مجتمع

تقرير يثير نقاشاً واسعاً حول مستقبل الحماية الاجتماعية بالمغرب.. تحديات التمويل والاستهداف وفعالية الدعم تحت المجهر

أعاد تقرير تحليلي حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات فتح النقاش حول حصيلة ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب، مسلطاً الضوء على مجموعة من التحديات المالية والتقنية والاجتماعية التي ما تزال تواجه أحد أكبر الأوراش الإصلاحية التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.

التقرير، الذي حمل عنوان “هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟”، اعتبر أن التحدي الأكبر الذي يواجه المنظومة الجديدة يتمثل في ضمان استدامتها المالية وقدرتها على مواصلة تقديم الخدمات الاجتماعية والصحية بالمستوى المطلوب، في ظل الصعوبات المرتبطة باستخلاص الاشتراكات وارتفاع حجم الالتزامات المالية.

عجز مالي يهدد استدامة المنظومة

ومن أبرز الخلاصات التي توقف عندها التقرير، وجود مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن التوازنات المالية للمنظومة، خاصة على مستوى التأمين الإجباري عن المرض الخاص بغير الأجراء.

فبحسب المعطيات الواردة في الدراسة، ما تزال نسب استخلاص الاشتراكات دون المستوى المطلوب، رغم المجهودات المبذولة لتوسيع قاعدة المنخرطين. ففي الوقت الذي تحسنت فيه معدلات التحصيل في بعض الأنظمة، لا تزال نسبة مهمة من الاشتراكات المستحقة غير مؤداة، الأمر الذي يضع ضغطاً متزايداً على الموارد المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

وتشير الأرقام التي أوردها التقرير إلى أن قيمة المبالغ غير المستخلصة ضمن الأنظمة المساهماتية للتغطية الصحية تقترب من ستة مليارات درهم، من أصل أكثر من عشرة مليارات درهم مستحقة، وهو ما يعني فقدان جزء كبير من الموارد التي كان يفترض أن تساهم في تمويل الخدمات الصحية والاجتماعية.

ويرى معدو التقرير أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اختلال التوازن بين الموارد والنفقات، وهو التوازن الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية لضمان استمرارية أي نظام للحماية الاجتماعية.

الاقتراض الخارجي.. حل ظرفي أم تحدٍ مستقبلي؟

وسلط التقرير الضوء كذلك على لجوء الدولة إلى تعبئة موارد مالية إضافية عبر الاقتراض الخارجي من أجل دعم ورش الحماية الاجتماعية ومواصلة تمويل برامجه المختلفة.

وبحسب المعطيات الواردة في الدراسة، فقد استفاد هذا الورش من تمويلات مهمة خلال السنوات الأخيرة، ما ساهم في تسريع تنزيل عدد من البرامج الاجتماعية، غير أن التقرير حذر في المقابل من تداعيات الاعتماد المفرط على القروض في تمويل النفقات الاجتماعية على المدى الطويل.

ويرى التقرير أن استدامة الحماية الاجتماعية تقتضي بالدرجة الأولى تعزيز الموارد الذاتية للمنظومة وتحسين مردودية استخلاص الاشتراكات، بدل الاعتماد المستمر على التمويلات الخارجية التي قد ترفع من أعباء المديونية مستقبلاً.

إشكالات الاستهداف والسجل الاجتماعي الموحد

ومن بين أبرز النقاط التي أثارها التقرير أيضاً، موضوع الاستهداف الاجتماعي وآليات تحديد الأسر المستفيدة من برامج الدعم.

فوفق القراءة التحليلية للمعهد، ما تزال بعض الأسر تشتكي من صعوبات مرتبطة بطريقة احتساب المؤشرات المعتمدة داخل السجل الاجتماعي الموحد، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى فقدان الاستفادة من الدعم رغم استمرار ظروف الهشاشة.

كما أشار التقرير إلى أن أي تغيير في بعض المعطيات أو المؤشرات المعتمدة قد ينعكس مباشرة على وضعية الأسر داخل النظام، وهو ما يخلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى عدد من المستفيدين الذين يخشون فقدان الدعم نتيجة تغييرات تقنية أو إدارية لا تعكس بالضرورة واقعهم الاجتماعي الحقيقي.

ويؤكد التقرير أن نجاح الاستهداف الاجتماعي يظل رهيناً بمواصلة تحسين قواعد البيانات وتحيين المعايير المعتمدة بشكل مستمر، بما يضمن عدالة أكبر في توجيه الدعم نحو الفئات المستحقة.

قيمة الدعم.. بين الطموح والواقع المعيشي

وتوقف التقرير مطولاً عند قيمة بعض الإعانات الاجتماعية، معتبراً أن عدداً من المبالغ المخصصة لبعض الفئات لم تعد تواكب التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وأشار إلى أن عدداً من التعويضات والإعانات الموجهة للأسر والأطفال وكبار السن ظلت مستقرة دون مراجعات جوهرية تأخذ بعين الاعتبار تطور الأسعار ومستويات التضخم، وهو ما يؤثر على قدرتها الفعلية في تحسين الظروف المعيشية للفئات المستفيدة.

كما سجل التقرير أن بعض الفئات الهشة، ومن ضمنها الأسر المعوزة والأطفال في وضعية هشاشة، ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بمحدودية الدعم المقدم مقارنة بالاحتياجات اليومية المتزايدة.

ويرى معدو الدراسة أن الدعم المالي المباشر، رغم أهميته في تخفيف بعض الأعباء الاجتماعية، لا يمكن أن يحقق بمفرده أهداف محاربة الفقر والهشاشة ما لم يواكب بسياسات موازية تركز على التشغيل والإدماج الاقتصادي وتحسين الدخل.

فجوة بين الأهداف والنتائج

وفي تقييمه للحصيلة العامة للورش، أشار التقرير إلى أن برامج الحماية الاجتماعية حققت تقدماً ملموساً على مستوى توسيع قاعدة المستفيدين وإدماج ملايين المواطنين في أنظمة التغطية الصحية والدعم الاجتماعي، وهو ما يمثل مكسباً اجتماعياً مهماً.

غير أن الدراسة اعتبرت أن هناك فجوة ما تزال قائمة بين الأهداف الطموحة التي سطرتها النصوص القانونية المؤطرة للورش وبين النتائج المحققة على أرض الواقع، سواء فيما يتعلق بالتغطية الشاملة أو بتحقيق الحد الأدنى من الدخل الذي يضمن العيش الكريم للأسر الأكثر هشاشة.

ورش استراتيجي يحتاج إلى التقييم والتطوير

ورغم الانتقادات والملاحظات التي تضمنها التقرير، فإنه أكد في المقابل أن ورش الحماية الاجتماعية يظل أحد أهم الإصلاحات الاجتماعية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، بالنظر إلى عدد المستفيدين وحجم التحولات التي أحدثها في منظومة الدعم والتغطية الصحية.

غير أن نجاح هذا الورش على المدى البعيد، وفق خلاصات التقرير، سيظل مرتبطاً بقدرة مختلف المتدخلين على معالجة الاختلالات المسجلة، وتحسين آليات التمويل والاستهداف، وضمان استدامة الموارد المالية، مع تطوير قيمة الإعانات بما يواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة.

وبين الطموح الكبير الذي رافق إطلاق هذا المشروع الملكي الاستراتيجي، والتحديات التي تفرضها مرحلة التنزيل، يظل الرهان المطروح اليوم هو الانتقال من تعميم الاستفادة إلى ضمان الفعالية والإنصاف والاستدامة، حتى تحقق الحماية الاجتماعية أهدافها في تعزيز العدالة الاجتماعية وصون كرامة المواطنين وتحسين جودة عيشهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى