سياسة

حين تتحول الصحافة إلى خصم سياسي.. أوزين يخرج من حرب المنابر إلى القضاء

لم يعد ما يجري بين محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، وإدريس شحتان، مجرد سجال عابر بين سياسي وناشر، ولا خلافاً مهنياً يمكن اختزاله في مقال هنا أو رد هناك، لأن طبيعة المواجهة ومدتها وطريقة إدارتها جعلت القضية تطرح سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بحدود العمل الصحفي عندما يتحول صاحبه من موقع المراقب إلى موقع الخصم، ومن ممارسة النقد إلى خوض معركة مفتوحة ضد شخص سياسي وحزب بأكمله. وإذا تأكد وضع الشكايات المرتقبة من طرف أوزين وامحند العنصر وحليمة، مع حفظ الألقاب، بداية الأسبوع المقبل، فإن ذلك سيعني أن المعركة التي ظلت تدور في فضاء المنابر الإعلامية والردود المتبادلة ستنتقل أخيراً إلى المكان الذي يفترض أن تحسم فيه مثل هذه النزاعات: القضاء. وهذه الخطوة، بعيداً عن كل التأويلات، تبدو أكثر مسؤولية من الاستمرار في منطق الرد على المنبر بالمنبر، لأن السياسي ليس مطالباً بأن يدخل في حرب إعلامية يومية مع ناشر، كما أن الصحافي ليس من حقه أن يتعامل مع منبره وكأنه محكمة مفتوحة تصدر الأحكام على الأشخاص والهيئات السياسية.

المشكلة هنا ليست في انتقاد أوزين، ولا في فتح ملفات مرتبطة بمساره السياسي أو الوزاري، ولا حتى في انتقاد الحركة الشعبية، لأن ذلك كله يدخل في صميم العمل الصحفي متى احترم الوثيقة والقانون وحق الرد، وإنما المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتقاد مساراً متواصلاً يستهدف الشخص ذاته، ويستحضر العائلة والمحيط والوقائع الشخصية والملفات القديمة في سياق يبدو أقرب إلى تصفية حساب منه إلى تحقيق صحفي. فالصحافة القوية لا تحتاج إلى تحويل خصمها إلى هدف يومي، ولا تحتاج إلى إعادة إنتاج المادة نفسها بأشكال مختلفة، ولا تحتاج إلى استنزاف السياسي في الردود حتى تثبت أنها مؤثرة. الصحافة القوية هي التي تقدم وثيقة وتطرح سؤالاً وتمنح المعني حق الرد ثم تترك للرأي العام والقضاء، عند الاقتضاء، مهمة الحكم. أما أن يتحول الخلاف بين شحتان وأوزين إلى حرب طويلة النفس، وأن يجد حزب سياسي نفسه مطالباً باستمرار بالدفاع عن أمينه العام وقياداته أمام سيل من المضامين، فهنا يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل عن الحدود التي تفصل بين ممارسة الصحافة وممارسة الخصومة السياسية عبر الصحافة.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه المواجهة لم تبق محصورة في شخص محمد أوزين، وإنما امتدت إلى الحركة الشعبية وقياداتها ورموزها، بما يجعل القضية تتجاوز خلافاً شخصياً إلى سؤال حول ما إذا كان المنبر الإعلامي قد تحول، عن قصد أو من دون قصد، إلى أداة ضغط على حزب سياسي في مرحلة حساسة من مساره. الحركة الشعبية ليست محمد أوزين وحده، كما أن محمد أوزين ليس الحركة الشعبية كلها، وبالتالي فإن تحويل الخلاف مع الأمين العام إلى مواجهة مع التنظيم وقياداته التاريخية يفتح الباب أمام قراءة سياسية مختلفة تماماً. فحين يصبح الحزب منشغلاً بالدفاع عن نفسه أمام الهجمات الإعلامية بدلاً من عرض مواقفه وبرامجه، وحين تصبح قياداته مطالبة بتوضيح كل عنوان وكل اتهام وكل مادة، فإن النتيجة السياسية الموضوعية تكون استنزافاً للفاعل الحزبي، حتى لو لم يكن هناك أي اتفاق مسبق أو جهة خفية تقف وراء ذلك. ولهذا فإن الحديث عن الحروب الخفية يجب أن يبقى في مستوى التحليل السياسي لا الاتهام؛ فلا يمكن الجزم بوجود جهة تدير حملة ضد الحركة الشعبية من وراء الستار دون أدلة، لكن يمكن التساؤل بكل مشروعية عن المستفيد من استمرار وضع حزب سياسي بأكمله في حالة دفاع إعلامي دائم، خصوصاً في مرحلة تسبق استحقاقات سياسية وانتخابية يكون فيها لكل صورة ولكل موقف ولكل ساعة من الاهتمام الإعلامي وزنها السياسي.

وهنا تحديداً تظهر مسؤولية شحتان بصورة أكبر، لأن الأمر لا يتعلق بصحافي يكتب مقالاً وينتهي الأمر، وإنما بناشر يدير مؤسسة إعلامية ذات تأثير واسع، وهو ما يجعل المسؤولية المهنية مضاعفة. صاحب المنبر لا يملك فقط حق النشر، وإنما يملك القدرة على صناعة الانطباعات العامة، وعلى دفع قضية معينة إلى واجهة النقاش، وعلى تحويل شخص أو حزب إلى موضوع متكرر للرأي العام. وكلما زادت هذه القدرة، زادت الحاجة إلى ضبط النفس والتحقق والتوازن. ومن غير المقبول مهنياً أن يصبح الخلاف الشخصي وقوداً لخط تحريري طويل، لأن الصحافة تفقد عندها أهم عنصر من عناصر قوتها، وهو المسافة. عندما يصبح الصحافي غاضباً من الشخص الذي يكتب عنه، يصبح السؤال مشروعاً حول قدرته على الفصل بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والانطباع، وبين المصلحة العامة والرغبة في الرد. وفي حالة شحتان وأوزين، فإن طول عمر السجال واستمراره وتعدد مراحله يجعلان هذا السؤال أكثر إلحاحاً، خصوصاً عندما تتجاوز المواجهة النقاش السياسي إلى جوانب تمس السمعة والاعتبار والأسرة.

وإذا كان من حق شحتان أن يفتح أي ملف يرى أنه يهم الرأي العام، فإن من حق أوزين أيضاً أن يضع حداً لما يعتبره تجاوزاً، ومن حقه أن يلجأ إلى القضاء بدل الدخول في مواجهة إعلامية مضادة. وهذه نقطة مهمة جداً، لأن اللجوء إلى القضاء لا يعني، كما قد يحاول البعض تصويره، رغبة في إسكات الصحافة أو التضييق على حرية التعبير. العكس هو الصحيح عندما يتعلق الأمر بنزاع حول حدود النقد والقذف والتشهير؛ فالقضاء هو الجهة التي تستطيع فحص المادة المنشورة، والوقوف على مصدرها، والتحقق من مضمونها، والنظر في الأدلة التي تستند إليها، وتحديد ما إذا كانت تدخل في النقد المشروع أم تجاوزت الحدود القانونية. وإذا كان شحتان واثقاً من سلامة ما نشره، فإن أمامه المجال نفسه لتقديم وثائقه والدفاع عن موقفه. أما تحويل كل لجوء إلى القضاء إلى اعتداء على حرية الصحافة فهو تبسيط مخل بالقضية، لأن حرية الصحافة لا تعني إعفاء الصحافي من المسؤولية، كما أن صفة السياسي لا تعني تجريده من حقه في حماية سمعته وكرامته.

واللافت كذلك هو الحديث عن محاولة إقحام الجمعية المغربية للناشرين في هذا النوع من الصراعات. هنا يجب أن تكون الحدود أكثر وضوحاً، لأن أي جمعية مهنية، أياً كان اسمها أو رئيسها، ليست ملكاً لشخص ولا منصة شخصية لتصفية الخلافات. إذا كان شحتان يخوض نزاعاً مع أوزين بصفته ناشراً أو إعلامياً، فعليه أن يتحمل مسؤوليته الشخصية والمهنية عن هذا النزاع، وألا يحاول إعطاء خصومته غطاءً جمعوياً أو مهنياً. الجمعية المهنية يفترض أن تكون مظلة لجميع الناشرين، وأن تدافع عن القطاع ومصالحه وأخلاقيات المهنة، لا أن تتحول إلى طرف في خلاف بين رئيسها وسياسي. وأي محاولة لاستخدام الجسم المهني في معركة شخصية، إذا ثبتت بوقائع محددة، ستكون إساءة إلى الجمعية وإلى باقي المهنيين قبل أن تكون ضغطاً على أوزين، لأن الخلط بين الصفة الشخصية والصفة الجمعوية يضرب استقلالية العمل المهني في الصميم. من حق شحتان أن يدافع عن نفسه، ومن حقه أن يختلف مع أوزين، لكن ليس من حق أي شخص أن يجعل من الإطار الذي يمثل مهنة بأكملها امتداداً لخلاف شخصي.

