أوراش بمليارات الدراهم وشركات أجنبية تستفيد.. “مجمع فاس الشور” بين ضخّ المال العام وواقع التشغيل الهش وأسئلة الحكامة الغائبة

تشهد مدينة فاس ونواحيها خلال السنوات الأخيرة إطلاق عدد من الأوراش والمشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع مرتبطة بـ“مجمع الشور” والبنيات المرافقة له، في إطار دينامية استثمارية كبرى تم ضخها عبر اعتمادات مالية مهمة من طرف مؤسسات الدولة، ومجلس جهة فاس–مكناس، وشركاء عموميين مختلفين.
لكن خلف هذه الصورة الاستثمارية الواسعة، تتصاعد أسئلة حارقة حول طبيعة الاستفادة الفعلية من هذه المشاريع، وحول من يربح فعلياً من هذا الزخم المالي، وما إذا كانت هذه الأوراش تُترجم إلى تنمية محلية حقيقية، أم أنها تتحول إلى منصات استفادة لشركات أجنبية تعيد إنتاج منطق اقتصادي غير متوازن.
استثمارات ضخمة.. لكن لمن تُصنع القيمة المضافة؟
المعطيات المتداولة محلياً تشير إلى أن عدداً من المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات والتجهيزات الصناعية في محيط فاس، تعرف مشاركة شركات أجنبية كبرى، تستفيد من الصفقات العمومية ومن عقود الإنجاز والتدبير، في إطار شراكات مع مؤسسات عمومية ومجالس منتخبة.
غير أن الإشكال المطروح لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار، بل بمدى انعكاسه على الاقتصاد المحلي، خاصة في ما يتعلق بخلق الثروة داخل المدينة نفسها، وليس فقط تمريرها عبر شركات أجنبية تعيد توجيه أرباحها خارج التراب الوطني.
شركات أجنبية وأجندة اقتصادية مختلفة
وفق ما يثيره عدد من المتتبعين، فإن بعض الشركات الأجنبية العاملة في هذه المشاريع تنتمي إلى نماذج اقتصادية تعتمد على تقليص كلفة الإنتاج إلى الحد الأدنى، خاصة عبر الاستفادة من يد عاملة محلية بأجور منخفضة مقارنة بدولها الأصلية.
ففي الوقت الذي قد تصل فيه أجور بعض العمالة في بلدان هذه الشركات إلى ما يقارب خمس ملايين سنتيم شهرياً أو أكثر، يتم تشغيل اليد العاملة المغربية في نفس الأنشطة بأجور لا تتجاوز في كثير من الحالات 5000 درهم، رغم حجم الأرباح المحققة من المشاريع ذاتها.
هذا الفارق الصارخ في الكلفة يطرح سؤال العدالة الاقتصادية: من يستفيد فعلاً من الاستثمار؟ الدولة؟ المواطن؟ أم الشركات العابرة التي تبحث عن أسواق منخفضة التكلفة وعالية الربح؟
ترحيل الخدمات.. اقتصاد بلا جذور محلية؟
يطرح أيضاً موضوع “ترحيل الخدمات” كأحد أبرز الإشكالات المرتبطة بهذا النموذج الاقتصادي، حيث تعتمد بعض الشركات على تحويل جزء من الأنشطة إلى شبكات خارجية أو مراكز قرار خارج المغرب، بما يحدّ من تراكم القيمة المضافة داخل المدينة أو الجهة.
وفي هذا السياق، يجد الاقتصاد المحلي نفسه أمام مفارقة واضحة: أوراش ضخمة، واستثمارات معلنة، لكن دون أثر واضح على بنية التشغيل المستقر أو خلق طبقة صناعية محلية قوية قادرة على الاستمرارية.
فاس.. استفادة محدودة من المشاريع الكبرى
بالنسبة لمدينة فاس، ورغم موقعها التاريخي والاقتصادي، إلا أن جزءاً من المشاريع المعلن عنها لا ينعكس بشكل واضح على سوق الشغل المحلي، سواء من حيث جودة الوظائف أو استدامتها أو مستوى الأجور.
