ليلة الحسم الحزبي.. قيادات الأحزاب تجمع برلمانييها الجدد قبل افتتاح البرلمان ومشاورات الحكومة تدخل مرحلة القرار

تدخل الساحة السياسية المغربية، مساء اليوم الخميس، واحدة من أكثر لياليها حساسية منذ إعلان نتائج انتخابات 23 شتنبر، بعدما دعت قيادات عدد من الأحزاب الفائزة بمقاعد في مجلس النواب برلمانييها الجدد إلى اجتماعات مغلقة بالعاصمة الرباط، في موعد يتقاطع بشكل مباشر مع آخر مراحل مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، ومع الاستعدادات لافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة التي يترأسها جلالة الملك محمد السادس يوم الجمعة 9 أكتوبر.
ولا تبدو هذه الاجتماعات مجرد لقاءات تنظيمية عادية تسبق دخول النواب الجدد إلى المؤسسة التشريعية، بل تحمل في توقيتها ومضامينها دلالات سياسية واضحة، خصوصاً أن عدداً من الأحزاب المعنية بمسار تشكيل الأغلبية الحكومية استدعت منتخبيها الجدد إلى الرباط من أجل مناقشة مستجدات المشاورات، إلى جانب ترتيب البيت البرلماني الداخلي وتحديد ملامح الفرق النيابية المقبلة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية توجد في صلب هذه التحركات، بعدما وجهت دعوات إلى برلمانييها الجدد للحضور إلى العاصمة، في وقت تستعد فيه قيادة حزب الاستقلال لعقد اجتماع للجنة التنفيذية، بينما يواصل الاتحاد الاشتراكي ترتيباته الداخلية بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة.
الحكومة تتصدر جدول الأعمال
الموضوع المحوري في هذه الاجتماعات لن يكون افتتاح البرلمان فقط، وإنما مستقبل الأغلبية الحكومية المقبلة، بعدما انتقلت مشاورات تشكيل الحكومة من مرحلة جس النبض والاتصالات الأولية إلى مرحلة أكثر دقة تتعلق بهندسة التحالفات وتوزيع المسؤوليات وترجمة نتائج انتخابات 23 شتنبر إلى أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة ومساندتها داخل مجلس النواب.
وتكتسب اللقاءات أهمية إضافية لأن البرلمانيين الجدد سيكونون جزءاً أساسياً من المعادلة التي ستحدد شكل الأغلبية والمعارضة داخل المؤسسة التشريعية، كما أن رؤساء الفرق البرلمانية المقبلة سيكونون من أبرز الفاعلين في تنزيل العلاقة بين الحكومة والبرلمان، سواء على مستوى التشريع أو مراقبة العمل الحكومي أو الدفاع عن البرنامج الحكومي أمام النواب.
ومن هنا، فإن استدعاء البرلمانيين في هذه المرحلة يمكن قراءته باعتباره محاولة من القيادات الحزبية لتوحيد الرؤية قبل الدخول الرسمي إلى الولاية التشريعية، ووضع المنتخبين الجدد أمام صورة واضحة عن مواقف أحزابهم من المفاوضات الجارية، خصوصاً أن القرارات المرتبطة بالمشاركة في الحكومة لا تتوقف عند حدود توزيع الحقائب، وإنما تشمل أيضاً طبيعة البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ستدافع عنه الأغلبية المقبلة.
الاستقلال أمام اختبار المشاركة
حزب الاستقلال يدخل هذه المرحلة باعتباره أحد المكونات الأساسية المطروحة داخل هندسة الأغلبية المقبلة، خصوصاً بعد استمرار المفاوضات بين أمينه العام نزار بركة ورئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويعقد الحزب، بالتزامن مع هذه التحركات، اجتماعات داخلية لبحث المرحلة المقبلة، فيما يعقد فريقه البرلماني بمجلس النواب اجتماعاً برئاسة الأمين العام، وهو ما يجعل لقاء البرلمانيين الجدد مناسبة لتحديد أولويات الحزب داخل المؤسسة التشريعية، فضلاً عن الاستعداد للمرحلة الحكومية إذا ما حسمت المفاوضات في اتجاه المشاركة.
والأهم أن الاستقلال لا يدخل هذه المرحلة بصفته رقماً برلمانياً فقط، وإنما باعتباره حزباً تاريخياً يملك امتداداً تنظيمياً وانتخابياً، وبالتالي فإن مشاركته في الحكومة المقبلة ستكون مرتبطة أيضاً بمدى قدرته على تحويل حضوره الانتخابي إلى تأثير سياسي داخل الأغلبية.
الاتحاد الاشتراكي يقترب من مربع الأغلبية
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد أصبح اسمه أكثر حضوراً في معادلة تشكيل الحكومة بعد القرار الذي اتخذه مكتبه السياسي بالتوجه نحو المشاركة في الحكومة المقبلة، مع بقاء الحسم النهائي مرتبطاً بموقف المجلس الوطني للحزب.
ويشكل اجتماع البرلمانيين الاتحاديين الجدد فرصة لشرح توجه القيادة، وتهيئة الفريق البرلماني للمرحلة المقبلة، خصوصاً أن دخول الاتحاد الاشتراكي إلى الأغلبية سيعيد رسم خريطة المعارضة والأغلبية داخل مجلس النواب.
واللافت أن هذا التطور يأتي بعد اللقاءات التي جمعت الكاتب الأول إدريس لشكر بفاطمة الزهراء المنصوري، وبعد انتقال النقاش من سؤال المشاركة من عدمها إلى طبيعة الأغلبية الممكنة وشروطها السياسية والبرنامجية.
التقدم والاشتراكية أمام أسئلة الحضور والتأثير
بدوره، يوجد حزب التقدم والاشتراكية ضمن الأحزاب التي تحضر في النقاش حول الأغلبية الحكومية المقبلة، وهو ما يجعل لقاء قيادته ببرلمانييه الجدد مهماً ليس فقط لتحديد الموقف من المشاركة، وإنما أيضاً لتحديد طبيعة الدور الذي يريد الحزب لعبه داخل المرحلة المقبلة.
فالدخول إلى الحكومة يعني تحمل مسؤولية سياسية مباشرة عن تنفيذ البرنامج الحكومي، بينما البقاء خارجها يضع الحزب أمام مسؤولية بناء معارضة قوية قادرة على مراقبة الأداء الحكومي وتقديم بدائل سياسية وتشريعية.
وبالتالي، فإن النقاش داخل الأحزاب لا يتعلق فقط بالسؤال التقليدي: من سيدخل الحكومة؟ وإنما يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيقدم كل حزب إذا دخل؟ وما هي الملفات التي يريد الدفاع عنها؟ وما حجم التأثير الذي يطمح إلى تحقيقه داخل القرار الحكومي والبرلماني؟
البام أمام مهمة ضبط الأغلبية
وفي المقابل، يتحرك حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقود منسقته الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري مشاورات تشكيل الحكومة، في اتجاه إنهاء مرحلة التفاوض والانتقال إلى مرحلة الإعلان عن مكونات الأغلبية وهندسة الحكومة.
وقد تواصلت المشاورات خلال الأيام الأخيرة، بما فيها لقاءات مع قيادات الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، في وقت أصبحت فيه تركيبة الأغلبية المحتملة محوراً رئيسياً للنقاش السياسي. وتفيد المعطيات المنشورة بأن التحالف الذي يجري تداوله بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يمكن أن يوفر أغلبية مريحة داخل مجلس النواب، وهو ما يفسر ارتفاع منسوب الاتصالات السياسية قبيل افتتاح البرلمان.
البرلمانيون الجدد أمام مرحلة مختلفة
النواب الذين أفرزتهم انتخابات 23 شتنبر لا يدخلون المؤسسة التشريعية في ظروف عادية، بل أمام مرحلة سياسية جديدة تماماً، سيكون فيها البرلمان مطالباً باستعادة موقعه المركزي في النقاش العمومي، خصوصاً أن الولاية الجديدة تبدأ في ظل انتظار تشكيل حكومة جديدة وبرنامج حكومي جديد وأولويات اقتصادية واجتماعية وتشريعية مختلفة.
ومن المنتظر أن تكون الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية، التشغيل، الاستثمار، الصحة، التعليم، العدالة المجالية، إصلاح الإدارة، وتسريع الأوراش التنموية، من أبرز الملفات التي ستفرض نفسها على البرلمان والحكومة معاً، بما يعني أن البرلماني الجديد لن يكون أمام مجرد ولاية انتخابية، وإنما أمام اختبار سياسي حقيقي لقدرته على تمثيل الناخبين ومراقبة الحكومة والدفاع عن مصالح الدوائر التي انتخبته.
كما أن مسألة انتخاب أو تعيين رؤساء الفرق البرلمانية تحضر بقوة في هذه الاجتماعات، باعتبار أن رئاسة الفرق ستصبح إحدى الأدوات الأساسية لضبط التوازنات داخل مجلس النواب، خصوصاً في ظل احتمال انتقال عدد من الأحزاب من موقع المعارضة إلى الأغلبية.
افتتاح البرلمان يفرض إيقاعه على المشاورات
وتأتي كل هذه التحركات عشية محطة دستورية بارزة، تتمثل في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الجديدة يوم الجمعة 9 أكتوبر، في موعد يترأسه جلالة الملك محمد السادس، وفق المقتضيات الدستورية التي تحدد الجمعة الثانية من شهر أكتوبر موعداً لافتتاح الدورة الأولى للبرلمان.
وهنا تكمن أهمية التوقيت؛ فالمشاورات الحكومية والافتتاح الملكي للبرلمان مساران متداخلان سياسياً، وإن كانا منفصلين من الناحية الدستورية. وبالتالي، فإن الأحزاب تجد نفسها مطالبة بالدخول إلى المؤسسة التشريعية وهي تعرف، بدرجات متفاوتة، موقعها المقبل: داخل الأغلبية الحكومية أو في المعارضة.
وتزداد حساسية هذه المحطة لأن افتتاح البرلمان سيضع الولاية التشريعية الجديدة أمام أول اختبار رسمي، في وقت لم تكن فيه كل تفاصيل الحكومة المقبلة قد حسمت بشكل نهائي. وهذا السيناريو ليس سابقة في التجربة الدستورية المغربية، إذ سبق أن افتتحت ولايات تشريعية في سياقات لم تكن فيها المشاورات الحكومية قد انتهت بعد.
ليلة الاجتماعات قبل يوم الخطاب
ولهذا، فإن اجتماعات مساء الخميس تكتسب دلالة تتجاوز الطابع التنظيمي؛ إنها ليلة ترتيب الأوراق قبل دخول المؤسسة التشريعية، وليلة تستمع فيها القيادات إلى برلمانييها الجدد وتضعهم في صورة المرحلة، في الوقت الذي تواصل فيه قيادة الأغلبية المحتملة مفاوضاتها الأخيرة بشأن شكل الحكومة وبرنامجها وتوزيع المسؤوليات.
وفي الجانب الآخر، سيكون على الأحزاب التي ستجد نفسها خارج الأغلبية أن تستعد سريعاً لتحديد موقعها السياسي، لأن المعارضة في الولاية الجديدة لن تكون مجرد تموقع عددي داخل البرلمان، بل ستكون مطالبة بتقديم بدائل ومراقبة الحكومة ومساءلتها حول الوعود التي حملتها الانتخابات.
وبينما تترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه الساعات المقبلة من مشاورات واتصالات، يبدو واضحاً أن انتخابات 23 شتنبر انتقلت من مرحلة النتائج والأرقام إلى مرحلة أكثر تعقيداً: مرحلة ترجمة الخريطة الانتخابية إلى حكومة وأغلبية وبرلمان جديد.
وعليه، فإن عشاءات واجتماعات البرلمانيين الجدد مساء اليوم تحمل في خلفيتها سؤالاً واحداً يطغى على باقي الأسئلة: كيف ستتحول نتائج صناديق الاقتراع إلى أغلبية حكومية مستقرة وبرلمان قادر على مواكبة المرحلة الجديدة؟
فغداً الجمعة، ومع افتتاح جلالة الملك محمد السادس الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، لن يكون المشهد مجرد بداية لولاية برلمانية جديدة، بل سيكون إعلاناً عملياً عن دخول الحياة السياسية المغربية مرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر، بما تحمله من رهانات على الحكومة المقبلة، وعلى الأغلبية، وعلى قدرة البرلمان الجديد على الاستجابة للانتظارات التي حملها الناخبون إلى صناديق الاقتراع.






