قضايا

خالد آيت الطالب يضع حداً للتوظيف الانتخابي للأوراش بفاس ـ مكناس..وزارة الداخلية تعمم الحزم ضد التوظيف الانتخابي لأوراش التزفيت والتهيئة

يبدو أن الرسائل الصارمة التي بدأت تخرج من عدد من الولايات والعمالات عبر التراب الوطني بشأن تدبير المشاريع العمومية، تتجه نحو تكريس مرحلة جديدة عنوانها القطع مع أي توظيف انتخابي للأوراش الممولة من المال العام، وذلك بعد المعطيات التي كشفت عن توجيه عمال عمالات وأقاليم بجهة الدار البيضاء ـ سطات تعليمات واضحة إلى المنتخبين تدعوهم إلى الابتعاد عن استغلال مشاريع التزفيت والصيانة الحضرية في الدعاية السياسية أو تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازات شخصية.

وتأتي هذه المستجدات في وقت يرى فيه متابعون أن جهة فاس-مكناس كانت من بين الجهات السباقة إلى تفعيل هذا التوجه على أرض الواقع، من خلال تدخل السلطات الترابية في شخص والي الجهة خالد ايت طالب لوقف عدد من الأشغال المرتبطة بتزفيت بعض الشوارع والأزقة، بعد إثارة تساؤلات حول مدى احترام الأولويات التقنية والمعايير المعتمدة في برمجة المشاريع.

فخلال الأسابيع الماضية، استأثرت بعض عمليات التزفيت التي شهدتها مقاطعتا سايس وزواغة ـ بنسودة بمدينة فاس باهتمام الرأي العام المحلي، بعدما تدخلت السلطات المختصة لإعادة النظر في عدد من الأشغال وهو ما عجل بولاية الجهة بإصدار قرار على وجه الإستعجال من أجل وقف جميع الأشغال التي يقودها رؤساء المقاطعات و جماعة فاس بعد أن تبين ان العملية تدخل في الحملات الإنتخابية السابقة لآونها.

ويرى فاعلون محليون أن ما وقع بجهة فاس مكناس شكل نموذجاً مبكراً لما بدأت وزارة الداخلية اليوم في تعميمه على مستوى عدد من الجهات، من خلال التشديد على ضرورة احترام الاختصاصات القانونية للمنتخبين وعدم السماح بتحويل أوراش الصيانة أو التهيئة إلى أدوات للتسويق السياسي.

وتكشف المعطيات المتداولة على المستوى الوطني أن السلطات بجهة الدار البيضاء ـ سطات رصدت حالات تدخل فيها بعض المنتخبين بشكل مباشر في تتبع أشغال الصيانة والتزفيت، مع الحرص على الظهور الميداني المتكرر داخل الأوراش وتوثيق تلك الزيارات ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في محاولة لتقديمها كإنجازات مرتبطة بأشخاص أو هيئات سياسية معينة، رغم أن هذه المشاريع تمول من المال العام وتندرج ضمن برامج جماعية ومخططات تقنية محددة سلفاً.

كما أثارت تقارير ميدانية مخاوف بشأن محاولات توجيه بعض مشاريع التهيئة نحو أحياء ومناطق ترتبط بخزانات انتخابية معينة، وهو ما دفع السلطات إلى التشديد على أن الأولوية يجب أن تمنح وفق معايير موضوعية مرتبطة بالحاجة الفعلية، وحالة الطرقات، والكثافة السكانية، وحجم الاستعمال، وليس وفق اعتبارات انتخابية أو مصالح شخصية.

وفي هذا السياق، يكتسي ما جرى بجهة فاس مكناس أهمية خاصة، باعتبار أن السلطات الجهوية أظهرت منذ وقت مبكر حرصاً على مراقبة عدد من الأوراش وضمان احترام المساطر القانونية والتقنية المؤطرة لها. ويعتبر متابعون أن هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الجديدة التي تعتمدها وزارة الداخلية في مجال الحكامة الترابية، والقائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق والأحياء.

كما أن هذه الإجراءات تحمل رسائل واضحة إلى المنتخبين مفادها أن تدبير الشأن المحلي يجب أن يبقى مؤسساً على البرامج التنموية والحاجيات الحقيقية للمواطنين، لا على منطق الاستفادة السياسية أو السعي إلى تحقيق مكاسب انتخابية مبكرة من خلال مشاريع تمول من أموال دافعي الضرائب.

ويرى مراقبون أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يجعل من الضروري تشديد الرقابة على مختلف المشاريع الجماعية، خصوصاً تلك المرتبطة بالبنية التحتية وأوراش القرب، لما تمثله من تأثير مباشر على الرأي العام المحلي. ومن هنا تأتي أهمية التعليمات التي تم تعميمها سواء بجهة الدار البيضاء ـ سطات أو عبر تدخلات مماثلة شهدتها جهة فاس مكناس، والتي تؤكد أن الدولة تتجه نحو حماية المال العام من أي استغلال سياسي أو انتخابي.

إن ما يحدث اليوم يعكس تحولا نوعيا في تدبير العلاقة بين العمل الجماعي والسلطة الترابية، ويؤشر على مرحلة جديدة يصبح فيها احترام الدراسات التقنية وبرامج الأولويات والشفافية في توزيع المشاريع أساساً لأي تدخل ميداني. فالمواطن لم يعد يبحث عن الصور التذكارية داخل الأوراش أو الحملات الدعائية المصاحبة لها، بقدر ما ينتظر مشاريع حقيقية وعادلة تستجيب لحاجياته اليومية وتنعكس بشكل مباشر على جودة عيشه.

ومن هذا المنطلق، تبدو جهة فاس مكناس، من خلال التدخلات التي شهدتها بعض أوراش التزفيت وإعادة ضبط مساراتها وفق المعايير المعتمدة، واحدة من أولى الجهات التي جسدت عملياً هذا التوجه الجديد، قبل أن تتسع دائرة الحزم واليقظة لتشمل جهات أخرى بالمملكة، في إطار مسعى وطني يروم تكريس الحكامة الجيدة وحماية التنمية المحلية من أي توظيف انتخابي أو سياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى