زلزال الشكايات يطرق أبواب “المجموعات الصحية الترابية”: هل يملك “الداودي” كاريزما تفكيك شفرات الصحة المعطوبة بجهة فاس-مكناس.. أم أن قطار الإصلاح سيفرمل في منعرجات الريف والأطلس؟

لم تكن عودة ملف قطاع الصحة إلى واجهة النقاش العمومي بجهة فاس-مكناس مجرد صدفة عابرة، بل جاءت لتعري واقعاً مأزوماً يتأرجح بين لغة الشعارات الحكومية والواقع الميداني الصادم والمخزي. ويأتي انعقاد المجلس الإداري الأول للمجموعة الصحية الترابية للجهة، برئاسة رئيس الحكومة وحضور ثلة من الوزراء ووالي الجهة، ليضع مجهر المساءلة والمحاسبة فوق رأس المدير الجهوي المعين حديثاً، عبد الكريم الداودي.
الرجل الذي يجر وراءه حقيبة مثقلة بتجارب التدبير، متنقلاً بين أسوار المستشفى الجامعي بوجدة وكواليس المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، يجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام التحدي الأكبر والأكثر خطورة في مساره المهني: هل يستطيع حل شفرات قطاع صحي “معطوب” وميت سريرياً؟ وهل يملك الوصفة السحرية لوقف نزيف المرضى، والقطع النهائي مع المقولة الإدارية اللعينة التي تتردد كعقوبة جماعية صامتة في ردهات المستشفيات الإقليمية: “سير لفاس”؟
تسونامي الشكايات: الموت على أبواب المستعجلات وصرخات الحوامل في العراء
تؤكد المؤشرات والتقارير المتقاطعة حول تظلمات المرتفقين بقطاع الصحة، أن المنظومة غارقة حرفياً في بحر من الشكايات؛ إذ سجلت المنظومة الرقمية لتلقي التظلمات ما يناهز 4200 شكاية في ظرف وجيز لم يتعدّ شهراً ونصفاً من إطلاقها. ورغم محاولات الإدارة لتسوية جزء من هذه الملفات، فإن حجم تلك التظلمات يطرح تساؤلات حارقة حول الفظاعات التي تقع خلف الأسوار.
إن الرهان الحقيقي والامتحان الإنساني المقلق الذي ينتظر المدير الجهوي الجديد، عبد الكريم الداودي، يتلخص في أسئلة واضحة وحاسمة يطرحها الشارع اليوم: هل يمتلك القدرة الفعلية على توقيف نزيف وفيات المرضى المعذبين على أبواب أقسام المستعجلات؟ تلك الأقسام التي تحولت في مستشفيات الجهة إلى “قاعات انتظار للموت” بفعل الإهمال وغياب الأطباء الاختصاصيين والمقيمين.
وهل سيضع حداً للمشاهد المهينة والمبكية لـ ولادة النساء الحوامل بأبواب أقسام الولادات وعلى أرصفة المستشفيات في العراء؟ إن اضطرار أمهات في مخاض عسير للولادة في الشارع بعد طردهن بداعي “غياب السرير” أو “غياب الطبيب المولد” وصمة عار في جبين التدبير الصحي بالجهة، وملف أسود يستوجب المعالجة الصارمة لا المداراة السياسية.
معضلة الأسرة المفقودة ومغرب السرعتين: من جبال الريف و الأطلس إلى سهول سايس
إن الرهان الحقيقي الذي يواجه الإدارة الجديدة لا يكمن في هندسة الاجتماعات داخل المكاتب المكيفة لمديرية المجموعة، بل في القدرة على اختراق “المغرب العميق” وتفكيك شفرات “مغرب السرعتين” في قطاع الصحة. نحن نتحدث عن جهة شاسعة ومعقدة تضريسياً وجغرافياً، تمتد من قمم جبال الريف الصامدة والمناطق النائية لتاونات والحاجب، مروراً بمرتفعات الأطلس المتوسط الشاهقة في إفران وقساوة مناخ بولمان وأعالي فكيك، وصولاً إلى سهول سايس وجزء من حوض ملوية.
في هذه المناطق المنسية، يبرز السؤال الجوهري: هل سيجد المدير الجديد أسرة للمرضى الفقراء والقادمين من الفئات الهشة بالمغرب العميق؟ أم أن “السرير الطبي” سيبقى خاضعاً لمنطق المحسوبية والزبونية والوساطات المقيتة؟
الساكنة في المداشر المعزولة تتساءل بمرارة: هل يعلم المدير الجديد والوفد الحكومي الذي اجتمع في المركز أين يقع المركز الصحي “أجدير” أو مستوصف “مرنيسة”؟ وهل يملك فريق عمله الخبرة الميدانية بـ “تضاريس المعاناة” لمعرفة النقط السوداء التي يموت فيها الأطفال والنساء الحوامل بسبب غياب قطن، أو مصل مضاد لسم العقارب، أو سيارة إسعاف تقاوم الثلوج والمسالك الوعرة؟
مؤامرة “سير لفاس”: خطة الهروب إلى الأمام للمستشفيات الإقليمية
إن أكبر بؤرة فساد تدبيري وتخاذل مهني يجب على الداودي تفكيكها هي “الخطة الإدارية الممنهجة” التي تعتمدها جل المستشفيات الإقليمية بالجهة (في تازة، صفرو، بولمان، تاونات، ومكناس وحواضرها)، والمتمثلة في التخلص من المرضى وتوجيههم قسراً عبر ورقة الموت البطاقات الزرقاء لـ “سير لفاس” نحو المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس.
هذه الخطة ليست ناتجة دائماً عن نقص الإمكانيات، بل هي آلية دنيئة للهروب من المسؤولية الطبية والتدبيرية، وتصدير الأزمات المحلية نحو المركز، مما تسبب في تحويل المستشفى الجامعي بفاس إلى “مطرح بشري” للمرضى، يفتقر فيه المواطن لأبسط شروط العلاج الآدمي، ويعيش فيه الأطباء والممرضون النزهاء تحت ضغط رهيب. قطع أوراق هذه “المؤامرة التدبيرية” يتطلب من المدير الجديد جرأة غير معهودة في تفعيل لجان التفتيش، ومساءلة مدراء المستشفيات الإقليمية عن ميزانياتهم وتجهيزاتها البيوطبية (كأجهزة الفحص بالأشعة والرنين المغناطيسي) التي تُعطل عمداً في كثير من الأحيان لتوجيه الساكنة نحو القطاع الخاص أو تهجيرهم نحو فاس!
صيف ساخن بانتظار المدير: الغليان النقابي وشرارة سوء التقدير الحكومي
لن تكون انطلاقة عبد الكريم الداودي مفروشة بالورود، بل إن الواقع الذي ينتظره أكثر مرارة وقسوة مما تعتقد التقارير الجاهزة. فالرجل سيصطدم بجدار سميك من الاحتجاجات والاحتقان النقابي الذي سترثه الإدارة الجديدة عن سوء التدبير وسوء التقدير الحكومي الذي طبع المرحلة السابقة. لقد نجحت الحكومة الحالية، بقراراتها الارتجالية ووزيرها الحالي، في إشعال فتيل إضرابات قطاع الصحة في مختلف الجهات، ودفعت الشغيلة الصحية إلى الخروج للشارع والاحتجاج المستمر بسبب التماطل في الاستجابة للمطالب العادلة، وضبابية الوضعية القانونية والمالية للموظفين والممرضين والأطباء داخل هذه “المجموعات الصحية الترابية” المستحدثة.
هذا الوضع المتفجر يحتم على المدير الجهوي الجديد ألا يكتفي بصفته “الإدارية الصارمة”، بل يفرض عليه البحث عن “كاريزما تواصلية” مفقودة، وبناء جسور حوار حقيقية ومسؤولة مع النقابات الصحية بالجهة لإطفاء الحرائق المشتعلة داخل المؤسسات الاستشفائية. فالأمن الصحي للساكنة لا يمكن تحقيقه بموظفين يبحثون عن مصالحهم و لم يسبقلالهم أنا زاروا الأقاليم و الجماعات الترابية و محبطين، وممرضين يشتغلون تحت طائلة التهديد والاقتطاعات وغياب التحفيز، بل بإشراكهم كفاعلين أساسيين في ورش الإصلاح.
كفى استهتاراً بصحة المغلوب عليهم!
إن إحداث المجموعات الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس لا يجب أن يكون مجرد تغيير لافتات، أو وسيلة بيروقراطية لإعادة تدوير نفس الوجوه والسياسات الفاشلة التي عذبت المواطنين وأفرغت كرامتهم. الساكنة ملّت الوعود والكلام المعسول، ولم تعد تقبل بأن تظل صحة أبنائها وحياة أمهاتها رهينة لـ “السرعة الميتة” لقطاع نخرته العشوائية.
عبد الكريم الداودي أمام امتحان تاريخي، إما أن ينزل من برجه العاجي و أن لا يكرر أخطاء تنزيل المجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة، ويقود فريق عمله ميدانياً نحو قمم الجبال والمناطق المنسية لانتزاع شفرات هذا العطب، وتأمين حق العلاج والسرير والكرامة الإنسانية لكل مواطن في بولمان والريف وسايس، أو أنه سيكتفي بتدبير الأزمة وتبرير الفشل، لينضم إلى قائمة المسؤولين الذين مروا على الجهة وتركوا وراءهم قطاعاً يترنح في غرفة الإنعاش! طفح الكيل، والجهة لا تستحق هذا التهميش الصحي الممنهج!






