قنبلة موقوتة بقطاع الصحة.. صفقات “المناولة” بتازة تفجر غضب الممرضين وتكشف عورة التدبير الإقليمي

بينما تتجه الأنظار محلياً ووطنياً صوب ورش الإصلاح الهيكلي للمنظومة الصحية، يبدو أن التدبير الميداني على مستوى المندوبيات الإقليمية يسير في اتجاه معاكس تماماً لرهانات الحكامة والشفافية. وفي هذا السياق، فجّرت النقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة بإقليم تازة ملفاً حارقاً بات يهدد بالانفجار، إثر مراسلة شديدة اللهجة وجهتها إلى المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، تطالب فيها بفتح تحقيق إداري وقانوني عاجل في ظروف وملابسات تدبير صفقة المناولة الجديدة الخاصة بخدمات الحراسة والنظافة بالمؤسسات الصحية التابعة للإقليم.
إلغاء مفاجئ وعلامات استفهام حول تدبير المال العام
حسب الوثيقة الصادرة عن المكتب الإقليمي للنقابة، فإن القطاع الصحي بالإقليم يعيش حالة من الارتباك الواضح في السير العادي للمرافق الصحية، وهي الحالة التي أعادت إلى الواجهة النقاش الأزلي حول خروقات وتجاوزات الصفقات العمومية بوزارة الصحة، وشبهات الزبونية والحزبية التي غالباً ما ترافق هندسة دفاتر التحملات لإرضاء جهات معينة على حساب حسن تدبير المال العام.
وتكمن أولى التجاوزات المرصودة في الإلغاء المفاجئ للصفقة السابقة الخاصة بالحراسة والنظافة قبل انتهاء مدتها التعاقدية القانونية، ودون تقديم أي مبررات أو توضيحات رسمية تكشف الأسباب التي أملت هذا القرار. هذا الإجراء الغامض يطرح، بحسب الفاعلين النقابيين، تساؤلات حتمية حول مدى هدر الموارد والنفقة العمومية، وما إذا كان هذا التعديل غير المفهوم قد ترتبت عنه أعباء مالية إضافية كان يمكن تفاديها لو احترمت مبادئ المساءلة والشفافية.
تداعيات اجتماعية قاسية: تسريح عشوائي في غياب البعد الإنساني
لم تقف اختلالات الصفقة الجديدة عند حدود الجانب التدبيري والمالي، بل امتدت لتضرب في الصميم السلم الاجتماعي والكرامة الإنسانية. فقد استنكرت النقابة الطريقة العشوائية التي تم بها الاستغناء عن عدد هام من حراس الأمن وعاملات النظافة الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها مطرودين ودون مورد رزق يحمي عائلاتهم، في ضرب صارخ للالتزامات الاجتماعية التي ينبغي أن تطبع الصفقات العمومية للدولة.
الفوضى الميدانية: بيئة مهنية مهددة بالعدوى والانفلات الأمني
إن انعكاسات هذا الملف المقلق تجاوزت الأثر الاجتماعي لتتحول إلى خطر صحي حقيقي داخل أسوار المستشفيات والمراكز الصحية بتازة:
-
تقليص حاد في الموارد البشرية: أدى التراجع الملحوظ في أعداد عمال الحراسة والنظافة المعينين بموجب الصفقة الجديدة إلى إحداث خصاص مهول انعكس سلباً على الأداء العام.
-
غياب الأمن والسلامة: بات الممرضون وتقنيو الصحة يشتغلون في بيئة مهنية مفتوحة على كل الاحتمالات والمخاطر، وتفتقر للحد الأدنى من شروط السلامة والوقاية، مما يضعهم في مواجهة مباشرة مع الاعتداءات وحالات الانفلات.
-
خطر العدوى داخل المصالح الحساسة: حذر التقرير النقابي من أن تراجع خدمات النظافة يهدد بانهيار شروط الوقاية من التعفنات والعدوى، خاصة في المصالح الاستشفائية ذات الحساسية العالية (كالإنعاش والمستعجلات والولادة)، مما يهدد سلامة المرتفقين والمهنيين على حد سواء.
في انتظار التدخل القضائي والإداري
أمام هذا الوضع المحتقن، شددت المركزية النقابية على أن حماية المال العام وحفظ كرامة الشغيلة وضمان جودة الخدمات الصحية للمواطنين هي مسؤولية دستورية وأخلاقية مشتركة لا تقبل التنازل. وطالبت المندوبية الإقليمية بالتدخل الفوري لتدارك العجز الخطير في الحراسة والنظافة وصون حقوق العمال المطرودين، مع إشراك الفرقاء الاجتماعيين في صناعة القرار.
إن ملف صفقات المناولة بتازة يمثل عينة صغيرة من ملفات حارقة بوزارة الصحة تنتظر فتح تحقيقات مستقلة وجريئة من طرف قضاة المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للوزارة، لوضع حد لسياسة “الترضيات” والزبونية، وإعادة الاعتبار للمرفق الصحي العمومي.






