قضايا

صفقات التجهيزات الرقمية بأكاديمية فاس ـ مكناس تثير الجدل.. دعوات إلى إعادة ترتيب الأولويات وربط الاستثمار بحاجيات المدرسة العمومية

أثار توجه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس ـ مكناس نحو تخصيص اعتمادات مالية مهمة لاقتناء تجهيزات رقمية تشمل اللوحات الإلكترونية والحواسيب والمعدات المعلوماتية، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط التربوية وبين عدد من المتابعين للشأن التعليمي، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام هذه النفقات مع الأولويات الملحة التي تواجهها المؤسسات التعليمية بالجهة.

ويأتي هذا الجدل في وقت لا تزال فيه العديد من المؤسسات التعليمية، خاصة بالمناطق القروية والجبلية، تواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والتجهيزات الأساسية وظروف التمدرس، الأمر الذي دفع عدداً من الفاعلين التربويين إلى المطالبة بإعادة ترتيب الأولويات وضمان التوازن بين مشاريع الرقمنة ومتطلبات التأهيل المادي للمؤسسات التعليمية.

ويرى متتبعون أن التحول الرقمي داخل المدرسة المغربية يعد خياراً استراتيجياً لا يمكن تجاهله في ظل التطورات المتسارعة التي يعرفها قطاع التعليم على الصعيد العالمي، غير أن نجاح هذا التحول يظل مرتبطاً بتوفير بيئة مدرسية ملائمة وقادرة على استيعاب هذه التجهيزات والاستفادة منها بالشكل المطلوب.

ويشير عدد من المهتمين بالشأن التربوي إلى أن بعض المؤسسات التعليمية بالجهة ما تزال تعاني من إكراهات مرتبطة بالبنيات الأساسية، من قبيل الحاجة إلى تأهيل الحجرات الدراسية وتحسين المرافق الصحية وتطوير الفضاءات التعليمية وتوفير شروط الاستقبال المناسبة للتلاميذ والأطر التربوية، وهي ملفات يعتبرها الكثيرون ذات أولوية قصوى بالنظر إلى تأثيرها المباشر على جودة التعلمات وظروف التمدرس.

وفي السياق ذاته، أعاد هذا الملف إلى الواجهة النقاش حول الحكامة في تدبير الصفقات العمومية داخل قطاع التعليم، خاصة بعد الجدل الذي رافق بعض الصفقات المرتبطة بالتجهيزات المدرسية خلال الفترة الأخيرة. ويرى متابعون أن أي استثمار عمومي، مهما كانت أهدافه، يجب أن يخضع لمعايير الشفافية والنجاعة وتكافؤ الفرص، وأن يكون موجهاً بالدرجة الأولى لخدمة المصلحة الفضلى للتلميذ وتحسين مؤشرات الأداء التربوي.

كما يطالب فاعلون تربويون بضرورة تعزيز التواصل المؤسساتي مع مختلف الشركاء، من نقابات تعليمية وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ وهيئات المجتمع المدني، بما يضمن إشراكاً أوسع في مناقشة الأولويات التنموية للمنظومة التعليمية الجهوية، ويساهم في بناء الثقة حول الخيارات والبرامج المعتمدة.

ويؤكد عدد من الخبراء أن الرقمنة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحسين جودة التعليم وتطوير أساليب التدريس والتعلم. لذلك فإن نجاح المشاريع الرقمية يظل رهيناً بتوفير شروط المواكبة والتكوين والتأهيل، إلى جانب ضمان جاهزية المؤسسات التعليمية من حيث البنية التحتية والربط بالشبكات والتجهيزات الأساسية.

وفي المقابل، يرى متابعون أن المرحلة الحالية تستوجب إجراء تقييم دقيق لحاجيات المؤسسات التعليمية بجهة فاس ـ مكناس، من أجل تحديد الأولويات الفعلية وتوجيه الموارد المالية نحو المشاريع الأكثر تأثيراً على المنظومة التربوية، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية أو التجهيزات أو الدعم الاجتماعي أو برامج الارتقاء بجودة التعلمات.

ويظل الرهان الأساسي اليوم هو تحقيق التوازن بين متطلبات التحديث الرقمي للمدرسة العمومية وبين معالجة الإكراهات البنيوية التي ما تزال تواجه عدداً من المؤسسات التعليمية. فالإصلاح الحقيقي، بحسب العديد من الفاعلين التربويين، لا يقاس فقط بعدد الحواسيب واللوحات الإلكترونية المقتناة، بل بمدى انعكاس الاستثمارات العمومية على تحسين ظروف التمدرس، والرفع من جودة التعليم، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف التلاميذ بمناطق الجهة.

وفي انتظار توضيحات رسمية بشأن مختلف الجوانب المرتبطة بهذه المشاريع، يبقى النقاش مفتوحاً حول كيفية تدبير الموارد المالية المخصصة لقطاع التعليم، وحول السبل الكفيلة بضمان توجيهها نحو أولويات تستجيب لتطلعات الأسرة التعليمية وتخدم المدرسة العمومية باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية وبناء المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى