سياسة

المحكمة الدستورية تزكي إصلاح قانون الجهات.. صلاحيات أوسع وتنمية ترابية معززة وموارد مالية إضافية ابتداء من 2027

حسمت المحكمة الدستورية الجدل القانوني المرتبط بمشروع إصلاح منظومة الجهات، بعدما أصدرت قرارها القاضي بمطابقة القانون التنظيمي رقم 031.26 المتعلق بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 الخاص بالجهات لأحكام الدستور، في خطوة تشكل محطة جديدة في مسار تعزيز الجهوية المتقدمة وتوسيع أدوار الجماعات الترابية في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وجاء قرار المحكمة الدستورية عقب إحالة المشروع عليها من طرف رئيس الحكومة قصد البت في مدى مطابقته للمقتضيات الدستورية، حيث أكدت المؤسسة الدستورية أن النص استوفى جميع المساطر والإجراءات القانونية المنصوص عليها قبل المصادقة النهائية عليه.

وسجلت المحكمة أن المشروع مر بمختلف المراحل الدستورية والتنظيمية المطلوبة، بداية من التداول بشأنه داخل المجلس الوزاري، مروراً بمناقشته والمصادقة عليه داخل مجلس النواب، ثم عرضه على مجلس المستشارين الذي صادق عليه بدوره بالأغلبية، قبل إحالته على المحكمة الدستورية لممارسة رقابتها القبلية الواجبة بالنسبة للقوانين التنظيمية.

دفعة جديدة للجهوية المتقدمة

ويعتبر هذا القانون من أبرز النصوص التشريعية المرتبطة بتفعيل ورش الجهوية المتقدمة، بالنظر إلى ما يحمله من مستجدات تستهدف تطوير اختصاصات الجهات وتعزيز حضورها في تدبير الشأن التنموي داخل المجالات الترابية التابعة لها.

ومن أبرز المقتضيات الجديدة التي تضمنها النص توسيع مجالات تدخل الجهات في التنمية الاقتصادية، عبر منحها صلاحيات أكبر في دعم الاستثمار المنتج، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، والمساهمة في إحداث وتطوير مناطق الأنشطة الاقتصادية والمنصات الصناعية والمجمعات الغذائية، بما يعزز دور الجهات كفاعل اقتصادي أساسي في جذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل.

كما واكب القانون التحولات التي يشهدها المغرب في مجال الرقمنة، من خلال إدراج التنمية الرقمية ضمن مجالات تدخل الجهات، وهو ما من شأنه تعزيز التحول الرقمي على المستوى الترابي وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الرقمية.

تعزيز التنمية القروية وفك العزلة

ومن بين أبرز المستجدات التي حملها القانون الجديد أيضاً، توسيع اختصاصات الجهات في مجال التنمية القروية، حيث أصبحت قادرة على التدخل في إنجاز وتهيئة وصيانة الطرق غير المصنفة التي تعبر أكثر من إقليم داخل الجهة نفسها، وهو إجراء ينتظر أن يساهم في تحسين الربط بين المناطق القروية وفك العزلة عن عدد من الجماعات الترابية.

كما تم تمديد الأجل المخصص لإعداد برامج التنمية الجهوية إلى 18 شهراً، بهدف منح المجالس الجهوية الوقت الكافي لإعداد برامج أكثر واقعية ونجاعة، تستجيب للحاجيات الحقيقية للمجالات الترابية وتنسجم مع التوجهات الوطنية الكبرى.

من الوكالات إلى الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع

ومن المستجدات الهيكلية البارزة التي زكتها المحكمة الدستورية، تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع في شكل شركات مساهمة تمتلك الجهات أغلبية رأسمالها.

ويهدف هذا التحول إلى توفير آليات أكثر مرونة وفعالية لتنزيل المشاريع التنموية وتتبع إنجازها، فضلاً عن تقديم الدعم التقني والهندسي للمجالس الجهوية وتمكينها من أدوات تدبير حديثة تستجيب لمتطلبات الحكامة والسرعة في التنفيذ.

واعتبرت المحكمة أن إسناد تعيين المدير العام لهذه الشركات إلى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية لا يتعارض مع مبدأ التدبير الحر للجهات، بل يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم الاختصاصات وتوزيع المسؤوليات بين مختلف المؤسسات.

حكامة مالية ورقابة جديدة

كما صادقت المحكمة على النظام الرقابي الجديد الذي سيخضع له هذا الصنف من الشركات، حيث تم اعتماد آلية افتحاص سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، مع الحفاظ على الحقوق القانونية والمكتسبة للعاملين بهذه المؤسسات.

وفي جانب آخر، أقر القانون إمكانية مساهمة الجهات، بمبادرة من الدولة، في تمويل مشاريع وبرامج وطنية تنجز داخل نفوذها الترابي حتى وإن كانت خارج اختصاصاتها الذاتية، في خطوة تروم تعزيز التكامل بين السياسات العمومية الوطنية والبرامج التنموية الجهوية، وضمان الالتقائية بين مختلف المتدخلين.

موارد مالية غير مسبوقة للجهات

ويشكل الجانب المالي أحد أهم محاور الإصلاح الجديد، حيث نص القانون على تعزيز الموارد المالية للجهات بشكل ملحوظ، عبر تخصيص حصص قارة من عدد من الضرائب والرسوم الوطنية لفائدتها.

وبموجب المقتضيات الجديدة، ستستفيد الجهات من 5 في المائة من حصيلة الضريبة على الشركات، و5 في المائة من حصيلة الضريبة على الدخل، إضافة إلى 20 في المائة من حصيلة الرسم على عقود التأمين، وهو ما من شأنه تعزيز استقلاليتها المالية وتوسيع هامش تدخلها التنموي.

كما ألزم القانون الدولة بضمان تحويلات مالية سنوية لفائدة الجهات لا يقل مجموعها عن 12 مليار درهم ابتداءً من السنة المالية 2027، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو تمكين الجهات من الإمكانيات المالية اللازمة للاضطلاع باختصاصاتها المتزايدة.

مرحلة جديدة في مسار اللامركزية

ويرى متابعون أن مصادقة المحكمة الدستورية على هذا القانون التنظيمي تمثل منعطفاً مهماً في مسار تنزيل ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، خاصة وأن النص الجديد يمنح الجهات أدوات قانونية ومؤسساتية ومالية إضافية تمكنها من لعب أدوار أكبر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.

ومع دخول هذه المقتضيات حيز التنفيذ، تنتظر المجالس الجهوية بالمملكة مرحلة جديدة عنوانها توسيع الاختصاصات وتعزيز المسؤوليات، في مقابل رفع مستوى النجاعة والحكامة وربط التنمية الترابية بحاجيات المواطنين وانتظاراتهم، بما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة الرامية إلى ترسيخ جهوية قوية وفعالة قادرة على تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى