سياسة

من “فوضى التأثير الرقمي” إلى سقف 5 ملايين درهم… وزارة الداخلية تعيد هندسة تمويل الحملات الانتخابية وضبط قواعد المنافسة السياسية

تتجه وزارة الداخلية نحو إعادة صياغة شاملة لقواعد تمويل الحملات الانتخابية بالمغرب، عبر مشروع مرسوم جديد يروم وضع إطار قانوني دقيق لاستخدام الوسائل الرقمية والذكاء الاصطناعي في التنافس الانتخابي، مع تحديد سقف صارم لمصاريف الحملات لا يتجاوز خمسة ملايين درهم لكل حزب سياسي، في خطوة تعكس تحوّلاً عميقاً في فلسفة تدبير العملية الانتخابية، من مجرد ضبط مالي تقليدي إلى محاولة مباشرة لتقنين “اقتصاد التأثير الرقمي” الذي أصبح يشكل أحد أبرز محددات السلوك الانتخابي.

ويأتي هذا المشروع، الذي يهدف إلى مراجعة المرسوم رقم 2.16.667 الصادر سنة 2016، في سياق وطني ودولي يتسم بتسارع غير مسبوق في التحولات الرقمية، حيث لم تعد الحملات الانتخابية تعتمد على الوسائل التقليدية وحدها، بل أصبحت ترتكز بشكل متزايد على المنصات الاجتماعية، وتقنيات الاستهداف الدقيق، وإنتاج المحتوى السريع، بل وحتى توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في صياغة الرسائل السياسية وتوجيهها نحو فئات محددة من الناخبين.

وفي هذا الإطار، يضع المشروع تصوراً جديداً لمفهوم “الوسائل الرقمية”، متجاوزاً التعريف التقليدي الضيق للأنترنيت، نحو مقاربة شمولية تشمل شبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات البث الرقمي، والتطبيقات التفاعلية، وأدوات التحليل الخوارزمي، وكل ما يرتبط بالبنية التكنولوجية الحديثة للتواصل السياسي، وهو تحول دلالي يعكس إدراكاً مؤسساتياً بأن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة دعائية، بل أصبح مجالاً قائماً بذاته لإنتاج التأثير السياسي وإعادة تشكيل الرأي العام.

ويهدف هذا التحديث التشريعي أيضاً إلى سد الثغرات التي كشفت عنها الاستحقاقات الانتخابية السابقة، خاصة انتخابات 2021، والتي أظهرت حدود المنظومة القانونية الحالية في تتبع النفقات المرتبطة بالأنشطة الرقمية، حيث ظلت هذه الأخيرة موزعة داخل بنود عامة للتواصل، دون إمكانية دقيقة للتمييز بين ما هو تقليدي وما هو رقمي، بما خلق هامشاً واسعاً من الغموض المحاسبي.

ومن بين أبرز المستجدات التي يحملها المشروع، اعتماد آليات صارمة لتتبع تدفقات الدعم العمومي الموجه للحملات، من خلال حصر وسائل الأداء في القنوات البنكية أو البريدية، بما يعزز الشفافية المالية ويحد من أي مسارات غير قابلة للتتبع، في محاولة لإرساء منطق جديد يقوم على ضبط دقيق لحركة الأموال داخل العملية الانتخابية وربطها بمسؤوليات قانونية واضحة.

كما يقترح النص التنظيمي الجديد سقفاً إجمالياً لمصاريف الحملات الانتخابية الرقمية محدداً في خمسة ملايين درهم لكل حزب، وهو إجراء يحمل بعداً سياسياً واضحاً، إذ يروم تقليص الفوارق بين الفاعلين السياسيين، والحد من تأثير القدرة المالية على موازين التنافس، في ظل ارتفاع كلفة الإعلانات الممولة وآليات الاستهداف الرقمي التي أصبحت تشكل عبئاً مالياً كبيراً على الفاعلين السياسيين.

ويأتي هذا التوجه في سياق إدراك متزايد لدى صناع القرار بأن “عدم تكافؤ الفرص الرقمية” بات يشكل أحد أهم تحديات العدالة الانتخابية، حيث يمكن للتمويل الواسع أن يتحول إلى أداة حاسمة في توجيه الرأي العام عبر فضاء رقمي مفتوح، تحكمه الخوارزميات وتتحكم فيه منصات عابرة للحدود، بما يجعل ضبطه بالكامل أمراً بالغ التعقيد.

وتشير معطيات مرتبطة بتجربة انتخابات 2021 إلى أن التحول نحو الرقمنة الكاملة للحملات الانتخابية قد غيّر جذرياً طبيعة المنافسة السياسية، حيث ارتفع الاعتماد على المحتوى الرقمي بمختلف أشكاله، من الفيديوهات القصيرة إلى البث المباشر والحوارات التفاعلية، في وقت لم يكن فيه الإطار القانوني قد تطور بالسرعة نفسها، ما خلق فجوة واضحة بين الواقع العملي والتنظيم التشريعي.

وفي هذا السياق، برزت ديناميات سياسية جديدة اعتمدت بشكل كبير على التواصل الرقمي المكثف والحضور الافتراضي المستمر، ما ساهم في إعادة تشكيل أنماط التأثير السياسي، رغم صعوبة قياس هذا التأثير بدقة داخل الوثائق المحاسبية الرسمية، بسبب غياب تصنيف مستقل للإنفاق الرقمي واندماجه داخل بنود تواصلية عامة.

كما كشفت تلك المرحلة عن بروز ما يمكن وصفه بـ”الظل الرقمي” للحملات الانتخابية، والمتمثل في المحتوى غير المباشر، والصفحات الداعمة، وحملات الترويج غير المعلنة، وهي عناصر ظلت خارج نطاق الضبط المالي التقليدي، لكنها لعبت دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الانتخابي.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن مشروع المرسوم الجديد لا يقتصر على تعديل تقني في قواعد التمويل، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف قواعد المنافسة السياسية نفسها، في سياق انتقال تدريجي من السياسة التقليدية إلى السياسة الرقمية، حيث يصبح التحكم في تدفق المعلومات، وليس فقط في الموارد المالية، عنصراً مركزياً في إعادة إنتاج التوازنات الانتخابية.

وبذلك، فإن تحديد سقف الإنفاق في خمسة ملايين درهم، وتوسيع تعريف الوسائل الرقمية، وفرض آليات تتبع أكثر صرامة، كلها عناصر تشير إلى توجه واضح نحو استعادة زمام المبادرة التنظيمية في مواجهة واقع رقمي سريع التطور، بات فيه التأثير السياسي أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للضبط بالأدوات الكلاسيكية.

إنها لحظة إعادة ترتيب قواعد اللعبة الانتخابية في المغرب، حيث لم يعد السؤال مرتبطاً فقط بتمويل الحملات، بل بقدرة القانون على مواكبة التحولات العميقة التي أعادت تشكيل مفهوم التأثير السياسي ذاته، في زمن أصبحت فيه الخوارزميات لاعباً خفياً في قلب المعادلة الديمقراطية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى