في أول زيارة رسمية للعيون.. السفير الأمريكي يترجم دعم واشنطن لمغربية الصحراء إلى استثمارات.. ومنحة تاريخية لإطلاق مشروع ضخم للأمونيا الخضراء

تحولت الزيارة الأولى التي قام بها سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى المملكة، ديوك بوكان الثالث، إلى مدينة العيون، إلى محطة سياسية واقتصادية بارزة في مسار العلاقات المغربية الأمريكية، بعدما حملت رسائل واضحة تؤكد انتقال واشنطن من مرحلة تأكيد مواقفها الدبلوماسية إلى مرحلة الاستثمار المباشر في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
فالزيارة، التي تعد الأولى للسفير الأمريكي إلى العيون منذ توليه مهامه، لم تقتصر على لقاء المسؤولين الترابيين والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين، والاطلاع على الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها جهة العيون الساقية الحمراء، بل توجت بالإعلان عن أول تمويل فيدرالي أمريكي موجه إلى مشروع استثماري بالصحراء المغربية، في خطوة اعتبرها متابعون تحولاً نوعياً في طبيعة الحضور الأمريكي بالمنطقة.
وفي هذا الإطار، احتضنت مدينة العيون مراسم توقيع اتفاقية منحة بين الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية (USTDA) وتحالف المستثمرين ORNX، لتمويل الدراسة الهندسية الأولية الخاصة بمشروع ضخم لإنتاج الأمونيا الخضراء، وهو أحد المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها المملكة ضمن خارطة الطريق الوطنية للهيدروجين الأخضر.
ووقع الاتفاقية نائب مدير العمليات بالوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية، توماس هاردي، والمدير العام لتحالف ORNX، بيتر غيش، بحضور السفير الأمريكي وعدد من المسؤولين المغاربة، يتقدمهم والي جهة العيون الساقية الحمراء عامل إقليم العيون عبد السلام بكرات، ورئيس مجلس الجهة سيدي حمدي ولد الرشيد، إلى جانب ممثلي القطاعات الحكومية والمنتخبين والدبلوماسيين والفاعلين الاقتصاديين.
وأكد السفير الأمريكي أن هذه الاتفاقية تمثل “يوماً مهماً” في تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية، لأنها تشكل أول تمويل تمنحه الحكومة الأمريكية للقطاع الخاص في الصحراء المغربية، معتبراً أن العلاقات بين الرباط وواشنطن أصبحت أكثر قوة من أي وقت مضى بفضل قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وجدد بوكان، خلال كلمته، موقف الولايات المتحدة الداعم للمخطط المغربي للحكم الذاتي باعتباره الأساس الجاد والموثوق للتوصل إلى حل دائم للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، مؤكداً أن الوقت قد حان للانتقال نحو تسوية تعزز الاستقرار والازدهار في المنطقة، ومشدداً على أن الدعم الأمريكي لم يعد يقتصر على المواقف السياسية، بل أصبح يتجسد في مشاريع اقتصادية واستثمارات ملموسة داخل الأقاليم الجنوبية.
ويرى مراقبون أن اختيار مدينة العيون لإطلاق أول تمويل فيدرالي أمريكي ليس قراراً تقنياً فحسب، بل يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية عميقة، ويعكس رغبة واشنطن في مواكبة الدينامية التنموية التي تعرفها الصحراء المغربية، وترجمة الشراكة الاستراتيجية مع المغرب إلى مشاريع ذات أثر مباشر على الاقتصاد المحلي.
من جانبه، أوضح توماس هاردي أن المنحة ستمكن من إنجاز الدراسات التقنية والهندسية الضرورية لتسريع المشروع، وتسهيل تعبئة الاستثمارات اللازمة لإنجازه، مؤكداً أن المشروع مرشح لأن يصبح أحد أكبر المشاريع الصناعية في مجال الطاقات النظيفة بالأقاليم الجنوبية، وأن الوكالة الأمريكية تعتزم توسيع حضورها بالمغرب، خاصة بمدينة العيون، لدعم البنيات التحتية والاستثمارات الاستراتيجية.
بدوره، أبرز مدير الدبلوماسية الاقتصادية بوزارة الشؤون الخارجية، محمد أمين بلحاج، أن توقيع الاتفاقية يتزامن مع الاحتفال بمرور 250 سنة على العلاقات الدبلوماسية المغربية الأمريكية، مؤكداً أن هذه الشراكة التاريخية تنتقل اليوم إلى مرحلة جديدة ترتكز على التكنولوجيا والطاقات المتجددة والاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.
ويعد مشروع ORNX من المشاريع الكبرى التي اختارتها الحكومة المغربية في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر، تنفيذاً للرؤية الملكية الرامية إلى جعل المغرب منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الطاقات النظيفة، مستفيداً من المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها الأقاليم الجنوبية، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وتؤكد هذه الزيارة، التي تضمنت لقاءات مع السلطات المحلية والمنتخبين وفعاليات اقتصادية وشخصيات مدنية وشيوخ وأعيان القبائل، أن الأقاليم الجنوبية أصبحت تحظى باهتمام متزايد من قبل الشركاء الدوليين، ليس فقط من زاوية الملف السياسي، بل باعتبارها فضاءً واعداً للاستثمار والصناعة والطاقات المتجددة، في ظل الاستقرار الذي تعرفه المنطقة وتنامي مشاريعها المهيكلة.
ويعتبر متابعون أن إطلاق أول تمويل حكومي أمريكي لمشروع اقتصادي في الصحراء المغربية يشكل رسالة دولية قوية، تؤكد أن التعاون بين الرباط وواشنطن دخل مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار والشراكة الاقتصادية، بما يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية كمحور استراتيجي للاستثمارات الدولية، ويكرس الثقة المتزايدة في النموذج التنموي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس بهذه الربوع من المملكة.






