قضايا

الداخلية تشدد الرقابة على صفقات النخيل.. تحركات لوقف هدر المال العام وإعادة الاعتبار للمنتوج الوطني

باشرت وزارة الداخلية مرحلة جديدة من تشديد الرقابة على صفقات التهيئة الحضرية المرتبطة باقتناء وغرس أشجار النخيل، بعدما وجهت تعليمات صارمة إلى مختلف المصالح الترابية تدعو إلى إعادة فحص ومراجعة الشروط التقنية ودفاتر التحملات الخاصة بسندات الطلب وصفقات التزود بالنخيل الموجه لتزيين الشوارع والساحات والفضاءات العمومية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق توجه رسمي يروم معالجة اختلالات رصدتها تقارير تفتيش ومراقبة إدارية، كشفت وجود ثغرات في تدبير عدد من الصفقات التي استنزفت اعتمادات مالية مهمة دون أن تحقق النتائج المرجوة على مستوى تحسين المشهد الحضري أو ضمان استدامة الأغراس المنجزة.

وبحسب معطيات متداولة داخل الأوساط الإدارية، فإن عمليات التدقيق التي باشرتها لجان المراقبة كشفت عن ممارسات أثارت الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية تدبير بعض الصفقات المتعلقة بالنخيل المستورد، خاصة في ظل تسجيل حالات متكررة لتلف أعداد كبيرة من الأشجار بعد فترة قصيرة من غرسها، رغم الكلفة المالية المرتفعة التي تحملتها الجماعات الترابية.

وأظهرت الملاحظات المسجلة أن بعض الصفقات اعتمدت بشكل شبه حصري على أصناف مستوردة، في مقابل تراجع حضور النخيل المحلي داخل دفاتر الشروط، رغم ما يتميز به من قدرة أكبر على التأقلم مع الظروف المناخية الوطنية ومقاومة الأمراض والآفات الزراعية، فضلاً عن انخفاض تكاليف اقتنائه وصيانته مقارنة بالأصناف المستوردة.

وأثارت هذه الوضعية شكاوى متكررة من مهنيين وموردين، اعتبروا أن بعض دفاتر التحملات صيغت بطريقة حدّت من مبدأ المنافسة وفتحت المجال أمام استفادة شركات محددة من صفقات بمبالغ مالية كبيرة، وهو ما دفع مصالح المراقبة إلى التدقيق في عدد من المساطر والإجراءات المرتبطة بإعداد طلبات العروض وآليات الانتقاء والتتبع.

كما كشفت عمليات الافتحاص عن وجود حالات تلف واسعة مست عدداً من أشجار النخيل المزروعة ضمن مشاريع التهيئة والتأهيل الحضري، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول جودة الأصناف المستوردة ومدى مطابقتها للمواصفات التقنية المنصوص عليها في العقود والصفقات العمومية، خصوصاً أن بعض هذه المشاريع تندرج ضمن برامج استراتيجية تهدف إلى تحسين جاذبية المدن وتطوير بنياتها التحتية استعداداً للاستحقاقات الدولية الكبرى التي يحتضنها المغرب خلال السنوات المقبلة.

وفي موازاة ذلك، سلطت التقارير الرقابية الضوء على اختلالات أخرى مرتبطة بتدبير الموارد البشرية داخل بعض المصالح الجماعية المكلفة بالصفقات والتجهيزات والمساحات الخضراء، حيث تم تسجيل ملاحظات تتعلق بضعف التأطير التقني والإداري، وتكليف موظفين بمسؤوليات حساسة دون توفرهم على الخبرة والتكوين الكافيين لتدبير ملفات مالية وتقنية معقدة، ما ساهم في ظهور ثغرات على مستوى إعداد دفاتر التحملات وتتبع تنفيذ الصفقات ومراقبة عمليات التسليم.

ويرى متابعون أن هذه المعطيات تعكس الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الصفقات العمومية المرتبطة بالتهيئة الحضرية، ليس فقط من أجل ترشيد النفقات العمومية، بل أيضاً لضمان جودة المشاريع المنجزة وتحقيق النجاعة المطلوبة في استثمار الأموال المرصودة لتحسين الفضاءات العامة.

كما يكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى أن المغرب يراهن بشكل متزايد على تحسين المشهد الحضري والرفع من جودة الخدمات والمرافق العمومية، في إطار رؤية تنموية واسعة تسعى إلى تعزيز جاذبية المدن ورفع قدرتها على استقطاب الاستثمار والسياحة وتنظيم التظاهرات الدولية.

وفي هذا الإطار، تؤكد التوجيهات الجديدة الصادرة عن وزارة الداخلية وجود إرادة واضحة لإغلاق منافذ الهدر والاختلالات التي ظلت ترافق بعض الصفقات العمومية لسنوات، مع تعزيز آليات المراقبة والمحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل المراحل المرتبطة بإعداد وتنفيذ وتتبع المشاريع.

ويراهن هذا التوجه كذلك على إعادة الاعتبار للمنتوج الوطني وتشجيع استعمال الأصناف المحلية التي أثبتت نجاعتها وقدرتها على التكيف مع الخصوصيات البيئية والمناخية للمملكة، بما يضمن استدامة المشاريع ويقلص من الخسائر المالية الناتجة عن تلف الأغراس أو الحاجة إلى تعويضها بشكل متكرر.

وبين متطلبات تجميل الفضاءات الحضرية وضرورة حماية المال العام، تبدو السلطات عازمة على فتح صفحة جديدة في تدبير صفقات التهيئة الحضرية، عنوانها الحكامة الجيدة والشفافية والنجاعة، بما يضمن أن تتحول المشاريع الممولة من أموال دافعي الضرائب إلى استثمارات حقيقية تخدم المواطنين وتحافظ على الموارد العمومية بدل أن تتحول إلى مصدر للجدل والاتهامات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى