فرنسا أمام غضب شبابي يتوسع.. احتجاجات الثانويات تصل إلى الجامعات وتضع حكومة لوكورنو أمام اختبار اجتماعي وسياسي

دخلت موجة الاحتجاجات التي تقودها فئة واسعة من تلاميذ الثانويات في فرنسا مرحلة جديدة، بعدما تحولت التعبئة، الثلاثاء 6 أكتوبر، إلى موعد وطني شهد تحركات ووقفات وإغلاقات لعدد كبير من المؤسسات التعليمية، بالتزامن مع انضمام طلبة الجامعات ونقابات تعليمية وأسر إلى الحراك، في تطور ينقل القضية من احتجاجات مدرسية متفرقة إلى أزمة اجتماعية وسياسية أوسع تواجه حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو.
وتشير المعطيات المنشورة الثلاثاء إلى أن نحو 590 ثانوية من أصل قرابة 3700 مؤسسة شهدت اضطرابات أو أشكالا من التعطيل يوم الاثنين، قبل أن تتسع التعبئة في اليوم الوطني الجديد، فيما أعلنت الحركة الطلابية أن 18 جامعة كانت مغلقة الاثنين من أصل نحو 30 موقعا جامعيا شهد تحركات احتجاجية.
وتتزامن هذه التطورات مع مسيرات في عدد من المدن الفرنسية الكبرى، بينها باريس وليون ومرسيليا ونانت وستراسبورغ، وسط استعداد أمني مكثف تحسبا لتحول بعض التحركات إلى مواجهات، خصوصا بعدما شهدت الأيام الماضية أحداثا عنيفة خلفت إصابات خطيرة.
من احتجاجات الثانويات إلى جبهة تعليمية أوسع
ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال الحركة من مستوى الاحتجاج داخل المؤسسات الثانوية إلى محاولة بناء تقاطع بين التلاميذ والطلبة والعاملين في قطاع التعليم. وقد انضمت ست نقابات من أصل سبع نقابات تمثل العاملين في التعليم إلى دعوات التعبئة، كما التحقت بها اتحادات طلابية ومنظمات تمثل أسر التلاميذ.
وفي تطور لافت، أطلقت منظمات طلابية وتلاميذية منصة مشتركة تتضمن عشر مطالب عاجلة، في محاولة لتوحيد مطالب الحركة وإعطائها إطارا أكثر وضوحا في مواجهة الحكومة.
وتشمل المطالب زيادة الموارد المخصصة للمؤسسات التعليمية، وتحسين البنيات والتجهيزات، وتوظيف مزيد من المدرسين والعاملين في الصحة والتوجيه، وإعادة النظر في الإيقاع الدراسي، وتوسيع القدرة الاستيعابية للتعليم العالي، إلى جانب مطالب مرتبطة بنظام الولوج إلى الجامعات ومنصة التوجيه والقبول.
وهذا التحول مهم، لأن الحركة لم تعد تقتصر على مشكلة نقص المدرسين، وإنما بدأت تطرح سؤالا أوسع حول مستقبل المدرسة والجامعة ومدى قدرة الدولة على توفير تعليم عمومي ذي جودة ومتساوٍ بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.
غضب بدأ من المدارس ووصل إلى قلب النقاش السياسي
انطلقت الموجة الحالية في سبتمبر من منطقة كريتاي بضواحي باريس، قبل أن تنتشر تدريجيا إلى مؤسسات أخرى، مدفوعة بشكاوى مرتبطة بنقص المدرسين، والاكتظاظ، وتدهور بعض البنيات المدرسية، وصعوبة تعويض المدرسين الغائبين، فضلا عن ضغط الدراسة والقلق المرتبط بمستقبل التلاميذ في التعليم العالي.
ومع اتساع الحركة، بدأت تظهر شعارات تتجاوز المطالب التعليمية المباشرة، خصوصا تلك المرتبطة بالعدالة الاجتماعية والخوف على المستقبل والانتقال إلى الجامعة، وهو ما جعل بعض المراقبين يربطون بين الاحتجاجات وبين حالة أوسع من عدم الرضا لدى جزء من الشباب الفرنسي.
وقد رصدت وسائل إعلام فرنسية خلال الاحتجاجات شعارات مرتبطة أيضا بمخاوف من المستقبل وبالفوارق في فرص التعليم، بينما يؤكد عدد من المشاركين أن القضية الأساسية بالنسبة إليهم تظل تحسين ظروف الدراسة والحصول على الموارد اللازمة داخل المؤسسات.
