المغرب وإسرائيل يطويان مرحلة مكاتب الاتصال.. سفارات وسفراء واتفاقات اقتصادية وملفات استراتيجية تحت المظلة الأمريكية

دخلت العلاقات المغربية الإسرائيلية مرحلة جديدة بعد الاتفاق المعلن في نيويورك على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين من مكاتب اتصال إلى سفارات كاملة، مع التحضير لتبادل السفراء، في خطوة جاءت بحضور أمريكي مباشر وفتحت الباب أمام إعادة ترتيب عدد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية التي ظلت حاضرة في مسار العلاقات منذ استئنافها سنة 2020.
وجاء الإعلان عقب لقاء ثلاثي جمع وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، حيث اتفق الأطراف على الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية، وتوسيع الرحلات الجوية المباشرة، وتنظيم زيارات رفيعة المستوى، إلى جانب العمل على إبرام اتفاقين اقتصاديين جديدين قبل نهاية سنة 2026، يتعلق أحدهما بحماية الاستثمارات والآخر بتفادي الازدواج الضريبي.
ولا تبدو هذه الخطوة منفصلة عن المسار الذي بدأ في دجنبر 2020، عندما وقعت الرباط وواشنطن وتل أبيب إعلاناً ثلاثياً أعاد العلاقات المغربية الإسرائيلية، بالتزامن مع إعلان الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء. وقد نص الإعلان الثلاثي على استئناف العلاقات الدبلوماسية، وإعادة فتح مكاتب الاتصال، وتطوير التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطيران وغيرها.
غير أن محطة نيويورك الحالية تختلف عن بداية المسار؛ فالمغرب وإسرائيل ينتقلان من مرحلة التمثيل عبر مكاتب الاتصال إلى مستوى السفارات، بما يعني إضفاء طابع مؤسساتي أكثر وضوحاً على العلاقات الثنائية. كما أن الاتفاق الجديد لا يقف عند الجانب الدبلوماسي، بل يفتح ملفات اقتصادية وتجارية واستثمارية جديدة، فيما تتحدث المعطيات المعلنة عن توسيع الربط الجوي المباشر وإطلاق زيارات رفيعة المستوى بين البلدين.
وتكتسب الخطوة أهمية إضافية بسبب الدور الأمريكي في رعايتها. فواشنطن لم تكن مجرد طرف حاضر في المشهد، وإنما احتضنت عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة اللقاء الذي جمع بوريطة وساعر، في سياق يؤكد استمرار الدور الأمريكي في ربط المسار المغربي الإسرائيلي بالإطار الذي تأسس سنة 2020.
ومن الجانب المغربي، تظل قضية الصحراء حاضرة في الخلفية الاستراتيجية لهذا المسار. فالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء شكل أحد أبرز عناصر إعلان 2020، فيما استمر الموقف الأمريكي المؤيد لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً للحل وفق الإعلان الأمريكي الصادر آنذاك.
وعلى المستوى الأممي، عرف الملف تطوراً مهماً خلال سنة 2025، عندما اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء إلى 31 أكتوبر 2026، ودعا إلى استئناف المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف ومتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة ويتضمن تقرير المصير. وصوتت لصالح القرار 11 دولة، فيما امتنعت ثلاث دول، ولم يصوت أي عضو ضده.
ومن هنا تبرز أهمية الأشهر المقبلة، خصوصاً مع اقتراب موعد انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة في أكتوبر 2026. لكن من الضروري التمييز بين ما هو مؤكد وما يتم تداوله دبلوماسياً؛ فلا يوجد حتى الآن قرار أممي جديد معلن يحدد مسبقاً مضمون القرار المقبل، كما لا يمكن الجزم بأن واشنطن ستدفع بصيغة بعينها قبل ظهور مشروع القرار والتوافقات داخل مجلس الأمن.
في المقابل، تتجاوز أجندة العلاقة الجديدة الجانب الدبلوماسي. فالمعطيات المنشورة حول لقاء نيويورك تشير بوضوح إلى أن التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري أصبح أحد محاور المرحلة المقبلة، فيما تتحدث مصادر صحفية ودبلوماسية عن وجود ملفات أمنية ودفاعية وتكنولوجية ضمن النقاش الأوسع بين الرباط وتل أبيب.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب الذي يعمل خلال السنوات الأخيرة على تطوير منظومته الصناعية الدفاعية، وتقليص الاعتماد على الاستيراد المباشر في بعض المجالات، وجذب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا والخبرات إلى المملكة. غير أن ما يتعلق بصفقات دفاعية جديدة أو مشاريع محددة للتصنيع العسكري مع إسرائيل يظل، في حدود المعطيات الرسمية المنشورة بشأن اتفاق نيويورك، غير مفصل في الإعلان العلني، ولذلك فإن هذه الملفات ينبغي التعامل معها باعتبارها معطيات متداولة أو منسوبة إلى مصادر، وليس باعتبارها اتفاقات معلنة بشكل نهائي.
