجهة سؤال القرب

في تازة وتاونات وصفرو، يكتسب ملف المستشفيات الإقليمية أهمية مضاعفة بسبب الدور الذي يفترض أن تؤديه هذه المؤسسات في ضمان القرب الصحي وتقليص تنقل المرضى نحو فاس ومكناس.

ويظل تأهيل المستشفيات الإقليمية وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة لها شرطاً أساسياً لإنجاح النموذج الجديد، لأن أي ضعف في الحلقة الإقليمية ينعكس مباشرة على المستشفيات المرجعية.

وتأتي هذه الإشكالات في وقت توجد فيه أوراش لتطوير العرض الصحي بعدد من أقاليم الجهة، إذ تشير المعطيات المنشورة إلى مشاريع لبناء وتأهيل مستشفيات إقليمية ومستشفيات للقرب في عدد من المناطق، بما فيها تازة ومولاي يعقوب وفاس وصفرو وتاونات والحاجب، إلى جانب منشآت للقرب في مناطق أخرى.

غير أن الرهان لا يتعلق فقط بإنجاز المباني، وإنما بضمان تشغيلها بكامل طاقتها، وتوفير الأطباء والممرضين والتقنيين والتجهيزات الضرورية، حتى لا تتحول المنشآت الجديدة إلى بنايات حديثة لا تستطيع تقديم الخدمات المنتظرة منها.

إفران.. نموذج جديد ينتظر الاستمرارية

وتقدم تجربة مستشفى القرب بإفران مثالاً على طبيعة التحديات التي تنتظر المجموعة الصحية الترابية. فقد أعطيت في دجنبر 2025 انطلاقة خدمات هذا المستشفى، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 30 سريراً ويضم 52 من مهنيي الصحة، من بينهم سبعة أطباء و33 ممرضاً وتقنياً صحياً، إضافة إلى أطر تقنية وإدارية. كما يوفر خدمات المستعجلات ورعاية الأم والطفل والجراحة العامة والتصوير الطبي والتحاليل.

وتكمن أهمية هذه المنشأة في كونها تهدف إلى تقريب العلاج من أكثر من 50 ألف نسمة، لكن نجاحها على المدى الطويل سيقاس بقدرتها على ضمان استمرارية هذه الخدمات وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات والأدوية الضرورية.

وهذا هو التحدي الذي ستواجهه المجموعة الجديدة في مختلف أقاليم الجهة: الانتقال من منطق افتتاح المؤسسات إلى منطق ضمان اشتغالها الفعلي والمستمر.

بولمان والحاجب ومولاي يعقوب.. تحديات مختلفة داخل منظومة واحدة

ولا تقل ملفات بولمان والحاجب ومولاي يعقوب أهمية عن باقي الأقاليم، وإن كانت خصوصية كل إقليم تفرض معالجة مختلفة.

فالمطلوب هو وضع خريطة دقيقة للحاجيات الصحية، تربط بين عدد السكان وطبيعة الأمراض والتخصصات المطلوبة والمسافة عن المؤسسات المرجعية والموارد البشرية المتوفرة، ثم بناء العرض الصحي على أساس هذه المعطيات.

ولا يمكن أن تكون العدالة الصحية مجرد توزيع جغرافي للمؤسسات، لأن وجود مركز صحي أو مستشفى في منطقة معينة لا يعني بالضرورة أن سكانها يحصلون على الخدمة التي يحتاجونها.

الموارد البشرية.. الملف الأكثر حساسية

يبقى ملف الموارد البشرية من أكثر الملفات التي ستختبر قدرة المدير العام الجديد على إدارة المرحلة الانتقالية.

فالقطاع الصحي لا يشتغل بالبنايات والتجهيزات فقط، وإنما يعتمد أساساً على الأطباء والممرضين والتقنيين والإداريين وباقي الأطر. وأي خصاص في تخصص أساسي يمكن أن يجعل مؤسسة استشفائية عاجزة عن تقديم خدمة يفترض أن تكون متاحة فيها.

ومن هنا، فإن انتقال الموظفين والمستخدمين إلى المجموعة الصحية الترابية يجب أن يكون مصحوباً بإعادة تقييم شاملة لتوزيع الموارد البشرية، بما يتناسب مع الحاجيات الحقيقية لكل مؤسسة ولكل إقليم.

كما سيكون على الإدارة الجديدة التعامل مع الملفات المهنية العالقة، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز الحوار مع مختلف مكونات القطاع، لأن استقرار الموارد البشرية يمثل شرطاً أساسياً لاستقرار الخدمات الصحية.