إصابة تلميذ في الخامسة عشرة ترفع مستوى التوتر
وتلقي المواجهات التي رافقت بعض التحركات بظلال ثقيلة على المشهد، خصوصا بعد إصابة تلميذ يبلغ 15 عاما في مدينة لانس شمال فرنسا إصابة بالغة أدت إلى فقدانه إحدى يديه.
وبحسب ما نقلته رويترز عن السلطات المحلية والصحافة المحلية، وقع الحادث خلال الاحتجاجات، بينما فتحت السلطات تحقيقا لتحديد ملابساته الدقيقة، مع اختلاف المعطيات بشأن ظروف الإصابة والمسؤوليات المرتبطة بها.
وتزامن ذلك مع ارتفاع كبير في عدد الموقوفين منذ بداية الحركة، حيث تحدثت تقارير الثلاثاء عن أكثر من ستة آلاف توقيف، معظمهم من القاصرين، وهو رقم يعكس حجم التوتر الذي بات يحيط بالاحتجاجات، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع الموقوفين متورطون في أعمال عنف، إذ تشمل الأرقام عمليات توقيف مرتبطة بمجريات الاحتجاجات والتحقيقات الجارية.
لوكورنو أمام معادلة صعبة
أمام هذا التصعيد، حاول رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو فتح مسار للاستجابة لبعض المطالب، إذ طلب من أعضاء حكومته إعداد مقترحات قبل نهاية أكتوبر تتعلق، خصوصا، بتعويض المدرسين الغائبين، وتنظيم اليوم الدراسي وتحسين وضع المؤسسات التعليمية.
لكن قدرة الحكومة على تقديم استجابة واسعة تصطدم بوضع مالي صعب وبضغوط مرتبطة بالعجز والدين العام، وهو ما يجعل أي زيادة كبيرة في الإنفاق العمومي محل نقاش سياسي ومالي داخل البلاد.
وتكتسب المسألة حساسية أكبر بسبب توقيتها، إذ تأتي الاحتجاجات قبل أشهر من الاستحقاق الرئاسي الفرنسي، الأمر الذي يجعل الحكومة مطالبة بإدارة ملف اجتماعي متحرك من دون أن يتحول إلى أزمة سياسية أوسع.
اليسار حاضر.. لكن الحركة لا تزال أوسع من الأحزاب
دخلت القوى السياسية الفرنسية على خط الأزمة، خصوصا من جانب اليسار، حيث أعلنت قوى مثل حزب فرنسا الأبية دعمها للتحركات، بينما تتهم الحكومة وأطراف من اليمين بعض القوى السياسية بمحاولة استثمار غضب الشباب، وهي اتهامات ترفضها هذه القوى.
غير أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الحركة نشأت أساسا من داخل المؤسسات التعليمية ومن المطالب المرتبطة بظروف الدراسة، قبل أن تحاول التنظيمات الطلابية والنقابية توحيدها وإعطائها إطارا وطنيا.
وهنا تكمن حساسية الوضع بالنسبة للحكومة: فكلما بقيت المطالب محصورة في المدرسة والجامعة، يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة قطاعية؛ أما إذا نجحت في جذب ملفات اجتماعية أخرى والنقابات وشرائح شبابية واسعة، فقد تتحول إلى مساحة تجمع احتجاجات متعددة.
يوم 6 أكتوبر يرسم الاتجاه المقبل
وتعتبر تعبئة الثلاثاء محطة أساسية لقياس قدرة الحركة على الاستمرار، بعدما انتقلت من احتجاجات محلية إلى تعبئة وطنية شاركت فيها الثانويات والجامعات والعاملون في التعليم.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن المظاهرات بدأت في عدد من المدن بشكل سلمي، فيما سجلت مواجهات محدودة في مناطق أخرى، في وقت شهدت باريس انتشارا أمنيا قويا استعدادا للمسيرة الرئيسية.
وبين مطالب تتعلق بالمدرسة والجامعة، وضغط مالي يحد من قدرة الحكومة على الإنفاق، وتصاعد سياسي قبل الانتخابات الرئاسية، تجد حكومة لوكورنو نفسها أمام ملف لم يعد قابلا للاختزال في مجرد إغلاق بعض الثانويات.
فالمسألة المطروحة حاليا تتعلق بمدى قدرة الدولة الفرنسية على احتواء غضب جزء من شبابها قبل أن تتسع دائرة المطالب وتتداخل مع أزمات اجتماعية أخرى. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن الحركة ستتراجع بعد تعبئة 6 أكتوبر، فيما يظل مسارها خلال الأيام والأسابيع المقبلة مرتبطا بقدرة الحكومة على تقديم إجراءات ملموسة وبقدرة المنظمين على الحفاظ على وحدة الحركة وطابعها الاحتجاجي.