أما اقتصادياً، فإن الانتقال إلى اتفاقات تتعلق بحماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي يمكن أن يمنح العلاقات الثنائية إطاراً أكثر استقراراً أمام الشركات والمستثمرين، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع توسيع الرحلات الجوية والزيارات الرسمية. وقد أعلن الجانب الإسرائيلي أن البلدين يستهدفان إبرام الاتفاقين الاقتصاديين قبل نهاية السنة الجارية.
كما أن استئناف وتوسيع الرحلات المباشرة يمثل بعداً عملياً مهماً في المرحلة الجديدة، بالنظر إلى أن الطيران يشكل إحدى الأدوات الأساسية لتطوير السياحة والتبادل التجاري والزيارات العائلية والتواصل بين رجال الأعمال، وقد اتفق الطرفان على توسيع الرحلات لتشمل شركات الطيران المغربية، إلى جانب الرفع من مستوى الزيارات الرسمية.
وبذلك، فإن إعلان نيويورك لا يتعلق فقط بتغيير لافتات مكاتب الاتصال وتحويلها إلى سفارات، وإنما يؤشر إلى محاولة بناء إطار مؤسساتي أوسع للعلاقات المغربية الإسرائيلية. السفارات تعني تمثيلاً دبلوماسياً كاملاً، والسفراء يعنيون قناة سياسية دائمة، والاتفاقات الاقتصادية تفتح المجال أمام علاقات أكثر انتظاماً، بينما يظل التعاون الأمني والتكنولوجي والدفاعي أحد الملفات التي تحظى باهتمام كبير في مسار العلاقات.
وتأتي هذه التطورات في ظرف إقليمي شديد الحساسية، ما يجعل الرباط أمام معادلة دبلوماسية دقيقة: تطوير علاقاتها الدولية ومصالحها الاستراتيجية من جهة، والحفاظ على مواقفها المعلنة بشأن القضية الفلسطينية من جهة أخرى. وقد ظلت الرباط تؤكد رسمياً في مختلف المناسبات تمسكها بحل الدولتين وبقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن الناحية السياسية، فإن انتقال العلاقات إلى مستوى السفارات يمثل أقوى خطوة مؤسساتية منذ استئنافها سنة 2020. فالمرحلة الأولى قامت على مكاتب اتصال وتعاون متدرج، بينما تضع ترتيبات نيويورك البلدين أمام مرحلة أكثر وضوحاً من حيث طبيعة التمثيل وآليات التواصل.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن استمرار رعايتها لهذا المسار يؤكد أن الاتفاق المغربي الإسرائيلي ما يزال مرتبطاً، في جزء مهم منه، بالدور الأمريكي الذي كان حاضراً في ولادته سنة 2020 وحاضراً اليوم في محطة الانتقال إلى السفارات. وقد وصف السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة الاتفاق بأنه خطوة في اتجاه تعميق التعاون في الأمن والتجارة والاندماج الإقليمي، مؤكداً استمرار الدور الأمريكي في دعم المسار.
وبينما تترقب المنطقة ما ستؤول إليه المفاوضات المرتبطة بقضية الصحراء خلال المرحلة المقبلة، فإن المغرب يدخل هذه المرحلة وهو يستند إلى قرار مجلس الأمن 2797 الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات، مع إبقاء الهدف النهائي في إطار حل سياسي متوافق عليه. وسيكون أكتوبر 2026 محطة أممية مهمة بسبب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة، لكن مضمون أي قرار مقبل سيظل رهيناً بمسار المشاورات داخل مجلس الأمن وبنتائج المفاوضات السياسية.
وهكذا، فإن ما بدأ سنة 2020 بإعادة العلاقات وفتح مكاتب الاتصال ينتقل في شتنبر 2026 إلى مرحلة مختلفة تماماً: سفارات وسفراء، رحلات جوية مباشرة، اتفاقات اقتصادية جديدة، زيارات سياسية رفيعة المستوى، ومسارات تعاون أوسع في التكنولوجيا والأمن والدفاع.
ويبقى السؤال الأكبر مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المرحلة ستتوقف عند تطوير العلاقات الثنائية، أم ستتحول إلى إطار استراتيجي أوسع تتقاطع داخله الدبلوماسية والاقتصاد والأمن والصناعة والملف الأممي للصحراء. المؤكد حتى الآن أن اتفاق نيويورك نقل العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى مؤسساتي جديد، وأن واشنطن حافظت على موقعها كطرف رئيسي في هذا المسار.