المستشفيات المتعثرة.. من المسؤول عن إعادة تشغيلها بكامل طاقتها؟

أمام المجموعة الجديدة سؤال أكثر عمقاً: ماذا ستفعل بالمؤسسات التي تعاني من ضعف في الأداء أو نقص في الموارد أو تعثر في بعض الخدمات؟

فالمواطن لا يهمه اسم الهيكل الإداري الذي يدير المستشفى، بقدر ما يهمه أن يجد طبيباً عندما يحتاج إليه، وأن يجري الفحوصات في آجال معقولة، وأن يجد الدواء، وأن يحصل على سرير عندما تستدعي حالته ذلك، وأن لا يتحول طلب العلاج إلى رحلة طويلة بين مستشفيات الجهة.

وهنا تحديداً ستكون المجموعة الصحية الترابية أمام اختبار حقيقي في مجال الحكامة، من خلال وضع مؤشرات دقيقة لقياس أداء كل مؤسسة، وتحديد مكامن الخلل، ومتابعة آجال العلاج والجراحة والفحوصات، وتقييم الموارد البشرية والتجهيزات ونسب استغلال الأسرة.

الإصلاح لا ينجح بتغيير الاسم

المجموعة الصحية الترابية تمثل تحولاً مهماً في طريقة تدبير القطاع، لكن نجاحها لن يتحقق بمجرد تغيير الهيكلة الإدارية.

فالرهان الحقيقي هو أن تتحول الجهة إلى منظومة صحية متكاملة، يتعاون فيها المركز الصحي والمستشفى الإقليمي والمستشفى الجهوي والمركز الجامعي، وفق مسار واضح للمريض يضمن له العلاج المناسب في المكان المناسب.

وقد جعلت الحكومة من تنظيم مسارات العلاج وتعزيز التكامل بين مستويات الرعاية الصحية وتحسين الحكامة من بين الأهداف الأساسية للمجموعة الصحية الترابية بفاس-مكناس.

وهو ما يعني أن الإدارة الجديدة ستقاس نتائجها، في نهاية المطاف، بمدى نجاحها في ترجمة هذه الأهداف إلى واقع يومي.

الداودي أمام اختبار مختلف

عبد الكريم الداودي لا يبدأ تجربة إدارية عادية، وإنما يتولى مسؤولية منظومة صحية جهوية في لحظة انتقال مؤسساتي كبير.

وأمام مكتبه ملفات الموارد البشرية، ووضعية المستشفيات، وتأهيل المؤسسات، وتوزيع التجهيزات، وتنظيم الإحالات، وتخفيف الضغط عن فاس ومكناس، وتحسين الخدمات في تازة وتاونات وصفرو وبولمان والحاجب وإفران ومولاي يعقوب، فضلاً عن ضمان استمرارية المشاريع الصحية الجديدة.

وسيكون عليه كذلك بناء علاقة جديدة مع الأطباء والممرضين والتقنيين والنقابات والمنتخبين والسلطات الترابية، لأن إصلاح منظومة بهذا الحجم لا يمكن أن ينجح بالقرار الإداري وحده.

إنه يحتاج إلى قيادة قادرة على الاستماع واتخاذ القرار والمراقبة والتقييم والتدخل السريع عندما تظهر الاختلالات.

فاتح شتنبر.. بداية مرحلة لا تحتمل التأجيل

مع حلول فاتح شتنبر، تنتهي عملياً مرحلة التأسيس وتبدأ مرحلة الاختبار.

فالمجموعة الصحية الترابية أصبحت تتوفر على إطارها القانوني، وعقد مجلس إدارتها الأول، وتم تعيين مديرها العام، وأصبح المطلوب الآن هو الانتقال إلى التنفيذ الفعلي.

وسيكون المريض أول من سيحكم على هذا الانتقال.

فإذا تحسنت المواعيد، وتقلصت آجال العمليات، وتحسنت خدمات المستعجلات، وتوفرت الأدوية، وتعززت الموارد البشرية في المستشفيات الإقليمية، وانخفضت الإحالات غير الضرورية نحو فاس ومكناس، فسيكون الإصلاح قد بدأ في إنتاج أثره الحقيقي.

أما إذا بقيت المشاكل نفسها، وظلت بعض المؤسسات تعاني الخصاص ذاته، واستمر المواطن في التنقل بين المستشفيات بحثاً عن العلاج، فإن تغيير الهيكلة لن يكون كافياً لإقناع الرأي العام بأن شيئاً جوهرياً قد تغير.

لهذا، فإن فاتح شتنبر لا يمثل مجرد موعد إداري في أجندة وزارة الصحة، بل يشكل بداية امتحان حقيقي للمجموعة الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس وللمدير العام عبد الكريم الداودي، في ورش صحي واسع ستكون نتائجه مرتبطة مباشرة بقدرة الإدارة الجديدة على معالجة الاختلالات المتراكمة وتحويل الإصلاح المؤسساتي إلى خدمات صحية أفضل وأكثر عدالة وقرباً من المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى