قضايا

زلزال العقار والتوثيق بفاس: كواليس سقوط الموثق “الحمامصي” ومقصلة جرائم الأموال تُنهي رحلة الهروب

تحقيق استقصائي “لفاس24” يكشف خيوط أضخم عملية سطو على الودائع: من ريع “أولاد الطيب” إلى كمين طنجة وهلاك الملايير!

شهدت ردهات غرف جرائم الأموال بالمركب القضائي بفاس فصول تصفية قضائية لواحد من أثقل الملفات التي هزت منسوب الثقة في مهنة التوثيق وفي منظومة الاستثمار العقاري بالمملكة. بطل هذا الملف ليس سوى الموثق الشهير (م. هـ. الحمامصي)، الذي تحول مكتبه الكائن بشارع الجيش الملكي بقلب العاصمة العلمية، من مركز لإبرام الصفقات الكبرى وضمان الحقوق، إلى مسرح لأضخم عملية تبديد للأموال وخيانة للأمانة طالت ودائع زبنائه من منعشين عقاريين، ومستثمرين، ومواطنين من مغاربة العالم.

هذا التحقيق الصحفي يزيح الستار عن المعطيات الدقيقة والوقائع الثابتة التي واكبت الملف، بدءاً من طريقة اشتغال الشبكة، وصولاً إلى تفاصيل توقيف الموثق الفارين، والقرارات القضائية التي وضعت حداً لجرائم “الياقات البيضاء”.

الهروب الهوليودي والكمين: مصالح “الديستي” تنهي مناورة طنجة

لم تكن نهاية المسار الفاري للموثق (م. هـ. الحمامصي) عادية، بل جاءت ثمرة تنسيق أمني عالي المستوى. فبعدما تقاطرت شكايات الضحايا على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس، مستندة إلى أرقام فلكية تبخرت من الحسابات الائتمانية، استشعر الموثق دنو ساعته، فقام بإغلاق مكتبه واختفى عن الأنظار تماماً، مما دفع بالنيابة العامة إلى إصدار مذكرة بحث وطنية في حقه.

المعطيات الأمنية المؤكدة أفادت بأن الحمامصي خطط للفرار خارج أرض الوطن عبر البوابة الشمالية للمملكة. لكن اليقظة الأمنية، وبتنسيق وثيق مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DST)، قادت عناصر المصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة طنجة إلى تحديد مكان اختبائه بدقة؛ حيث أُلقي عليه القبض في كمين محكم، وجرى ترحيله مصفداً إلى ولاية أمن فاس لتبدأ فصول المواجهة العاصفة مع الضحايا ومعطيات الفرقة الجهوية للشرطة القضائية.

هندسة “المجزرة المالية”: كيف تبخرت ودائع الزبناء؟

كشفت التحقيقات القضائية المعمقة أن الأسلوب الجرمي للموثق الموقوف لم يكن اعتباطياً، بل اعتمد على استغلال الثقة المفترضة في حاملي الأختام الرسمية للدولة لتجاوز الضمانات الحمائية التي فرضها المشرع المغربي في قانون 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق. وتلخصت آليته في:

  • تجاوز صندوق الإيداع والتدبير (CDG): كان الموثق يعمد إلى إقناع المشترين بضخ مبالغ المعاملات العقارية نقداً أو عبر شيكات باسمه الشخصي أو اسم مكتبه، بدلاً من توجيهها إجبارياً إلى الحساب المحمي بالصندوق الحكومي، ليقوم لاحقاً بالتصرف فيها وتوجيهها لتغطية عجز مشاريع أخرى أو لتهريبها.

  • فضيحة عقار “أولاد الطيب”: يظل ملف تفويت الوعاء العقاري الضخم المتواجد بجماعة “أولاد الطيب” بنواحي فاس اللغز الأكبر في الملف، حيث سطا الموثق في هذه العملية وحدها على مبلغ مالي محدد في مليار و880 مليون سنتيم (ما يناهز 19 مليون درهم)، وهو المبلغ الموجه لفائدة ورثة ومستثمرين وجدوا أنفسهم فجأة أمام وثائق رسمية بلا رصيد مالي.

  • شيكات الضمان الهالكة: لمحاصرة غضب كبار المنعشين العقاريين الذين طالبوا بمستحقاتهم، وزّع الموثق شيكات بمئات الملايين كـ “ضمانات”، تبيّن بمجرد تقديمها للمؤسسات البنكية أنها شيكات هالكة تفتقر تماماً للمؤونة الكافية (بدون رصيد).

الروابط المشبوهة: منعشون عقاريون في دائرة التواطؤ والسطو

لم تكن خطط الموثق الحمامصي لتدور عجلاتها بهذه السلاسة لولا التواطؤ المكشوف لشبكة من المنعشين العقاريين النافذين بفاس، الذين ارتبطت مصالحهم بمكتبه لتمرير صفقات مشبوهة تجاوزت حدود القانون. لقد كشفت التحقيقات عن خيوط تحالف أسود بين الموثق وهؤلاء المنعشين، حيث تم التستر على عمليات سطو ممنهجة طالت أراضٍ وعقارات شاسعة بالمدينة، جرى تحويلها بسرعة البرق إلى تجزئات سكنية ضخمة دون سلك المساطر القانونية المعمول بها.

هذا التحالف النفعي سمح ببروز مشاريع إسمنتية عشوائية تغيب عنها أدنى شروط السكن اللائق، وسط غياب تام ومريب لدفاتر التحملات، أو القفز عليها وعدم الالتزام ببنودها التقنية والبيئية. لقد شُيدت هذه التجزئات السكنية على حساب المساحات الخضراء والمرافق العمومية المفترضة، مما يوضح حجم الجشع التوسعي لـ “حيتان العقار” الضخمة التي باتت تتحكم في الخريطة العمرانية للعاصمة العلمية.

غياب رقابة جماعة فاس: تواطؤ صامت يطالب بـ “زلزال الداخلية”

أمام هذه الفوضى العمرانية والمالية، يطرح المتتبعون للشأن المحلي علامات استفهام حارقة حول دور جماعة فاس ومصالح قسم التعمير بها، التي التزمت “صمت القبور” ووقفت موقف المتفرج — إن لم يكن المتواطئ — أمام خروقات هؤلاء المنعشين العقاريين والموثق. هذا الغياب التام لآليات المراقبة والتتبع الجماعي هو الذي شرعن الفوضى وسمح لـ “حيتان العقار” بفرض سياسة الأمر الواقع واغتصاب المخططات التوجيهية للتهيئة العمرانية.

إن هذا الوضع المتفجر يسائل بشكل مباشر وزارة الداخلية؛ حيث بات من الضروري والملح تحريك مصالح المفتشية العامة لوزارة الداخلية (IGAT) بشكل فوري، لفتح تحقيق أسود ومعمق في التراخيص الممنوحة لعدة تجزئات سكنية تعود لأباطرة العقار النافذين بفاس. إن تدقيق ملفات هذه التجزئات والنبش في كواليسها هو السبيل الوحيد لربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفكيك الكارتل الذي يرهن مستقبل المدينة ومقدراتها السكنية لصالح مراكمة الثروات غير المشروعة.

تداعيات اجتماعية واقتصادية: عائلات بلا ملكية واستثمار مشلول

لم تتوقف شظايا هذا الملف عند حدود خسارة المستثمرين الكبار، بل امتدت لتخنق السلم الاجتماعي لعشرات الأسر من الطبقة المتوسطة ومغاربة العالم. فالعديد من المواطنين الذين دفعوا “شقى العمر” لشراء شقق سكنية عبر مكتب الحمامصي، وجدوا أنفسهم يعيشون في دوامة قانونية؛ حيث تسلّم الموثق مبالغ “الواجبات التكميلية ورسوم التسجيل والتحفيظ” واستهلكها بتواطؤ مع المنعشين الذين باعوهم الوهم، مما أدى إلى “بلوكاج” شامل في عمليات التحفيظ، وبقاء عائلات عديدة بدون شهادات ملكية تثبت أحقيتها في العقارات التي تقطنها.

المقصلة القضائية: إدانة جنائية ثقيلة وحجز على الممتلكات

بعد مسار محاكمة ماراطوني حظي بمتابعة إعلامية دقيقة، حسمت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس في الملف، واضعة حداً لتبريرات الموثق الذي حاول التذرع بالأزمة المالية الفجائية.

وجرت متابعة الحمامصي في حالة اعتقال احتياطي بالجناح الأمني لسجن “بوركايز” بفاس، حيث توبع بصك اتهام ثقيل سطرته النيابة العامة يتضمن: “اختلاس وتبديد أموال عامة وخاصة وضعت تحت يده بمقتضى وظيفته، والتزوير في محررات رسمية واستعمالها، وإصدار شيكات بدون رصيد”.

وقضت المحكمة بإدانته بـ سنوات من السجن النافذ وغرامات مالية ثقيلة، مع الحكم بإرجاع كافة المبالغ المنهوبة لفائدة المطالبين بالحق المدني (الضحايا). كما أمرت المحكمة بتفعيل مسطرة الحجز التحفظي والتجميد القانوني على كافة الأصول العقارية، والمنقولات، والأرصدة البنكية التابعة للموثق ولمكتبه، في خطوة لتأمين حد أدنى من التعويضات المادية للضحايا، في انتظار أن تشمل المقصلة القضائية والرقابية بقية الرؤوس الكبيرة المتورطة في هذا الملف الأسود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى