الفاو تحذر: تدهور التربة يضع المغرب أمام تحديات متزايدة لحماية الزراعة والموارد الطبيعية

حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» من تزايد الضغوط التي تواجه موارد التربة في المغرب، في ظل تداخل عوامل التعرية المائية والريحية، وتراجع المادة العضوية، والتملح، وتدهور التنوع البيولوجي، إلى جانب الضغط المتصاعد على الأراضي الزراعية والمياه.
وأبرز تقرير «حالة موارد التربة في العالم 2026» أن المغرب يوجد ضمن البلدان الأكثر تعرضاً في منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا لمخاطر انجراف التربة بفعل الرياح، وهي مخاطر تتفاقم بفعل الظروف المناخية الجافة وشبه الجافة وتزايد تأثيرات تغير المناخ.
ويضع التقرير المنطقة ضمن أكثر مناطق العالم تعرضاً لضغوط الأرض والمياه، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتواتر موجات الجفاف والتصحر والتملح. ويكتسب الوضع المغربي أهمية خاصة بالنظر إلى تنوع تضاريسه واتساع المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث تختلف درجة المخاطر من منطقة إلى أخرى بحسب المناخ والتضاريس والغطاء النباتي وطبيعة استغلال الأراضي.
التعرية المائية والريحية تهدد خصوبة التربة
تعتبر «الفاو» أن التعرية بفعل المياه والرياح من أبرز التهديدات التي تواجه وظائف التربة في المنطقة، لما تسببه من فقدان الطبقة السطحية الخصبة وتراجع القدرة الإنتاجية للأراضي.
وفي المغرب، تسجل المناطق الجبلية، خصوصاً أجزاء من الأطلس الكبير، مستويات مرتفعة من التعرية المائية، بينما توجد مناطق أخرى بدرجات أقل من الخطورة. كما يصنف المغرب ضمن الدول التي تتمتع فيها الظروف المناخية بقابلية مرتفعة للتعرية الريحية، إلى جانب عدد من بلدان شمال إفريقيا والساحل.
وبحسب التقرير، كانت نحو ثلاثة أرباع منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا خلال الفترة بين 2015 و2022 ضمن مستويات مرتفعة أو مرتفعة جداً من مخاطر التعرية الريحية، مع بروز المغرب ضمن المناطق الأكثر تعرضاً لهذا النوع من التدهور.
وتحذر المنظمة من أن استمرار هذه الظاهرة لا يهدد الإنتاج الزراعي فحسب، بل يساهم أيضاً في انتشار الغبار وفقدان عناصر أساسية من التربة. وتوصي في المقابل بتوسيع الغطاء النباتي والتشجير، وتحسين إدارة المياه، واعتماد أنظمة للإنذار المبكر، إلى جانب تطوير ممارسات استعمال الأراضي بما يتلاءم مع طبيعة المناطق الجافة.
توسع الري مقابل ارتفاع مخاطر التملح
في الوقت الذي تتزايد فيه مخاطر التعرية، شهد المغرب توسعاً في الأراضي الزراعية المجهزة للري، حيث ارتفعت المساحات المجهزة خلال الفترة بين 2015 و2022 بنحو 160 ألف هكتار، وهي من أكبر الزيادات المسجلة في المنطقة.
وترى «الفاو» أن توسيع الري يمكن أن يعزز الإنتاج الزراعي، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات إضافية على الموارد المائية، خصوصاً عندما تكون شبكات الري غير ملائمة أو تدار بطريقة تؤدي إلى تراكم الأملاح وارتفاع منسوب المياه في التربة.
ويشكل التملح بالفعل أحد أبرز التحديات التي تواجه الأراضي الزراعية في شمال إفريقيا. وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن نسبة مهمة من الأراضي المروية في المغرب متأثرة بالملوحة، مع تسجيل خسائر كبيرة في الإنتاجية في بعض المناطق.
ويربط التقرير هذه الظاهرة بارتفاع درجات الحرارة، وممارسات الري غير الملائمة، إضافة إلى احتمال تسرب مياه البحر في المناطق الساحلية. ومع ذلك، يسجل المغرب مؤشراً إيجابياً، إذ شهدت مساحة الأراضي المتأثرة بالملوحة تراجعاً سنوياً خلال الفترة الممتدة بين 1980 و2018، وفق إحدى التقديرات التي يستند إليها التقرير.
تراجع المادة العضوية يضغط على جودة التربة
ولا تتوقف الضغوط عند التعرية والملوحة، إذ يسلط التقرير الضوء على أهمية المادة العضوية والكربون العضوي في الحفاظ على خصوبة التربة واستقرار بنيتها وقدرتها على توفير العناصر الغذائية.
