قضايا

تاونات.. السلطات تواصل حملة تحرير الملك العمومي بتيسة وتتصدى لمحاولات إعادة الفوضى إلى الشارع العام

كشفت مصادر متطابقة أن السلطات المحلية بعمالة إقليم تاونات تواصل، بوتيرة متصاعدة، جهودها الرامية إلى تحرير الملك العمومي ووضع حد لمظاهر الاحتلال غير القانوني للأرصفة وممرات الراجلين والشارع العام، وذلك في إطار مقاربة تستهدف إعادة تنظيم الفضاءات العمومية والحفاظ على انسيابية حركة السير والجولان وتحسين المشهد الحضري بمختلف المراكز التابعة للإقليم.

وأوضحت المصادر ذاتها أن السلطات تتوصل بشكل متواصل بشكايات وتظلمات من الساكنة بشأن بعض مظاهر احتلال الملك العمومي، خصوصاً عندما يتحول النشاط التجاري من ممارسة عادية إلى احتلال للأرصفة وممرات الراجلين، أو إلى فرش السلع وسط الشارع العام بما يؤدي إلى عرقلة حركة المواطنين والمركبات، ويفرض واقعاً من الفوضى التي لم يعد مقبولاً استمرارها.

وتأتي هذه التحركات في سياق توجه واضح نحو القطع مع مظاهر التسيب والعشوائية، عبر تفعيل المراقبة الميدانية وحث مستغلي الملك العمومي على احترام الضوابط القانونية، مع الحرص، في الوقت نفسه، على توفير بدائل عملية للباعة وأصحاب الأنشطة غير المهيكلة، حتى لا تتحول عمليات التحرير إلى مجرد تدخلات ظرفية سرعان ما تعود بعدها مظاهر الاحتلال إلى الشوارع.

شريط تيسة.. توضيحات تكشف خلفيات الواقعة

وفي هذا السياق، عاد موضوع شريط فيديو جرى تداوله، السبت 29 غشت 2026، عبر عدد من منصات التواصل الاجتماعي، إلى الواجهة، بعدما ظهر فيه أحد الباعة الجائلين بمدينة تيسة وهو يرمي بعض الفواكه عبر الشارع، مع تقديم الواقعة على أساس أنه تعرض للظلم والحيف.

غير أن المعطيات التي توصلت بها “فاس2′”،من مصادر مطلعة بشأن الواقعة تفيد بأن الأمر يتعلق بعملية لتحرير الملك العمومي، نفذتها السلطات صباح اليوم نفسه، بعدما تمت مطالبة عدد من الباعة الجائلين الذين كانوا يعرضون سلعهم بالطريق العام بإخلاء المكان والانتقال إلى السوق النموذجي الذي جرى إحداثه بالمدينة، باعتباره فضاءً منظماً ومخصصاً لاستيعاب هذه الأنشطة التجارية.

وبحسب المعطيات نفسها، فقد استجاب عدد من الباعة لطلب السلطات المحلية، في حين رفض المعني بالأمر الامتثال وأصر على مواصلة عرض بضاعته بالشارع العام، رغم توفره، وفق إفادة السلطات، على محل لبيع الخضر والفواكه بحي المسيرة، فضلاً عن استفادته من فضاء داخل السوق النموذجي بمدينة تيسة.

وتؤكد هذه المعطيات أن الإشكال المطروح لا يرتبط فقط بوجود باعة يمارسون أنشطة تجارية خارج الإطار المنظم، وإنما أيضاً بمدى احترام البدائل التي تضعها السلطات رهن إشارتهم، خصوصاً عندما يتم توفير فضاءات تجارية منظمة ثم يستمر بعض المستفيدين في العودة إلى الشارع العام بحثاً عن مواقع أكثر جذباً للزبائن.

منطق جديد في تدبير الملك العمومي

وتكشف التحركات الميدانية التي تشهدها تيسة و مختلف الجماعات الحضرية، بحسب المصادر ذاتها، عن رغبة واضحة لدى السلطات المحلية في الانتقال من منطق التدخل المناسباتي إلى تدبير أكثر استمرارية لملف الملك العمومي، خصوصاً أن استمرار احتلال الأرصفة وممرات الراجلين لا يؤثر فقط على جمالية المدن، وإنما يمس بشكل مباشر حق المواطنين في استعمال الفضاء العمومي، كما يخلق اختناقات في حركة السير والجولان ويزيد من مخاطر وقوع حوادث.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن السلطات لا تركز فقط على تحرير الشوارع، وإنما تراهن كذلك على حلول هيكلية من خلال تشييد الأسواق النموذجية وتهيئة فضاءات مخصصة للباعة، بما يسمح بإدماج الأنشطة التجارية غير المهيكلة في إطار أكثر تنظيماً ويحفظ في الوقت نفسه مصالح المهنيين وحقوق الساكنة.

غير أن نجاح هذه المقاربة، وفق المصادر، يظل مرتبطاً بمدى انخراط جميع المعنيين فيها، إذ لا يمكن لأي سوق نموذجي أن يحقق أهدافه إذا اختار بعض المستفيدين منه العودة إلى الشارع العام بمجرد انتهاء الحملات الميدانية.

شكايات الساكنة تضع السلطات أمام مسؤولية التدخل

وتبرز شكايات المواطنين كأحد العوامل التي تدفع السلطات إلى تكثيف تدخلاتها، في ظل تنامي الاستياء من بعض الممارسات التي تجعل الأرصفة غير قابلة للاستعمال، وتجبر الراجلين في بعض الحالات على السير وسط الطريق، بينما تتحول أجزاء من الشوارع إلى فضاءات لعرض السلع، وهو ما ينعكس سلباً على حركة المرور وعلى الحياة اليومية للساكنة.

وتشدد المصادر على أن تحرير الملك العمومي لا يستهدف فئة اجتماعية بعينها، ولا يعني التضييق على الأنشطة التجارية، وإنما يرمي إلى فرض احترام القانون وتنظيم المجال العام وفق قواعد واضحة تنطبق على الجميع، مع توفير البدائل الممكنة للباعة الذين يحتاجون إلى فضاءات لممارسة أنشطتهم.

وفي المقابل، ترفض السلطات، بحسب المعطيات المتداولة، أن تتحول بعض عمليات تحرير الملك العمومي إلى مجال للضغط أو المساومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص تتوفر لهم بدائل تجارية منظمة ثم يصرون على احتلال الطريق العام.

محاولات للضغط لا توقف مسار التنظيم

وفي خضم هذه التحركات، تحدثت مصادر عن محاولات بعض الأطراف استغلال وقائع التدخلات الميدانية للركوب عليها إعلامياً أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بما قد يتحول إلى وسيلة للضغط على السلطات ودفعها إلى غض الطرف عن ممارسات مخالفة للقواعد المنظمة لاستغلال الملك العمومي.

وتؤكد المصادر أن السلطات مطالبة، في المقابل، بالتعامل مع مثل هذه الحالات وفق القانون وبمنطق مؤسساتي، بعيداً عن أي توتر أو انتقائية، لأن هيبة القرار الإداري لا تُقاس فقط بمدى القدرة على تحرير شارع أو رصيف، وإنما أيضاً بمدى الاستمرارية في تطبيق القواعد على الجميع دون استثناء.

وبخصوص الواقعة التي ظهرت في شريط الفيديو المتداول بمدينة تيسة، تشير المعطيات المقدمة من السلطات إلى أن تصوير الواقعة وتقديمها باعتبارها حالة ظلم أو حيف لا يعكس، حسب روايتها، كامل سياق التدخل، خاصة وأن عدداً من الباعة استجابوا للإجراء وانتقلوا إلى السوق النموذجي.

تحرير الملك العمومي.. مسؤولية مشتركة

ويرى متابعون للشأن المحلي أن معالجة ظاهرة احتلال الملك العمومي بإقليم تاونات تحتاج إلى استمرار الحملات الميدانية بالتوازي مع تسريع تأهيل الأسواق والفضاءات التجارية، وتوفير شروط جاذبية حقيقية للباعة والمستهلكين داخلها، إلى جانب تشديد المراقبة لمنع عودة الاحتلال بعد انتهاء أي حملة.

فالشارع العام ملك لجميع المواطنين، والأرصفة وممرات الراجلين ليست امتداداً للمحلات التجارية أو فضاءات مجانية لعرض السلع، كما أن تنظيم النشاط الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بمنطق الفوضى أو فرض الأمر الواقع.

ومن هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تنهجها السلطات المحلية بإقليم تاونات قائمة على معادلة واضحة: توفير البديل المنظم مقابل احترام القانون، وتحرير الملك العمومي مقابل حماية حق المواطنين في استعماله.

وتبقى المسؤولية مشتركة بين السلطات والباعة والتجار والساكنة، غير أن المرحلة الحالية، وفق المعطيات المتوفرة، تعكس تشدداً أكبر في التعامل مع مظاهر العشوائية، في محاولة لإعادة الانضباط إلى الفضاء العمومي وطي صفحة من التسيب الذي طال أمده، مع التأكيد على أن أي خلاف أو تظلم يفترض أن يعالج عبر القنوات المؤسساتية والقانونية، لا عبر احتلال الشارع أو تحويل التدخلات الإدارية إلى مادة للضغط على السلطات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى