سياسة

عين على الأحزاب بجهة فاس-مكناس.. حراك داخلي وترتيبات مبكرة تحسباً للاستحقاقات المقبلة

تشهد الساحة السياسية بجهة فاس-مكناس حراكاً تنظيمياً متزايداً، مع تكثيف الأحزاب السياسية لاجتماعاتها الداخلية ولقاءاتها التواصلية على مستوى الفروع الجهوية والإقليمية والمحلية، في سياق يبدو أنه يتجاوز مجرد الاستعداد التنظيمي، ليعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وتتحرك عدد من التنظيمات السياسية بالجهة بوتيرة متسارعة لإعادة هيكلة فروعها وتقوية حضورها الميداني، فيما تنكب قيادات حزبية ومنتخبوها على عقد لقاءات متتالية مع القواعد والمنتسبين والفاعلين المحليين، بهدف تقييم الوضع التنظيمي ورصد مكامن القوة والضعف، إلى جانب استباق عدد من الملفات المرتبطة بالترشيحات والتحالفات واللوائح الانتخابية.

ولا يقتصر هذا الحراك على حزب واحد، بل بدأت معالمه تظهر داخل عدد من الأحزاب المنافسة، التي تبدو حريصة على إعادة ترتيب بيتها الداخلي قبل الدخول في مرحلة أكثر حساسية سياسياً. وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الحزبية إلى وجود نقاشات داخلية حول طبيعة الوجوه التي يمكن الدفع بها مستقبلاً، ومدى قدرتها على الحفاظ على التوازنات التنظيمية واستقطاب أصوات جديدة.

وتكتسي هذه التحركات أهمية خاصة بجهة فاس-مكناس، بالنظر إلى ثقلها الديمغرافي والسياسي وتنوع أقاليمها التسعة، وما تفرضه تركيبتها المجالية من رهانات مختلفة بين المدن الكبرى والمراكز المتوسطة والمناطق القروية والجبلية. وهو ما يجعل الأحزاب مطالبة، في المرحلة المقبلة، بتقديم مقاربات وبرامج تستجيب للخصوصيات المحلية بدل الاكتفاء بخطابات انتخابية عامة.

وفي هذا السياق، تحاول بعض التنظيمات تعزيز حضور الشباب والنساء داخل هياكلها، وفتح المجال أمام أطر جديدة وفاعلات جمعويات وفعاليات مدنية، في محاولة لتجديد الوجوه وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه مسألة تجديد النخب من أبرز الملفات المطروحة داخل عدد من الأحزاب، خصوصاً مع تنامي انتظارات فئات واسعة من الناخبين تجاه وجوه جديدة وبرامج أكثر ارتباطاً بالمشاكل اليومية.

غير أن هذا الحراك الداخلي لا يخلو من نقاشات وتباينات، إذ تعرف بعض التنظيمات السياسية نقاشات حول توزيع المسؤوليات داخل الفروع، وطريقة تدبير المرحلة المقبلة، ومعايير اختيار المرشحين، فضلاً عن التنافس الداخلي بين أسماء تسعى إلى تثبيت مواقعها وأخرى تبحث عن موطئ قدم داخل الخريطة السياسية الجديدة.

وتبقى طريقة تدبير هذه التباينات عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الأحزاب على خوض الاستحقاقات المقبلة بصفوف أكثر انسجاماً، خصوصاً أن الخلافات الداخلية، إذا لم تتم معالجتها في إطار المؤسسات الحزبية، يمكن أن تتحول إلى عامل مؤثر في الحضور الانتخابي والتنظيمي على المستوى المحلي.

وبالموازاة مع هذا الحراك، تراقب فعاليات من المجتمع المدني والوسط الاقتصادي بجهة فاس-مكناس التحركات الحزبية بعين مختلفة، إذ تنتظر أن تنتقل المنافسة السياسية من منطق ترتيب المواقع والبحث عن الترشيحات إلى مناقشة البرامج والحلول العملية للقضايا التي تؤرق السكان.

وتتصدر ملفات الاستثمار والتشغيل وتحسين الخدمات الأساسية وتقوية البنيات التحتية وتقليص الفوارق المجالية بين المدن والمناطق القروية قائمة الأولويات التي يفترض أن تحضر بقوة في النقاش السياسي المقبل، إلى جانب ملفات النقل والماء والتعمير والتعليم والصحة ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة.

وتؤكد أصوات محلية أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في عدد المرشحين أو حجم التحالفات، وإنما في قدرة الأحزاب على تقديم كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية واقتراح حلول قابلة للتنفيذ، خصوصاً في جهة تواجه تحديات تنموية متفاوتة بين أقاليمها.

ومن المنتظر أن تتسع دائرة هذا الحراك خلال الأسابيع المقبلة، مع اقتراب الاستحقاقات، لتنتقل الأحزاب تدريجياً من مرحلة الاجتماعات التنظيمية المغلقة إلى مرحلة أكثر وضوحاً في الإعلان عن اختياراتها ومرشحيها وبرامجها.

وفي انتظار ذلك، تظل جهة فاس-مكناس أمام مشهد سياسي قابل للتغيير، في ظل حراك داخلي داخل عدد من الأحزاب المنافسة، ومحاولات لإعادة ترتيب موازين القوى، فيما سيكون الناخب المحلي، في نهاية المطاف، أمام اختبار قدرة هذه التنظيمات على تحويل الحراك التنظيمي إلى مشاريع وبرامج تستجيب فعلياً لانتظارات السكان.

«عين على الأحزاب بجهة فاس-مكناس» سلسلة ترصد التحركات التنظيمية والسياسية داخل مختلف الأحزاب بالجهة، وتتابع إعادة ترتيب البيوت الداخلية، صعود الوجوه الجديدة، التنافس حول الترشيحات، والتحولات التي قد ترسم ملامح الخريطة السياسية المقبلة، بعيداً عن منطق الترويج الحزبي أو الانحياز لأي طرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى