رهان الاستحقاقات المقبلة.. خطاب البدائل يصطدم بذاكرة القرارات الهيكلية لعشرية العجاف “للمصباح”

تشهد الساحة السياسية الوطنية دينامية متسارعة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تكثف مختلف الهيئات الحزبية من خرجاتها ولقاءاتها الإيديولوجية لتقديم قراءات لواقع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، برزت تحركات قيادات حزب العدالة والتنمية من خلال تبني خطاب نقدي موجه للأداء الحكومي الحالي، ومحاولة طرح بدائل تنموية في شقها الماكرو-اقتصادي وفي ملفات التشغيل والاستثمار.
غير أن هذا التموقع الجديد للحزب، يجد نفسه في مواجهة قراءات نقدية متعددة من طرف متتبعين وفاعلين اقتصاديين، يربطون بين الخطاب الحالي وبين الحصيلة التدبيرية للحزب خلال قيادته للحكومة لولايتين متتاليتين امتدت لعشر سنوات، وهي الفترة التي شهدت اتخاذ حزمة من القرارات الهيكلية والاجتماعية الصعبة.
تفكيك الإرث الاقتصادي: معادلة التحرير وصندوق المقاصة
تتجه القراءات التحليلية للمرحلة السابقة إلى وضع القرارات الاقتصادية لحكومتي الحزب تحت مجهر التقييم، لاسيما تلك التي أثرت بشكل مباشر على المعيش اليومي والقدرة الشرائية للمواطنين:
-
تحرير أسعار المحروقات: يعد هذا القرار من أبرز النقط الإشكالية في الحصيلة الاقتصادية، حيث تم اعتماد الرفع الكلي للدعم وتخويل الأسعار لمنطق السوق التنافسي، وهو إجراء يرى مهتمون أنه اتُخذ دون تهيئة مناخ تنافسي كافٍ يمنع الاختلالات التقنية أو يضمن حماية المستهلكين من تذبذبات السوق الدولية.
-
إصلاح نظام المقاصة: تميز التدبير المالي خلال تلك العشرية برفع اليد التدريجي عن دعم مجموعة من المواد الأساسية المندرجة ضمن صندوق المقاصة، وذلك في إطار خطة لتخفيض عجز الميزانية والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، مما شكل عبئاً إضافياً على الطبقات المتوسطة والهشة.
القرارات الاجتماعية والخيارات التدبيرية المؤلمة
إلى جانب التوجهات المالية الصِرفة، شهد المرفق العمومي إقرار قوانين ومساطر تسييرية صُنفت كإجراءات مؤلمة على المستوى الاجتماعي، ومنها:
-
إصلاح صناديق التقاعد: اعتُمدت خطة إصلاحية ارتكزت على مراجعة شروط السن والمساهمة والمعاش للموظفين، وهو الحل الذي اعتُبر مجحفاً لأنه حمّل الأجراء التكلفة الأكبر لعلاج الاختلالات الهيكلية للصناديق.
-
اعتماد التوظيف بالتعاقد: شكل إرساء التوظيف بموجب عقود في قطاع التعليم والوظيفة العمومية تحولاً جذرياً أثار احتجاجات واسعة، واعتبره منتقدون مساساً بالاستقرار الوظيفي والاجتماعي لفئات عريضة من الشباب.
تحدي استعادة الثقة وبناء الرؤية المستقبلية
أمام هذا الإرث التسييري، تواجه القيادات الحالية للحزب تحديات حقيقية في إقناع الرأي العام بجدوى ومصداقية البدائل المقترحة. فرغم اعتماد خطابات احترافية تركز على معضلات احتكار الصفقات العمومية ومحدودية القدرة على خلق فرص الشغل، يظل التساؤل الجوهري حول غياب نموذج اقتصادي واضح الهوية ومنسجم قادراً على تفادي القروض كأداة لتغطية العجز.
إن الرهان السياسي للمرحلة القادمة يتجاوز مجرد التشخيص والنقد الحزبي المتبادل، ليضع مسألة “ربط المسؤولية بالمحاسبة” على المحك، حيث يبقى الناخب المغربي مدعواً للمقارنة بين وعود البرامج المستقبلية وبين واقع وتأثير القرارات التي تم اتخاذها ميدانياً على مدار عقد من الزمن.