أما الحديث عن «الحرب بالنيابة» فيحتاج إلى قدر من المسؤولية في التوصيف، لكنه لا يمنع من طرح السؤال السياسي حول طبيعة هذه المواجهة ونتائجها. فالإعلام لا يفترض أن يدخل في حرب بالنيابة عن طرف سياسي ضد طرف سياسي آخر، ولا يفترض أن يتحول الناشر إلى لاعب داخل التوازنات الحزبية. وظيفة الصحافة هي كشف ما يجب كشفه، ومساءلة من يجب مساءلته، وإحراج السلطة عندما تخطئ، والدفاع عن المصلحة العامة، وليس اختيار حزب ليكون خصماً دائماً. فإذا كان هناك ملف ضد أوزين، فليقدم بالدليل. وإذا كان هناك خلل داخل الحركة الشعبية، فليكشف بالوثيقة. وإذا كان هناك مسؤول متورط في قضية، فليكن التحقيق هو الحكم. أما أن يتحول اسم أوزين إلى مادة ثابتة في حرب إعلامية لا تنتهي، فهذا لا يخدم الصحافة ولا يخدم الجمهور، بل يخلق انطباعاً بأن المؤسسة الإعلامية نفسها أصبحت طرفاً في الصراع.

والأكثر خطورة في هذا النوع من الممارسة هو أن قوة الانتشار قد تتحول إلى نوع من الحكرة الإعلامية، بمعنى أن الطرف الذي يملك المنبر الأكبر يصبح قادراً على الهجوم عشرات المرات، بينما لا يستطيع الطرف المستهدف أن يرد بالسرعة والقوة نفسيهما. وهنا يفقد مبدأ التكافؤ معناه، ليس لأن السياسي يحتاج إلى حماية من الصحافة، وإنما لأن كل شخص، مهما كان موقعه، يحتاج إلى وسيلة قانونية تحميه عندما يشعر أن سمعته أصبحت موضوعاً للاستهداف المستمر. أوزين ليس فوق النقد، لكنه أيضاً ليس مواطناً منزوع الحقوق لمجرد أنه سياسي. وعائلته ليست جزءاً من المنافسة الحزبية لمجرد أنه أمين عام لحزب. والحركة الشعبية ليست هدفاً مفتوحاً لمجرد أن أحد قياداتها دخل في خلاف مع ناشر. هذه قواعد بسيطة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمنبر قادر على الوصول إلى جمهور واسع.

ومن هنا يمكن فهم أهمية دخول امحند العنصر، إذا تأكدت الشكاية المرتقبة، على خط المسطرة القانونية، لأن حضور شخصية سياسية وتاريخية بهذا الحجم يغير طبيعة الرسالة. العنصر يمثل جزءاً من ذاكرة الحركة الشعبية ومن تاريخها السياسي، وما يقال في حقه لا يمكن اختزاله بسهولة في نزاع شخصي بين أوزين وشحتان. وإذا اختار العنصر سلوك الطريق القانوني، فإن ذلك يعني أن المسألة بالنسبة إلى المعنيين لم تعد مجرد سجال إعلامي، وإنما أصبحت مرتبطة بحدود التعامل مع القيادات السياسية وبحق الأشخاص في حماية سمعتهم واعتبارهم. وهنا يمكن أن تتحول الشكايات المرتقبة إلى لحظة فاصلة، ليس فقط لأنها قد تضع المواد المنشورة تحت المجهر القضائي، وإنما لأنها قد تفتح الباب أمام مراجعة أرشيف طويل من المضامين التي يرى أصحابها أنها تجاوزت النقد إلى التشهير.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن الملصقات والمواد المنشورة التي تناولت أوزين وعائلته وقيادات الحركة الشعبية لا ينبغي أن يبقى في مستوى الخطاب السياسي، بل يمكن أن يصبح جزءاً من الملف إذا قدمه المشتكون إلى القضاء باعتباره دليلاً على نمط متواصل من الاستهداف. هنا لن تكون القضية مرتبطة بعنوان واحد أو فيديو واحد، وإنما بسلسلة من المضامين التي يمكن وضعها أمام القضاء مادة مادة، لمعرفة مضمونها ومصدرها وسياقها وما إذا كانت تستند إلى وقائع قابلة للإثبات. وإذا كان شحتان يرى أن كل ذلك يدخل في حرية التعبير، فالقضاء هو المكان الطبيعي ليشرح ذلك. وإذا رأى المشتكون أن الأمر تجاوز النقد إلى المساس بالكرامة والسمعة، فالقضاء هو المكان الطبيعي كذلك لعرض حججهم.

