المسيرة الخضراء وعيد الوحدة.. من ملحمة التعبئة الوطنية إلى مرحلة جديدة في مسار القضية الوطنية

تستعيد المملكة المغربية، وهي تخلد الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، واحدة من أعظم المحطات في تاريخها الحديث؛ ملحمة لم تكن مجرد مسيرة شعبية نحو الصحراء، بل تعبيراً تاريخياً عن ارتباط المغاربة بأرضهم، وعن قدرة الدولة والمجتمع على الالتفاف حول قضية اعتُبرت على الدوام قضية سيادة ووحدة ترابية. وتكتسب هذه الذكرى هذا العام دلالات إضافية، وهي تتزامن مع الاحتفاء بعيد الوحدة، وفي ظل التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، وما رافقها من نقاش حول مستقبل بعثة المينورسو وترتيبات المرحلة المقبلة.
فالمسيرة الخضراء، التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1975، جسدت نموذجاً استثنائياً للتعبئة السلمية، حين لبّى 350 ألف متطوع ومتطوعة النداء الملكي، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، في مشهد رسّخ حضور الإرادة الشعبية في مسار استكمال الوحدة الترابية. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد المسيرة مجرد ذكرى وطنية تستحضر أحداث الماضي، بل تحولت إلى رمز للاستمرارية الوطنية، وإلى عنوان لعلاقة متجذرة بين العرش والشعب، قوامها الدفاع عن وحدة البلاد وصيانة سيادتها.
واليوم، بعد مرور أكثر من خمسة عقود، يجد المغرب نفسه أمام مرحلة مختلفة، عنوانها الانتقال من تدبير النزاع في صيغته التقليدية إلى تثبيت مقاربة سياسية ودبلوماسية تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الذي يطرحه المغرب للتوصل إلى حل سياسي نهائي. وقد راكمت هذه المبادرة، منذ تقديمها سنة 2007، دعماً دولياً متزايداً، كما أصبحت محوراً أساسياً في النقاشات الأممية المتعلقة بمستقبل هذا الملف، وهو ما يعكس التحول الذي عرفته مواقف عدد من الدول المؤثرة وشركاء المملكة.
وتبرز أهمية عيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس وجعل من 31 أكتوبر مناسبة وطنية سنوية، في كونه يؤرخ لمرحلة جديدة في التعاطي مع القضية الوطنية، ويمنح الذاكرة الجماعية امتداداً سياسياً ورمزياً يتجاوز استحضار المحطات التاريخية. فاختيار هذا التاريخ لم يكن منفصلاً عن التحولات التي عرفها الملف داخل مجلس الأمن، بل جاء ليجسد الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى أفق البحث عن تسوية سياسية تستحضر معطيات الواقع ومقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
انتهاء ولاية المينورسو.. نهاية مرحلة وبداية ترتيبات جديدة
ومن أبرز التطورات التي تزامنت مع هذه الذكرى، انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، بعد أن أخفق مجلس الأمن، يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعي قرارين متنافسين بشأن مستقبلها؛ إذ استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، فيما لم يحصل المشروع الروسي الداعي إلى تمديد ولاية البعثة على الأصوات التسعة المطلوبة. وبذلك انتهت الولاية عند منتصف ليلة 31 أكتوبر، لتبدأ الأمم المتحدة مرحلة التصفية والانسحاب المنظم، في تحول يطوي صفحة استمرت منذ سنة 1991.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين انتهاء الولاية وبين اكتمال مغادرة جميع مكونات البعثة؛ فالانسحاب يجري وفق ترتيبات أممية، ولم يكن قد اكتمل بمجرد انتهاء الولاية. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن العمليات الميدانية للبعثة انتهت، وأن مرحلة تصفية ممتلكاتها وتجهيزاتها بدأت، مع استمرار استعداد المنظمة لمواصلة دعم المساعي السياسية عبر مبعوثها الشخصي. أما المغرب، فقد أعلن بوضوح تشبثه بوقف إطلاق النار، وصيانة أمن الأقاليم الجنوبية، وضمان الاستقرار والطمأنينة لساكنتها.
وفي جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس بالقصر الملكي يوم 4 نونبر، جرى وضع التوجهات المغربية للتعامل مع مرحلة ما بعد المينورسو، مع تكليف مكتب التنسيق مع البعثة التابع لوزارة الداخلية بمواكبة عملية الانسحاب والتصفية، والتأكيد على مواصلة المشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية، والتزام السلطات المدنية والعسكرية بضمان الأمن والاستقرار. وهي رسالة مؤسساتية واضحة مفادها أن المغرب يتعامل مع التحول الجديد بمنطق الدولة، وبمسؤولية الحفاظ على الاستقرار، وليس بمنطق الفراغ أو المغامرة.
إن انتهاء ولاية المينورسو لا يعني، في حد ذاته، أن النزاع حُسم نهائياً أو أن المسار الأممي انتهى بكل مكوناته، لكنه يضع حداً لمرحلة من آليات تدبير الملف، ويفتح نقاشاً جديداً حول طبيعة المسار السياسي المقبل. ومن ثم، فإن الرهان المغربي يتمثل في تحويل هذا التحول المؤسساتي إلى فرصة لترسيخ حل سياسي واقعي ودائم، يحفظ السيادة والوحدة الترابية ويستجيب لمتطلبات الاستقرار الإقليمي.
الدبلوماسية الملكية.. تراكم الاعترافات وتوسيع دائرة الدعم
وعلى امتداد السنوات الأخيرة، اشتغلت الدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس على توسيع دائرة الدعم الدولي لمغربية الصحراء، من خلال تحركات ثنائية وإقليمية، وشراكات سياسية واقتصادية، وتقديم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحاً عملياً لتسوية النزاع. وقد أكد بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر أن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها دول دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، تدعم بوضوح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره إطاراً للحل.
وهذا التراكم الدبلوماسي لا ينبغي اختزاله في عدد التصريحات أو المواقف السياسية، بل يتعين النظر إليه باعتباره تحولاً في طبيعة النقاش الدولي حول القضية. فالمبادرة المغربية لم تعد مجرد مقترح يطرحه المغرب في المحافل الدولية، بل أصبحت محوراً أساسياً في عدد من المواقف والمناقشات الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية قابلة للتطبيق، بما يضع الأطراف المعنية أمام ضرورة الانتقال من الشعارات والمواقف الجامدة إلى البحث عن حل واقعي.
وفي المقابل، أظهر التصويت الأخير داخل مجلس الأمن استمرار الانقسام الدولي بشأن الصيغ المطروحة، وهو ما يجعل الحديث عن انتصار دبلوماسي نهائي أو هزيمة كاملة لطرف بعينه أمراً سابقاً لأوانه. غير أن فشل تمديد ولاية البعثة، وعدم تمكن المشروع الروسي من الحصول على الأصوات اللازمة، يشكلان تطوراً مهماً في مسار الملف، ويضعان المقاربات التقليدية أمام اختبار جديد.
أما الجزائر، التي تشكل طرفاً محورياً في هذا النزاع الإقليمي وتدعم جبهة البوليساريو، فتجد نفسها أمام واقع دبلوماسي يتسم باتساع دائرة الدول المؤيدة للمبادرة المغربية، وبروز مطالب دولية متزايدة بإنهاء حالة الجمود. كما أن استمرار الرهان على خيارات لم تنتج تسوية منذ عقود يطرح أسئلة جدية حول كلفة إطالة النزاع على شعوب المنطقة، وعلى فرص بناء فضاء مغاربي قائم على التعاون والتكامل بدل التوتر والانغلاق.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن وضع ساكنة مخيمات تندوف، التي تظل في حاجة إلى أفق سياسي وإنساني ينهي حالة الانتظار، ويتيح لها مستقبلاً مستقراً بعيداً عن استمرار النزاع. فالقضية لا تتعلق فقط بالتجاذب الدبلوماسي بين الدول، بل بمصير أجيال ظلت تدفع ثمن الخلافات الإقليمية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى التنمية والاندماج الاقتصادي وفتح الحدود وتيسير حركة الأشخاص والسلع.
من ملحمة 1975 إلى أوراش التنمية بالأقاليم الجنوبية
لقد أدرك المغرب، منذ انطلاق المسيرة الخضراء، أن استكمال الوحدة الترابية لا ينفصل عن بناء الإنسان وتنمية المجال. ولذلك لم تقتصر المقاربة المغربية على الدفاع السياسي والدبلوماسي عن القضية الوطنية، بل امتدت إلى إطلاق مشاريع كبرى في البنيات التحتية والطرق والموانئ والطاقات المتجددة والصحة والتعليم والتكوين، بما جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للتحول التنموي والاستثمار.
وتجسد هذه المقاربة قناعة مفادها أن قوة الموقف الوطني لا تقاس فقط بما يتحقق في قاعات الاجتماعات الدولية، وإنما كذلك بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، من خدمات عمومية وفرص للشغل وتحسين للبنيات الأساسية. فالمشاريع التنموية بالأقاليم الجنوبية ليست مجرد أرقام في برامج الاستثمار، بل جزء من تصور متكامل يربط الاستقرار بالعدالة المجالية، ويجعل التنمية رافعة لترسيخ الاندماج الوطني.
ومن هنا تأتي أهمية التوجيهات الملكية الأخيرة بمواصلة المشاريع التنموية، والحفاظ على الأمن والطمأنينة، واحترام وقف إطلاق النار. إنها مقاربة تجمع بين الثبات على الموقف السيادي، والتحلي بالمسؤولية في تدبير المرحلة، وتفادي كل ما من شأنه أن يهدد الاستقرار أو يفتح الباب أمام تصعيد جديد.
عيد الوحدة.. ذاكرة وطنية ومسؤولية تجاه المستقبل
إن الجمع بين ذكرى المسيرة الخضراء وعيد الوحدة يمنح الاحتفال هذا العام بعداً خاصاً؛ فالأولى تستحضر لحظة تاريخية جسدت التعبئة الشعبية والإرادة الوطنية، والثاني يرمز إلى مرحلة جديدة في مسار القضية الوطنية، عنوانها تثبيت المكتسبات وتطوير أدوات الدفاع عن الوحدة الترابية. وبين المحطتين تمتد مسيرة طويلة من التضحيات والعمل الدبلوماسي والمؤسساتي والتنموي.
لقد أثبت التاريخ أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُحسم بالخطابات وحدها، بل تحتاج إلى نفس طويل، وإلى مؤسسات قوية، ودبلوماسية نشيطة، وتنمية ملموسة، وتماسك داخلي يضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار. ومن هذه الزاوية، فإن الاحتفاء بالمسيرة الخضراء ليس مناسبة لاستعادة الماضي فقط، بل فرصة لتجديد الالتزام تجاه المستقبل، وتعزيز التعبئة الوطنية حول الثوابت الجامعة للمملكة.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة العمل الدبلوماسي لإقناع مزيد من الدول بجدية مبادرة الحكم الذاتي، والتعامل مع التطورات الأممية بحكمة ويقظة، إلى جانب تعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وصيانة الاستقرار، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام تسوية سياسية تحفظ كرامة جميع المعنيين وتضع حداً للنزاع.
إن ملحمة المسيرة الخضراء ستظل عنواناً لوحدة المغاربة، وعيد الوحدة سيظل مناسبة لاستحضار معنى الانتماء إلى وطن واحد، من طنجة إلى الكويرة. وبين رمزية الماضي واستحقاقات الحاضر، يواصل المغرب الدفاع عن وحدته الترابية تحت قيادة الملك محمد السادس، مستنداً إلى شرعية موقفه الوطني، وإلى تراكم دبلوماسي متواصل، وإلى إرادة جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للتنمية والاستقرار والاندماج.
فالمسيرة التي انطلقت سنة 1975 لم تكن حدثاً عابراً في الذاكرة المغربية، بل محطة مؤسسة في مسار وطني متواصل؛ مسار يقتضي اليوم تحويل المكتسبات الدبلوماسية والمؤسساتية إلى أفق سياسي مستقر، ويجعل من الوحدة الترابية مسؤولية مشتركة تتجدد مع كل جيل.






