القنب الهندي أمام أول اختبار للحكومة الجديدة.. هل حان وقت تغيير قيادة الوكالة وفتح ملفات الرخص والمستحقات؟

بعد سنوات من دخول مشروع تقنين الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي حيز التنفيذ، انتقلت التجربة المغربية إلى مرحلة جديدة لم يعد فيها النقاش مقتصراً على بناء الإطار القانوني وإصدار التراخيص وتنظيم عملية الزراعة، وإنما أصبح مرتبطاً بمدى قدرة المنظومة على تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في الأقاليم المعنية بهذا الورش، وفي مقدمتها تاونات والحسيمة وشفشاون.
فالمشروع الذي أطلقته الدولة بهدف إدماج المزارعين في إطار قانوني منظم، وتطوير استعمالات القنب الهندي الطبية والصناعية والتجميلية، وتحقيق قيمة مضافة لفائدة المناطق المنتجة، بدأ يراكم حصيلة مهمة على مستوى الإنتاج وعدد التراخيص والفاعلين، لكنه يواجه في المقابل تحديات مرتبطة بالتسويق، واستقرار العلاقات التعاقدية، ومواكبة الفلاحين والتعاونيات، وهي ملفات أصبحت تستحق نقاشاً مؤسساتياً أكثر عمقاً مع انتقال التجربة إلى مرحلة النضج.
وتكشف آخر الحصيلة الرسمية المعلنة عن توسع واضح في النشاط القانوني، إذ بلغ إنتاج المادة الجافة من القنب الهندي خلال موسم 2025 نحو 19 ألفاً و576 قنطاراً، مقابل 18 ألفاً و810 قناطير سنة 2024، فيما بلغ عدد التراخيص النشيطة 5765 ترخيصاً، من بينها 5492 ترخيصاً للزراعة لفائدة 5318 فلاحاً، إضافة إلى 273 ترخيصاً لأنشطة التحويل والتسويق والتصدير واستيراد البذور والنقل لفائدة 183 فاعلاً.
وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق التجربة وانتقالها تدريجياً من مرحلة التأسيس إلى مرحلة بناء سلسلة اقتصادية أكثر تنظيماً، غير أن ارتفاع الإنتاج وعدد الرخص لا يمثل وحده مؤشراً كافياً للحكم على نجاح المشروع، لأن المعيار الأساسي يبقى في مدى استفادة الفلاحين والتعاونيات من هذه المنظومة وقدرتها على ضمان سوق مستقرة وعائد اقتصادي منتظم.
الفلاح في قلب المعادلة
منذ إطلاق مشروع التقنين، ظل إدماج المزارعين الصغار وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية أحد الأهداف الأساسية التي ارتبطت به، وهو ما يجعل وضعية الفلاح مؤشراً رئيسياً لقياس مدى تحقق الغايات التنموية للورش.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الماضية شكايات مرتبطة بتأخر صرف مستحقات بعض التعاونيات والمزارعين في إقليم تاونات، بعدما تحدثت تعاونيات عن عدم توصلها بمبالغ مالية مرتبطة بمحاصيل تم تسليمها للشركات المتعاقدة معها في إطار المنظومة القانونية. كما وصل الموضوع إلى المؤسسة التشريعية، حيث وُجه سؤال كتابي إلى وزير الداخلية حول الحقوق القانونية والمادية والتجارية للمزارعين والفلاحين الصغار المنخرطين في مشروع التقنين بإقليم تاونات.
ولا يعني تسجيل هذه الشكايات الحكم مسبقاً على المنظومة أو تحميل جهة بعينها مسؤولية الوضع، خصوصاً أن العلاقة بين التعاونيات والشركات تخضع أيضاً لعقود والتزامات تجارية محددة، وإنما يبرز الحاجة إلى إيجاد آليات أكثر فعالية للوساطة والتتبع وضمان احترام الالتزامات التعاقدية، بما يحافظ على ثقة المنتجين في المسار القانوني.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الفلاح الذي اختار الانخراط في المنظومة القانونية أصبح مرتبطاً بشروط محددة تتعلق بالزراعة والإنتاج والتسليم والقنوات المعتمدة، وبالتالي فإن استقرار السوق وانتظام المعاملات التجارية يشكلان جزءاً أساسياً من نجاح التجربة.
من الرخص إلى الاستثمار الفعلي
المرحلة المقبلة تفرض أيضاً الانتقال من التركيز على عدد الرخص إلى تقييم ما تحقق فعلياً بعد الحصول عليها.
فالوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي أصبحت تضطلع بدور مركزي في تنظيم القطاع ومراقبة الأنشطة المرتبطة به، فيما توسعت دائرة الفاعلين لتشمل الزراعة والتحويل والتسويق والتصدير والنقل واستيراد البذور.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة الاقتصادية المشروعة: كم من المشاريع المرخصة دخل فعلياً مرحلة الإنتاج؟ وما حجم الاستثمارات التي تم إنجازها على أرض الواقع؟ وما القيمة المضافة التي تم خلقها داخل المناطق المنتجة؟ وكم من المنتجات تحولت إلى نشاط تجاري مستدام قادر على خلق فرص شغل ودخل مستقر؟
وهي أسئلة لا تحمل في حد ذاتها أي حكم مسبق، لكنها أصبحت ضرورية لتقييم التجربة بعد انتقالها من مرحلة التأسيس إلى مرحلة بناء صناعة متكاملة.
فالغاية من التقنين لا تتمثل فقط في نقل النشاط من الإطار غير المنظم إلى الإطار القانوني، وإنما في خلق سلسلة إنتاجية تبدأ من الفلاح وتنتهي بمنتجات ذات قيمة مضافة في السوق الوطنية والدولية.
الرخص والمراقبة.. الحاجة إلى مزيد من المعطيات
تؤكد الحصيلة الرسمية أن الوكالة قامت بعمليات مراقبة واسعة للأنشطة المرتبطة بالقطاع، وهو ما يعكس انتقال المنظومة إلى مرحلة تتطلب تتبعاً مستمراً لاحترام القواعد القانونية والتنظيمية.
غير أن المرحلة المقبلة قد تحتاج إلى تعزيز نشر المعطيات التفصيلية حول مختلف مراحل منح الرخص، ليس بهدف التشكيك في المساطر المعتمدة، وإنما لتوفير صورة أكثر وضوحاً أمام الفلاحين والمستثمرين والرأي العام حول طبيعة القطاع وتطوره.
وتشمل هذه المعطيات، على سبيل المثال، توزيع الرخص حسب نوع النشاط، وعدد المشاريع التي انتقلت من مرحلة الترخيص إلى الإنتاج، وحجم الاستثمارات المنجزة، وعدد فرص الشغل المحدثة، وحجم المنتجات المسوقة والمصدرة، إضافة إلى حالات سحب أو عدم تجديد التراخيص وأسبابها القانونية.
وقد أعلنت الوكالة بالفعل عن عمليات مراقبة وسحب تراخيص في إطار صلاحياتها التنظيمية، وهو ما يؤكد أن القطاع أصبح يخضع لمنظومة متابعة وتقييم. لكن نشر معطيات أكثر تفصيلاً حول هذه العمليات من شأنه أن يعزز وضوح الرؤية ويقوي الثقة في المنظومة.
التعاونيات تحتاج إلى مواكبة أقوى
تظل التعاونيات إحدى الحلقات الأساسية في مشروع التقنين، لأنها تمثل حلقة الوصل بين المزارعين والشركات وباقي مكونات السلسلة الاقتصادية.
ومن ثم، فإن تطوير القطاع لا يرتبط فقط بتوفير التراخيص، وإنما أيضاً بقدرة التعاونيات على التفاوض والتعاقد والتدبير المالي والتسويق، وعلى حماية مصالح أعضائها في إطار القانون.
وتبرز هنا أهمية تعزيز المواكبة التقنية والقانونية والإدارية للتعاونيات، وتوفير آليات واضحة لمعالجة النزاعات التجارية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتأخر الأداء أو اختلاف الأطراف حول شروط تنفيذ العقود.
وقد أظهرت الشكايات التي ظهرت في تاونات أن هذا الجانب يحتاج إلى اهتمام أكبر، خصوصاً بعدما لجأت بعض التعاونيات إلى مراسلة الشركات المتعاقدة معها للمطالبة بمستحقاتها، في ملف وصل كذلك إلى البرلمان من خلال أسئلة كتابية.
الحكومة الجديدة أمام فرصة لتقييم التجربة
مع تشكيل الحكومة الجديدة، يمكن لملف تقنين القنب الهندي أن يدخل مرحلة جديدة من التقييم، ليس من منطلق تغيير الأشخاص، وإنما من منطلق قياس النتائج وتحديد نقاط القوة ومكامن الصعوبة.
وتندرج الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي ضمن المؤسسات التي سيكون أداؤها محل متابعة بحكم الدور المركزي الذي تضطلع به في تنظيم القطاع ومواكبته.
وبخصوص المدير العام محمد الكروج، فإن أي حديث عن إعفائه أو تغييره يظل، في غياب قرار رسمي معلن، مجرد احتمال سياسي أو إداري لا يمكن التعامل معه كخبر مؤكد. والأهم من اسم المسؤول هو تقييم حصيلة المؤسسة والوقوف على مدى تحقيقها للأهداف التي أنشئت من أجلها.
فإذا قررت الحكومة الجديدة الإبقاء على القيادة الحالية، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تشكل فرصة لتقديم حصيلة أكثر تفصيلاً حول مسار التقنين، خصوصاً في ما يتعلق بالتسويق، والاستثمار، والتعاونيات، ومكانة الفلاح داخل سلسلة القيمة.
وإذا اتخذت قراراً آخر بشأن القيادة، فإن المنطق المؤسساتي يقتضي أن يكون ذلك مبنياً على تقييم واضح للأداء والنتائج، وليس مجرد تغيير إداري منفصل عن حصيلة التجربة.
المطلوب تقييم مؤسساتي شامل
بعد اتساع الإنتاج وارتفاع عدد التراخيص وتزايد عدد الفاعلين، تبدو الحاجة قائمة إلى تقييم مؤسساتي شامل للتجربة منذ انطلاقها، يشمل الإطار القانوني، ومساطر الترخيص، ووضعية الفلاحين، ودور التعاونيات، والاستثمار، والتحويل، والتسويق، والتصدير، وآليات المراقبة.
ومن شأن مثل هذا التقييم أن يوفر صورة دقيقة عن القطاعات التي حققت تقدماً وعن المجالات التي ما زالت تحتاج إلى تدخل أو تعديل.
كما يمكن أن يجيب عن عدد من الأسئلة التي أصبحت مطروحة بشكل طبيعي بعد سنوات من التنزيل: هل استفاد الفلاح الصغير بالقدر المتوقع؟ هل أصبحت التعاونيات أكثر قدرة على الاستمرار؟ هل نجحت الاستثمارات المرخصة في خلق صناعة حقيقية؟ وهل تمكن المغرب من الانتقال من إنتاج المادة الخام إلى بناء منتجات ذات قيمة مضافة قادرة على المنافسة؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية ما تحقق، بل تعكس انتقال المشروع إلى مرحلة جديدة تتطلب مؤشرات أكثر دقة من مجرد أعداد الرخص والإنتاج.
النجاح يقاس بالأثر على الأرض
إن تجربة تقنين القنب الهندي في المغرب دخلت مرحلة لم يعد فيها نجاحها مرتبطاً فقط بقدرة الدولة على تنظيم النشاط، وإنما بقدرتها على تحويل هذا التنظيم إلى أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
وإذا كان ارتفاع الإنتاج وعدد الرخص يمثلان مؤشرين على توسع النشاط القانوني، فإن المؤشرات الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بدخل الفلاح، واستدامة التعاونيات، وحجم الاستثمار المنتج، وعدد فرص الشغل، وتطور المنتجات المصنعة، وقدرة القطاع على الوصول إلى الأسواق الوطنية والدولية.
ومن هنا، فإن الحكومة الجديدة أمام فرصة لتحويل المرحلة المقبلة إلى محطة تقييم هادئة وشفافة، تستند إلى الأرقام والمعطيات الميدانية، وتستمع إلى الفلاحين والتعاونيات والمستثمرين، وتحدد مكامن القوة والصعوبات التي تحتاج إلى معالجة.
أما مستقبل قيادة الوكالة، فينبغي أن يبقى جزءاً من هذا التقييم المؤسساتي، لا أن يتحول إلى محور النقاش الوحيد، لأن جوهر المشروع يتجاوز الأشخاص إلى بناء منظومة قانونية واقتصادية مستدامة.
وفي النهاية، فإن نجاح تقنين القنب الهندي لن يقاس فقط بما تم إنتاجه أو بعدد الرخص التي تم منحها، وإنما بمدى قدرة هذا الورش على تحقيق الغاية الأساسية منه: إدماج الفلاحين في اقتصاد قانوني منظم، وتحويل مورد محلي إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وضمان استفادة مستدامة للمناطق التي احتضنت هذه التجربة منذ بدايتها.






