إنفانتينو في مرمى حملة ضغوط دولية.. «فيفا» يخرج عن صمته ويدافع عن رئيسه ويحذر من تسييس كرة القدم

الاتحاد الدولي يتحدث عن «حملة منسقة» ويضع حداً لمحاولات استهداف رئيسه خارج المؤسسات
اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» هذه المرة أن يتدخل بشكل مباشر في الجدل المتصاعد حول رئيسه السويسري-الإيطالي جاني إنفانتينو، بعدما اعتبر أن ما يجري لم يعد مجرد نقاش إعلامي عادي حول أداء قيادة المنظمة الكروية الأكبر في العالم، وإنما تحول إلى جهود منسقة ومستمرة تستهدف تقويض صورة الاتحاد ورئيسه، من خلال نشر ادعاءات ومعلومات اعتبر «فيفا» أن جزءاً منها غير مثبت، بل إن بعضها ثبت عدم صحته.
الموقف الجديد للاتحاد الدولي يحمل دلالات سياسية ومؤسساتية ورياضية كبيرة، خصوصاً أنه يأتي في مرحلة تعرف فيها كرة القدم العالمية نقاشاً واسعاً حول مستقبل إدارتها، وطريقة تدبير مسابقاتها الكبرى، وحجم الاستثمارات المرتبطة بها، والعلاقة بين الاتحادات القارية والاتحاد الدولي، فضلاً عن الصراع التقليدي حول مراكز القرار داخل واحدة من أكثر المؤسسات الرياضية تأثيراً في العالم.
ولم يرفض «فيفا» مبدأ الرقابة الإعلامية، بل أكد أن الصحافة تملك كامل الحق في مساءلة المسؤولين وكشف الاختلالات متى توفرت الأدلة والمعطيات، لكنه شدد في المقابل على أن الانتقاد شيء، وتقديم الادعاءات غير المثبتة على أنها حقائق شيء آخر، وأن الاتحاد لن يقف متفرجاً أمام معلومات يعتبرها مضللة أو غير دقيقة.
إنفانتينو.. من الدفاع عن المؤسسة إلى مواجهة الضغوط
الجدل الأخير يرتبط أساساً بتقارير إعلامية أعادت فتح ملفات تعود إلى الفترة التي كان فيها إنفانتينو أميناً عاماً للاتحاد الأوروبي لكرة القدم «ويفا»، بين عامي 2009 و2016، قبل أن ينتقل إلى قيادة «فيفا».
ومن بين هذه التقارير ما تناول وضعية موظفة سابقة في «ويفا»، وما قيل عن استفادتها من ترتيبات مالية وأكاديمية عند مغادرتها المؤسسة، بما في ذلك تعويض مالي وتغطية تكاليف برنامج دراسي في مجال إدارة الأعمال.
لكن هذه القضية، كما عرضتها المعطيات المتداولة، تحتاج إلى قدر كبير من الحذر في قراءتها، لأن وجود عملية مالية أو تحمل مؤسسة لتكاليف تكوين أحد العاملين لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على ارتكاب مخالفة أو استغلال نفوذ، ما لم تثبت العلاقة السببية بين القرار والمصلحة الشخصية أو وجود خرق للقواعد المنظمة.
والأهم أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أقر بوجود مبالغ تم صرفها وبتمويل برنامج دراسي، لكنه لم يتبن تلقائياً كل الاستنتاجات التي وردت في التقرير الإعلامي.
وهنا تكمن أهمية موقف «فيفا»: لا ينبغي أن تتحول مجرد الادعاءات إلى أحكام نهائية قبل التحقق منها عبر القنوات والمؤسسات المختصة.
الصحافة من حقها السؤال.. لكن الحقيقة تحتاج إلى أدلة
لا يمكن لأي مؤسسة رياضية دولية أن تكون فوق النقد، كما أن رئيس «فيفا» ليس بمنأى عن المساءلة الإعلامية، لكن العدالة في التعامل مع الملفات تقتضي التمييز بين الأسئلة المشروعة وبين الاتهامات التي تحتاج إلى أدلة.
فالصحافة تستطيع أن تسأل عن القرارات المالية، وعن كيفية إدارة المؤسسات الرياضية، وعن علاقة المسؤولين بالموظفين، وعن تضارب المصالح المحتمل، وعن كل ما يتعلق بالحكامة.
لكن عندما تنتقل التغطية من طرح الأسئلة إلى تقديم استنتاجات قطعية، تصبح المسؤولية أكبر، لأن الرأي العام قد يجد نفسه أمام رواية واحدة قبل أن تتاح للجهات المعنية فرصة الرد.
ولهذا فإن دفاع «فيفا» عن إنفانتينو لا ينبغي قراءته باعتباره رفضاً للمساءلة، وإنما باعتباره رفضاً لتحويل الاتهامات غير المثبتة إلى أحكام إعلامية نهائية.
قضية الاستثمارات الخاصة في كأس العالم.. صراع أكبر من شخص إنفانتينو
الضغط الذي يواجهه رئيس «فيفا» لا يرتبط فقط بالتقارير التي أعادت فتح ملفات من فترة عمله السابقة، وإنما يأتي أيضاً في سياق خلافات أوسع حول الطريقة التي ينبغي أن تدار بها كرة القدم العالمية، وخاصة البطولات الكبرى.
وكانت خطة مرتبطة بفتح المجال أمام استثمارات خاصة في بطولة كأس العالم قد أثارت جدلاً واسعاً، قبل أن يتم التراجع عنها، وهو ما لم ينه الخلاف مع عدد من الأطراف داخل المنظومة الكروية الأوروبية.
ويكشف هذا الملف أن الصراع الحالي يتجاوز شخص إنفانتينو في كثير من جوانبه، لأنه يرتبط بسؤال جوهري حول مستقبل اقتصاد كرة القدم العالمية، ومن يملك حق تحديد اتجاهاته، وكيف سيتم تمويل المسابقات الكبرى، ومن سيستفيد من الاستثمارات، وكيف سيتم الحفاظ على استقلال القرار الرياضي أمام الضغوط الاقتصادية.
وهذه ملفات كبرى لا يمكن اختزالها في شخص واحد أو في خلاف عابر بين مسؤولين.
«فيفا» يرفع السقف.. والانتخابات هي الفيصل
أكثر الرسائل وضوحاً في بيان الاتحاد الدولي تتعلق بالمسار الانتخابي، حيث شدد «فيفا» على أنه لن يدعم أو يسهل أو يتسامح مع أي مسار يتعلق بانتخاب رئيس الاتحاد لا يحترم النظام الأساسي للمنظمة والإجراءات الديمقراطية وقواعد الحكامة المعتمدة.
وهذه النقطة أساسية، لأنها تضع حداً لأي محاولة لتحويل الخلاف السياسي أو الإعلامي إلى وسيلة لتغيير قيادة الاتحاد خارج المؤسسات.
فإذا كانت هناك أطراف ترى أن إنفانتينو لم يعد الشخص المناسب لقيادة «فيفا»، فإن الطريق الطبيعي أمامها هو المؤتمر الانتخابي وأصوات الاتحادات الأعضاء، وليس الحملات الإعلامية أو التسريبات أو الضغوط غير المباشرة.
الديمقراطية الرياضية، مثل الديمقراطية السياسية، تقوم على المؤسسات والقواعد والإجراءات، وليس على قوة الحملات والضغوط.
رسالة إلى المعارضين: صندوق الاقتراع وليس الإعلام
يبدو أن الرسالة التي أراد «فيفا» توجيهها واضحة: من يعتقد أن إنفانتينو لا يستحق الاستمرار في قيادة الاتحاد الدولي عليه أن يخوض المعركة داخل المؤسسات، وأن يقنع الاتحادات الوطنية والقارية بموقفه، وأن يقدم بديلاً قادراً على إدارة المنظمة، بدلاً من محاولة صناعة واقع جديد عبر الادعاءات أو التسريبات.
وهذا المبدأ يصب في النهاية في مصلحة كرة القدم نفسها.
فاستقرار مؤسسة عالمية بهذا الحجم يتطلب أن تكون المنافسة على قيادتها مبنية على البرامج والرؤى والنتائج، وليس على الحملات التي قد يصعب بعد ذلك التمييز فيها بين النقد المشروع والمعلومة المضللة.
إنفانتينو ليس فوق النقد.. لكنه ليس مداناً أيضاً
الدفاع عن رئيس «فيفا» لا يعني القول إن كل قراراته صحيحة أو أن كل الانتقادات الموجهة إليه باطلة، وإنما يعني ببساطة أن المسؤولية تقتضي الاحتكام إلى الأدلة والقواعد والمؤسسات.
إنفانتينو، مثل أي رئيس لمنظمة دولية، يمكن أن يخطئ ويمكن أن يتخذ قرارات تثير الجدل، ويمكن للاتحادات الأعضاء أن تختلف معه، ويمكن للصحافة أن تنتقده بشدة، لكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف إلى إدانة مسبقة.
وفي القضايا التي تتعلق بقرارات مالية أو إدارية تعود إلى سنوات سابقة، يصبح التدقيق والتحقق أكثر أهمية، لأن الوثائق والعقود والمساطر الداخلية هي التي يمكن أن تحدد ما إذا كان القرار سليماً أو مخالفاً، وليس مجرد الطريقة التي قدم بها في تقرير إعلامي.
كرة القدم العالمية أمام معركة نفوذ حقيقية
ما يجري اليوم داخل محيط «فيفا» يعكس أيضاً التحولات الكبرى التي عرفتها كرة القدم خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت اللعبة صناعة عالمية بمليارات الدولارات، وأصبحت حقوق البث والاستثمار والرعاية وتنظيم البطولات أدوات اقتصادية وجيوسياسية مؤثرة.
ومع تضخم حجم الأموال المرتبطة بالمسابقات الكبرى، أصبح الصراع حول إدارة كرة القدم أكثر تعقيداً، ولم تعد الخلافات محصورة في الجوانب التقنية أو الرياضية.
هناك مصالح اقتصادية ضخمة، واتحادات قارية، وشركات استثمار، وشبكات إعلامية، واتحادات وطنية، وكل طرف يريد أن يكون له تأثير في القرارات التي تحدد مستقبل اللعبة.
وفي هذا السياق، فإن بقاء إنفانتينو على رأس «فيفا» أو رحيله لا ينبغي أن يكون نتيجة حملة إعلامية، وإنما نتيجة تقييم مؤسساتي وانتخابي لأدائه ومشروعه وقدرته على قيادة المنظمة.
«فيفا» يرفض تحويل المؤسسة إلى ساحة صراع
من أقوى ما ورد في موقف الاتحاد الدولي تأكيده أنه لن يسمح بأن تتحول المؤسسة إلى ساحة لتصفية الحسابات عبر ادعاءات أو تلميحات أو معلومات مضللة، خصوصاً عندما يكون الهدف النهائي هو التأثير على المسار الانتخابي.
وهذه الرسالة تتجاوز شخص إنفانتينو لتهم مستقبل «فيفا» نفسه.
فالمؤسسات الرياضية الدولية تحتاج إلى قواعد واضحة، وإلى رقابة مستقلة، وإلى صحافة حرة، ولكنها تحتاج أيضاً إلى حماية مؤسساتية من محاولات التأثير غير المشروع.
والتوازن بين هذه العناصر هو الذي يصنع الحكامة الحقيقية.
المعركة الحقيقية يجب أن تكون حول مستقبل كرة القدم
إذا كانت هناك ملاحظات حقيقية على طريقة إدارة «فيفا»، فإن أفضل طريقة لمعالجتها ليست بإطلاق الاتهامات، وإنما بفتح الملفات على أساس الوثائق، وتقديم الأدلة، وإجراء التحقيقات عند الضرورة، ثم ترك المؤسسات المختصة تقوم بعملها.
أما إذا كان الخلاف سياسياً أو انتخابياً، فإن الطريق واضح: البرامج، والمرشحون، والاتحادات الأعضاء، والمؤتمر الانتخابي.
وما عدا ذلك قد يؤدي إلى خلق مناخ من الشك الدائم يضر بالاتحاد الدولي وبكرة القدم أكثر مما يضر برئيسه.
الخلاصة.. إنفانتينو يواجه الضغوط من داخل المؤسسات لا خارجها
في خضم هذا الجدل، يبدو أن جاني إنفانتينو أمام واحدة من أصعب مراحل قيادته لـ«فيفا»، لكن الصعوبة لا تعني الإدانة، والضغط الإعلامي لا يعني ثبوت المخالفات، والخلافات مع بعض الأطراف داخل كرة القدم العالمية لا تعني أن الرجل فقد شرعيته.
الفيصل في النهاية يجب أن يكون الدليل والقانون والانتخابات.
أما الاتحاد الدولي، فقد اختار أن يدافع عن رئيسه وأن يواجه ما يعتبره حملة منسقة تستهدفه، مع التأكيد في الوقت نفسه على احترام الرقابة الإعلامية المشروعة.
وهي رسالة يمكن اختصارها في قاعدة واحدة: من يريد تغيير قيادة «فيفا» فليذهب إلى صناديق الاقتراع، ومن يملك أدلة على مخالفات فليقدمها إلى الجهات المختصة، أما تحويل الادعاءات إلى أحكام نهائية قبل اكتمال التحقق منها فلن يخدم لا إنفانتينو ولا خصومه ولا كرة القدم العالمية.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل كرة القدم يجب أن يقرر داخل المؤسسات التي أنشأتها الاتحادات، وبناءً على القواعد التي وافقت عليها الدول والأعضاء، وليس تحت ضغط حملات إعلامية قد تختلط فيها الحقائق بالاستنتاجات والصراعات على النفوذ.