أما ما يرتبط بالفيلا الشهيرة وبمحاضر أو ملفات قضائية سابقة ظهر فيها اسم أوزين، فيجب أن يخضع للقاعدة نفسها: الوقائع القضائية الموثقة يمكن تناولها إعلامياً، لكن لا يجوز تحويل الملفات القديمة إلى أحكام جاهزة أو إعادة تقديم الوقائع المختلف حولها وكأنها إدانات نهائية. المهنية تفرض الدقة حتى عندما يكون المقال منحازاً تحريرياً إلى الدفاع عن شخص يرى أنه تعرض للاستهداف. قوة المقال ليست في المبالغة، وإنما في قدرته على كشف التناقضات ووضع المسؤوليات في مكانها الصحيح. وإذا كان هناك ملف قضائي حُسم بحكم نهائي، فليذكر كما هو؛ وإذا كان هناك ملف لم يحسم، فليقل إنه لم يحسم. بهذه الطريقة فقط يمكن مواجهة التشهير دون الوقوع في تشهير مضاد.

وفي النهاية، فإن أوزين لا يحتاج إلى شحتان كي يثبت قوته، ولا تحتاج الحركة الشعبية إلى الدخول في حرب إعلامية مع أي منبر حتى تثبت حضورها. قوة الحزب ستكون في تنظيمه، وفي مواقفه، وفي قدرته على التواصل مع المغاربة، وفي تقديم أجوبة سياسية حقيقية، وليس في عدد الردود التي يكتبها على هذا المنبر أو ذاك. وإذا كانت هناك حملة إعلامية تستنزفه، فإن أفضل رد عليها هو عدم الانجرار إلى قواعدها، بل نقل المعركة إلى المؤسسات، حيث لا تنفع كثافة النشر ولا قوة العنوان ولا عدد المشاهدات. هناك فقط تصبح الوثيقة هي السلاح، والدليل هو الحجة، والقانون هو الحكم.

لقد آن الأوان فعلاً لإنهاء منطق أن يتحول الناشر إلى خصم سياسي، وأن تتحول الجمعية المهنية إلى غطاء لأي خصومة، وأن يصبح الحزب مطالباً كل صباح بالدفاع عن نفسه أمام منصة إعلامية. الصحافة ليست حرباً يومية على الأحزاب، والإعلام ليس أداة للتشويش على المسارات السياسية، والناشر ليس لاعباً فوق المؤسسات، كما أن السياسي ليس شخصاً منزوع الحق في حماية اسمه وأسرته واعتباره. وإذا كان شحتان قد اختار طوال هذه المرحلة التصعيد الإعلامي، فإن من حق أوزين والعنصر وغيرهما أن يختاروا القضاء، ومن حقهم أن يطلبوا من المؤسسة القضائية أن تقول كلمتها في المواد التي يرون أنها تجاوزت حدود النقد. وإذا كان كل ما نشره شحتان سليماً ومهنياً ومدعوماً بالوثائق، فليثبت ذلك. أما إذا ثبت أن المنبر استُعمل في بعض مراحل هذه المواجهة لتصفية حسابات شخصية أو لخوض حرب سياسية مستمرة، فسيكون ذلك درساً قاسياً في معنى المسؤولية التي يحملها من يمتلك منبراً قادراً على التأثير في الرأي العام.

وفي المحصلة، القضية ليست دفاعاً عن أوزين لأنه سياسي، وإنما دفاع عن قاعدة أوسع: لا يجوز أن تتحول القوة الإعلامية إلى قوة فوق المساءلة، ولا أن يتحول الخلاف السياسي إلى إذلال إعلامي، ولا أن يصبح الشخص وعائلته وحزبه مادة مفتوحة لحرب لا تنتهي. وإذا كانت هناك حروب خفية أو حسابات سياسية تستثمر في هذا النوع من السجال، فإن أفضل طريقة لإفشالها ليست الدخول فيها، بل إخراجها إلى الضوء، ووضع كل شيء أمام المؤسسات، وترك الوثائق والقانون يكشفان من كان يمارس الصحافة، ومن كان يخوض الحرب تحت اسم الصحافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى