المغرب يرفع عدد أطبائه بأكثر من 1600 في سنة.. لكن تحدي التوزيع والبطالة يواصل الضغط على المنظومة الاجتماعية

سجل المغرب خلال سنة واحدة ارتفاعاً لافتاً في عدد الأطباء العاملين في القطاعين العام والخاص، حيث انتقل العدد الإجمالي من 31 ألفاً و860 طبيباً سنة 2024 إلى 33 ألفاً و482 طبيباً سنة 2025، أي بزيادة بلغت 1.622 طبيباً في عام واحد، وفق المعطيات الإحصائية الرسمية التي أوردتها المندوبية السامية للتخطيط ضمن أحدث معطياتها حول القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
وتكشف هذه الزيادة عن استمرار توسع الموارد البشرية الطبية بالمغرب، في وقت تعمل فيه الدولة على إعادة تأهيل المنظومة الصحية ومواكبة إصلاح الحماية الاجتماعية وتوسيع العرض الصحي، غير أن ارتفاع العدد الإجمالي للأطباء لا يلغي تحديات أخرى مرتبطة بتوزيعهم المجالي، والضغط الذي تعرفه بعض المؤسسات العمومية، إضافة إلى الفوارق بين القطاعين العام والخاص.
وتشير الأرقام إلى أن عدد أطباء القطاع العام ارتفع من 14 ألفاً و647 طبيباً سنة 2024 إلى 14 ألفاً و940 طبيباً سنة 2025، أي بزيادة قدرها 293 طبيباً، في حين بلغ عدد أطباء القطاع الخاص حوالي 18 ألفاً و542 طبيباً، بما يؤكد استمرار تفوق القطاع الخاص من حيث عدد الأطباء مقارنة بالقطاع العمومي.
ويطرح هذا التوزيع سؤالاً موازياً يتعلق بمدى استفادة مختلف جهات المملكة من هذه الزيادة، خصوصاً أن التحدي لا يرتبط فقط بتكوين الأطباء ورفع أعدادهم، وإنما أيضاً بضمان انتشار متوازن للموارد البشرية الصحية بين المدن الكبرى والمراكز الحضرية من جهة، والمناطق القروية والنائية من جهة أخرى.
وفي السياق ذاته، سجلت فئة الأطر شبه الطبية في القطاع العمومي ارتفاعاً بأكثر من 1500 إطار، ليستقر العدد في حدود 41 ألفاً و792 إطاراً، وهو تطور يعكس بدوره محاولة تعزيز الموارد البشرية المواكبة للخدمات الصحية، في وقت أصبحت فيه حاجيات المستشفيات والمراكز الصحية أكثر ارتباطاً بتوسيع التغطية الصحية وتحسين جودة التكفل بالمرضى.
وتأتي هذه المؤشرات في مرحلة يمر فيها القطاع الصحي المغربي بإعادة هيكلة واسعة، تشمل إصلاح المؤسسات الصحية، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتطوير الموارد البشرية، في إطار تنزيل ورش الحماية الاجتماعية وإعادة تنظيم القطاع على المستوى الجهوي.
غير أن صورة المؤشرات الاجتماعية لا تتوقف عند قطاع الصحة. فالمندوبية السامية للتخطيط تشير إلى استمرار ارتفاع الضغط على سوق الشغل، حيث بلغ معدل البطالة الوطني 13.3% وفق أحدث المعطيات المنشورة، بينما استقر معدل النشاط في حدود 43.5%.
وتضع هذه الأرقام المغرب أمام معادلة اجتماعية مركبة: ارتفاع عدد الأطباء والأطر الصحية من جهة، مقابل استمرار البطالة ومحدودية المشاركة في سوق العمل من جهة أخرى، وهو ما يجعل الاستثمار في الرأسمال البشري مرتبطاً ليس فقط بالتكوين، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصاد الوطني على خلق مناصب شغل منتجة واستيعاب الكفاءات.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية أكبر مع التحولات الديموغرافية التي يعرفها المغرب. فقد أظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024 أن عدد سكان المملكة بلغ 36.828 مليون نسمة، فيما يواصل المغرب الاستعداد لتحولات سكانية واجتماعية ستفرض بدورها إعادة تقييم حاجياته من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية.
وبينما يمثل ارتفاع عدد الأطباء بأكثر من 1600 خلال سنة مؤشراً إيجابياً على مستوى تعزيز الموارد البشرية الطبية، فإن التحدي المقبل سيكون في تحويل هذه الزيادة الكمية إلى تحسن ملموس في الولوج إلى العلاج، وتقليص الفوارق المجالية، وتخفيف الضغط عن القطاع العمومي، وضمان توزيع عادل للكفاءات الصحية.
أما على مستوى سوق الشغل، فتظل أرقام البطالة والنشاط تفرض بدورها تسريع وتيرة الاستثمار المنتج، خصوصاً في القطاعات القادرة على استيعاب الشباب والكفاءات، حتى لا يتحول ارتفاع أعداد خريجي منظومة التعليم والتكوين إلى ضغط إضافي على سوق العمل.
وتقدم أرقام 2025، في المحصلة، صورة مزدوجة للمغرب: موارد بشرية صحية في ارتفاع، لكن حاجيات اجتماعية واقتصادية تتسع بدورها، ما يجعل الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة مرتبطاً بمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين تكوين الكفاءات، تشغيلها، وتوزيعها بشكل عادل عبر مختلف جهات المملكة.