فالمطلوب اليوم لا يقتصر على إنجاز مشاريع بنية تحتية أو مراكز صناعية، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان أن تكون هذه المشاريع رافعة فعلية للتنمية المحلية، عبر إدماج اليد العاملة المؤهلة، وتطوير الكفاءات، وربط الاستثمار بخلق قيمة مضافة داخل المدينة نفسها.
مجلس الجهة ومؤسسة الاستثمار.. أين الفعالية؟
في خضم هذا المشهد، تبرز تساؤلات حادة حول دور المجلس الجهوي للاستثمار والهيئات المكلفة بجلب وتوجيه الاستثمارات نحو جهة فاس–مكناس.
ففي الوقت الذي تُصرف فيه اعتمادات ضخمة على البنية التحتية وتحفيز الاستثمار، يرى بعض المتتبعين أن تدفق الاستثمارات الأجنبية لا يعكس دائماً مردودية اقتصادية قوية على مستوى المدينة، سواء من حيث التشغيل المستدام أو نقل التكنولوجيا أو خلق نسيج صناعي محلي قوي.
هذا الواقع يطرح سؤال الحكامة الاقتصادية: هل يتم فعلاً توجيه الاستثمار نحو ما يخدم التنمية المحلية، أم أن منطق جذب أي استثمار يطغى أحياناً على حساب الجودة والأثر؟
المال العام في مواجهة منطق السوق العالمي
ما يثير الانتباه أيضاً هو أن جزءاً كبيراً من هذه الأوراش يتم تمويله بشكل مباشر أو غير مباشر من المال العام، سواء عبر ميزانية الدولة أو عبر مساهمات المجالس المنتخبة والجهات العمومية.
وفي المقابل، تستفيد شركات خاصة، غالباً متعددة الجنسيات، من هذه الاستثمارات لتنفيذ مشاريع تحقق لها أرباحاً مهمة، بينما يبقى الأثر الاجتماعي والاقتصادي المحلي محدوداً في كثير من الحالات.
هذا التوازن غير المتكافئ بين “من يدفع” و“من يستفيد” يعيد طرح سؤال السيادة الاقتصادية داخل المشاريع التنموية الكبرى.
الحاجة إلى نموذج استثماري أكثر عدلاً
المعضلة اليوم لا تتعلق بوجود استثمارات أجنبية في حد ذاتها، بل بكيفية إدماج هذه الاستثمارات داخل نسيج اقتصادي وطني ومحلي يضمن نقل الخبرة، وخلق فرص شغل ذات جودة، وتعزيز القدرة التنافسية للمدينة والجهة.
كما أن غياب الشفافية حول الأثر الحقيقي لهذه المشاريع يجعل من الصعب تقييم مدى نجاح السياسات الاستثمارية الحالية، ومدى قدرتها على تحقيق التنمية المتوازنة.
أوراش كبرى.. وأسئلة أكبر
بين الأوراش الضخمة التي تُطلق، والاعتمادات التي تُصرف، والشركات الأجنبية التي تنفذ وتستفيد، يبقى السؤال المركزي مطروحاً بقوة: أين يذهب الأثر الحقيقي للاستثمار؟
وفي غياب تقييم صارم ومحاسبة اقتصادية واضحة، يظل الخوف قائماً من أن تتحول بعض المشاريع من أدوات للتنمية المحلية إلى مجرد حلقات في اقتصاد عالمي يستفيد منه الأقوى، بينما يبقى المواطن المحلي في موقع المستهلك لا الشريك.
إنها معادلة تحتاج إلى إعادة نظر، ليس فقط في حجم الاستثمار، بل في عدالته، وفي من يستفيد منه فعلياً، وفي مدى قدرته على تحويل المدن مثل فاس إلى قطب اقتصادي منتج، لا مجرد محطة عبور لرؤوس الأموال.