وفي سهول دكالة، أظهرت دراسات أوردها التقرير تفاوتاً في مستويات المادة العضوية بحسب طبيعة التربة، فيما خلصت أبحاث أخرى إلى أن بعض التقنيات الزراعية الحديثة ساهمت في تراجع جودة التربة، خصوصاً من خلال فقدان المادة العضوية.
لكن التقرير يقدم في المقابل نماذج أكثر إيجابية، من بينها الزراعة من دون حرث في منطقة الشاوية، التي أظهرت قدرة هذه الممارسة على تعزيز مخزون الكربون العضوي مقارنة بالحرث التقليدي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة في ظل ضعف مخزونات المادة العضوية في العديد من المناطق الجافة، حيث ترتبط صحة التربة بشكل مباشر بقدرتها على الاحتفاظ بالمياه ومقاومة التعرية والحفاظ على الإنتاج الزراعي.
التنوع البيولوجي للتربة أمام تهديدات متزايدة
تحذر «الفاو» كذلك من ارتفاع المخاطر التي تهدد التنوع البيولوجي للتربة في أجزاء من شمال إفريقيا، وتضع المناطق الساحلية الممتدة من الدار البيضاء إلى تونس ضمن المجالات التي تواجه مستويات مرتفعة جداً من التهديدات المحتملة.
ويربط التقرير هذه المخاطر أساساً بالتصحر وتغير المناخ، إلى جانب تغير استخدامات الأراضي والتلوث والحرائق والكوارث الطبيعية. كما أن موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة تزيد الضغط على الغطاء النباتي، وبالتالي على المادة العضوية والكائنات الحية الموجودة في التربة.
وتوصي المنظمة برفع المدخلات العضوية في الأراضي الزراعية، والاستفادة من روث الحيوانات والسماد العضوي والمخلفات الزراعية والصناعات الغذائية، بما يساعد على استعادة حيوية التربة وتحسين بنيتها.
الزراعة المحافظة على التربة ما تزال محدودة
ومن أبرز المعطيات التي يكشف عنها التقرير محدودية انتشار ممارسات الزراعة المحافظة على التربة في المغرب، إذ لم تتجاوز المساحة المقدرة بهذه الممارسات خلال 2018 و2019 نحو 13 ألف هكتار.
وتبدو هذه المساحة محدودة مقارنة بحجم الأراضي الزراعية والضغوط التي تواجهها التربة، وهو ما يعكس الحاجة إلى توسيع اعتماد تقنيات تساعد على الحد من التعرية والحفاظ على الرطوبة والمادة العضوية.
كما يشير التقرير إلى أن المغرب شهد بين 2015 و2022 زيادة بنحو 240 ألف هكتار في مساحة الأراضي الزراعية، بالتزامن مع ارتفاع الأراضي المجهزة للري بنحو 160 ألف هكتار.
وتبرز هذه الأرقام حجم التحدي المطروح أمام تدبير الموارد الطبيعية: فزيادة المساحات الزراعية وتوسيع الري قد يدعمان الإنتاج، لكنهما يحتاجان إلى سياسات تضمن عدم تحول المكاسب قصيرة الأمد إلى استنزاف طويل الأمد للتربة والمياه.
تحدٍّ بيئي يتطلب إدارة أكثر استدامة
وتخلص المعطيات التي يقدمها تقرير «الفاو» إلى أن المغرب يواجه مجموعة مترابطة من التحديات المرتبطة بالتربة، وليس مشكلة منفردة يمكن التعامل معها بإجراء واحد. فالتعرية والجفاف والتملح وتراجع المادة العضوية وتدهور التنوع البيولوجي كلها عوامل تؤثر في بعضها بعضاً وتنعكس في النهاية على قدرة الأرض على الإنتاج.
ويبرز التقرير في المقابل أن حماية التربة ليست مهمة بيئية فقط، بل ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي وإدارة المياه واستدامة الزراعة والتكيف مع تغير المناخ.
ومن ثم، فإن الحفاظ على التربة المغربية يتطلب توسيع الممارسات الزراعية المحافظة، وتحسين كفاءة استعمال المياه، والحد من التعرية، واستعادة الغطاء النباتي، وتعزيز المادة العضوية، إلى جانب اعتماد سياسات طويلة الأمد توازن بين الحاجة إلى رفع الإنتاج الزراعي وضرورة حماية الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.






