حقيبة أوراق التصويت بطنجة تهز المشهد السياسي.. التحقيق يتسع ومذكرة البحث في حق العمدة بلا تأكيد رسمي

لم يكد المغرب يطوي صفحة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر حتى تفجرت قضية سياسية وقضائية بمدينة طنجة مرشحة لأن تفرض نفسها بقوة على مرحلة ما بعد الانتخابات، بعدما تحولت واقعة ضبط حقيبة تضم أوراقاً انتخابية داخل محيط مؤسسة القدس بمنطقة كسبراطا إلى موضوع تحقيق قضائي وأمني، وإلى مواجهة سياسية مباشرة بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية.
القضية بدأت يوم الاقتراع، عندما تم ضبط شخص داخل محيط مؤسسة تضم مكتباً للتصويت وهو يحمل حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية. وأعلنت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بطنجة في اليوم نفسه فتح بحث قضائي، مع توقيف المعني بالأمر لضرورة البحث، مؤكدة أن تحديد حقيقة الواقعة وملابساتها وترتيب الآثار القانونية سيجري بناء على نتائج التحقيق.
وتعقدت القضية أكثر بعدما تداولت مصادر وصور أوراقاً انتخابية تحمل، بحسب المعطيات المتداولة، علامات على رمز حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب حديث عن أوراق مختومة بخاتم مصالح وزارة الداخلية. غير أن هذه المعطيات، في جانبها المتعلق بالمسؤوليات والجهات التي تقف وراء الأوراق، تبقى موضوع بحث قضائي ولا يمكن اعتبارها دليلاً على مسؤولية الحزب أو أي مسؤول سياسي قبل انتهاء التحقيق.
ومع توسع الأبحاث، ارتفع عدد الموقوفين إلى أربعة أشخاص، جميعهم وضعوا تحت تدابير الحراسة النظرية، وفق معطيات أمنية أوردتها مصادر إعلامية، فيما تواصل الشرطة القضائية تحقيقاتها بتعليمات من النيابة العامة لتحديد مسار الأوراق الانتخابية وهوية جميع المتدخلين المحتملين.
وفي خضم ذلك، دخلت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على خط الملف، في تطور يعكس اتساع دائرة التحريات، خصوصاً أن التحقيق لم يعد يقتصر على الشخص الذي ضبطت بحوزته الحقيبة، وإنما يتجه إلى تحديد مصدر الأوراق وكيفية وصولها إلى محيط مكتب التصويت والجهات التي قد تكون لها علاقة بالواقعة.
سياسياً، تحولت القضية إلى مواجهة مباشرة بين «البام» و«البيجيدي». فقد اتهم هشام الصابري، القيادي في الأصالة والمعاصرة، العدالة والتنمية بالوقوف وراء الواقعة، بينما اعتبر إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام للعدالة والتنمية، ما حدث شبهة خطيرة تستوجب التحقيق، مع تأكيده على ضرورة تحديد المسؤوليات. وبذلك انتقلت القضية من مجرد واقعة انتخابية إلى ملف حاضر في السجال السياسي الذي أعقب الانتخابات.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فقد أعلن دعمه للبحث القضائي ودعا إلى كشف حقيقة ما جرى، نافياً الروايات التي اعتبرها استهدافاً للحزب، في حين تمسك العدالة والتنمية بضرورة الوصول إلى حقيقة الواقعة وترتيب المسؤوليات القانونية إذا ثبتت أي مخالفات.
وفي الساعات الأخيرة، ظهر تطور أكثر حساسية تمثل في تداول أخبار عن إصدار مذكرة بحث في حق عمدة طنجة منير ليموري على خلفية القضية، بل وذهبت بعض المصادر إلى الحديث عن مذكرة بحث دولية واحتمال وجوده خارج المغرب.
غير أن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى قدر كبير من التحفظ؛ فحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر أي بلاغ رسمي من النيابة العامة أو المديرية العامة للأمن الوطني يؤكد إصدار مذكرة بحث في حق عمدة طنجة، كما لم يصدر تأكيد رسمي بشأن وجوده خارج التراب الوطني أو بشأن وضعه القانوني. وبالتالي تبقى المعلومة في نطاق المعطيات المتداولة إعلامياً التي تنتظر التأكيد الرسمي.
وتكتسب القضية أهمية مضاعفة لأنها تأتي مباشرة بعد انتخابات تشريعية أفرزت خريطة سياسية جديدة، وجعلت الأصالة والمعاصرة في موقع متقدم داخل المشهد السياسي المقبل، بينما عاد العدالة والتنمية بقوة إلى البرلمان. لذلك فإن أي تطور قضائي موثق في هذا الملف ستكون له تداعيات سياسية وإعلامية، خصوصاً إذا كشفت التحقيقات عن امتدادات تتجاوز الأشخاص الموقوفين حالياً.
كما أن القضية لا تتعلق فقط بحقيبة وأوراق، وإنما تمس جوهر العملية الانتخابية نفسها: مصدر أوراق التصويت، طريقة خروجها من المسار القانوني، الجهة التي كانت تتوفر عليها، وكيف وصلت إلى محيط مكتب الاقتراع، ومن كان يقف وراء ذلك إن ثبت وجود فعل جرمي.
ولهذا فإن الحسم الحقيقي لن يكون عبر السجالات الحزبية أو الاتهامات المتبادلة، وإنما عبر نتائج البحث القضائي والأمني. فالنيابة العامة أعلنت منذ البداية أن الأبحاث ستحدد حقيقة الواقعة وملابساتها، وأن الآثار القانونية ستترتب على ما ستكشفه التحقيقات.
وبينما تتواصل الأبحاث، يبقى ملف «حقيبة طنجة» أحد أكثر الملفات حساسية التي خلفتها انتخابات 23 شتنبر، خصوصاً بعد انتقاله من واقعة محلية داخل مركز اقتراع إلى قضية سياسية وقضائية مفتوحة، تتداخل فيها مسؤولية الأشخاص مع صورة الأحزاب، وتنتظر فيها الساحة السياسية نتائج التحقيق الرسمي قبل إصدار أي حكم نهائي بشأن المسؤوليات.






